نيويورك تتحدث.. والسودان يعرف طريقه

هوامش السيادة

بقلم/ أبوذر عوض الكريم أحمد

مجلس الأمن يتحدث كثيراً عن السودان، والسودان يسمع، لكنه لا يحتاج إلى من يكتب له مصيره من خلف المكاتب المغلقة، ولا إلى وصفات دبلوماسية تُجمّل الأزمة وتُبقي أصلها قائماً. فالمشهد السوداني اليوم أكبر من بيانات الإدانة، وأعمق من عبارات القلق، وأوضح من أن يُختزل في حديث إنساني منفصل عن حقيقة الحرب وأسبابها.

جلس مجلس الأمن امس، 24 أغسطس، في إحاطة مفتوحة بشأن السودان، بطلب من الدنمارك، رئيسة المجلس خلال أغسطس، وتركزت الجلسة على حماية المدنيين والتداعيات الإنسانية للصراع.

لكن جلسة اليوم حملت أرقاماً لا ينبغي أن تمر في زحام البيانات.

فقد كشفت إحاطة وكيلة الأمين العام للشؤون السياسية وبناء السلام، روزماري ديكارلو، أن نحو 13 مليون سوداني اضطروا إلى الفرار من منازلهم، بينهم نحو 8.7 مليون نازح داخلياً، فيما وثقت الأمم المتحدة نحو 1400 وفاة بين المدنيين خلال الفترة من يناير إلى يونيو من هذا العام، بينهم نحو 1100 شخص قضوا جراء ضربات المسيّرات.

هذه الأرقام لا تقول فقط إن السودان يعيش كارثة إنسانية؛ إنها تقول إن الحرب دخلت طوراً بالغ الخطورة، وإن السلاح الحديث، وفي مقدمته المسيّرات، أصبح أداة رئيسية في استهداف المدن والأسواق والمرافق الحيوية.

والسؤال الذي ينبغي أن يُقال بوضوح، لا في هامش البيانات، بل في صلب الموقف الدولي: من الذي أشعل هذه الحرب؟ ومن الذي ما زال يمدها بأسباب البقاء؟ ومن الذي يملك السلاح والتمويل والإمداد؟

ومن المهم هنا أن تُسمى الأشياء بأسمائها.

دويلة الإمارات ليست مراقباً محايداً في المشهد السوداني.

فالخرطوم تتهم أبوظبي بالضلوع في دعم مليشيا الدعم السريع وتمويلها وإسنادها، وهو اتهام ظل حاضراً بقوة في الموقف السوداني الرسمي، كما أصبح الدور الإماراتي واحداً من أكثر الملفات إثارة للجدل في الحرب السودانية. والسؤال الذي يفرض نفسه على المجتمع الدولي: كيف يُطلب من السودان أن يوقف الحرب، بينما تظل أبواب الدعم الخارجي مفتوحة أمام المليشيا؟

السودان لا يعترض على حماية المدنيين، بل إن حماية المواطن السوداني من القتل والنزوح والجوع هي في جوهر معركة الدولة نفسها. لكن حماية المدنيين لا تكون بتسوية الحقيقة بالباطل، ولا بوضع الدولة ومؤسساتها الوطنية ومليشيا متمردة في كفة واحدة، ثم مطالبة الضحية بأن تقدم التنازلات حتى تستقيم معادلة السلام.

المعادلة أكثر وضوحاً من كل ذلك.

السودان دولة، والقوات المسلحة السودانية مؤسسة وطنية، والقوات النظامية الأخرى تقف إلى جانبها في معركة استعادة الدولة، أما مليشيا آل دقلو فهي قوة متمردة حملت السلاح في وجه الدولة، وفتحت أبواباً واسعة أمام التدخل الخارجي ومشروعات تفكيك السودان.

وهنا تحديداً ينبغي أن تكون الدبلوماسية السودانية أكثر حضوراً، وأكثر صراحة، وأكثر قدرة على نقل الرواية السودانية إلى العالم بلغة القانون والسيادة والمصالح الوطنية.

لا نريد من المجتمع الدولي أن يقاتل نيابة عن السودان، ولا نطلب منه أن يرسل جندياً واحداً إلى جبهاتنا. المطلوب فقط أن يرى الصورة كاملة، وأن يتعامل مع أصل الأزمة لا مع نتائجها فقط.

فلا معنى للحديث عن وقف إطلاق النار مع بقاء المليشيا محتفظة بسلاحها ومواقعها وطرق إمدادها.

ولا معنى للحديث عن السلام بينما تُترك الدولة أمام قوة مسلحة تريد أن تفرض واقعاً سياسياً بقوة السلاح.

ولا معنى للحديث عن مستقبل السودان مع ترك الباب مفتوحاً أمام كيانات موازية ومشروعات تقسيم وتفكيك للقرار الوطني.

ومن المؤسف أن بعض الأصوات التي ترفع شعار السلام في المنابر الدولية تتحاشى تسمية الأشياء بأسمائها. تريد سلاماً بلا سؤال: من بدأ الحرب؟ ومن احتل المدن؟ ومن هاجم المواطنين؟ ومن استباح المؤسسات؟ ومن فتح خطوط الإمداد أمام السلاح والطائرات المسيّرة؟

وهنا يأتي السؤال الأكثر إلحاحاً: من أين تأتي هذه القدرة على مواصلة الحرب؟

من الذي يوفر المال؟ من الذي يفتح خطوط الإمداد؟ من الذي يمنح المليشيا فرصة لإعادة إنتاج الحرب كلما ضاق عليها الخناق؟

إن كانت حماية المدنيين هي عنوان المجتمع الدولي، فحماية المدنيين تبدأ من تجفيف منابع الحرب، لا من مخاطبة ضحاياها وحدهم.

هذه الأسئلة لا تسقط بالتقادم.

والسودان، في هذه اللحظة، لا يحتاج إلى مزيد من الضباب الدبلوماسي.

يحتاج إلى موقف دولي واضح: دعم وحدة السودان، احترام سيادته، رفض أي كيان موازٍ، تجفيف منابع السلاح عن المليشيا، ومحاسبة من يثبت تورطه في تمويل الحرب أو إطالة أمدها.

أما الميدان، فله حديث آخر.

القوات المسلحة السودانية والقوات النظامية الأخرى والقوات المساندة لها تمضي في معركة استعادة الأمن والسيادة، فيما تتواصل العمليات في عدد من المحاور. وفي أحدث التطورات، أفادت إحاطة الأمم المتحدة بأن القتال خلال الأسابيع الأخيرة تركز بصورة خاصة في شمال كردفان ودارفور والنيل الأزرق، مع استمرار استخدام المسيّرات بكثافة. وفي شمال كردفان، ظلت مدينة الأبيض ومحيطها من أبرز بؤر القتال، فيما أشارت الأمم المتحدة إلى تطورات ميدانية واستعادة مواقع وبلدات استراتيجية.

والأخطر أن الحرب لم تعد شأناً محلياً محصوراً داخل الحدود السودانية؛ فقد نبهت الإحاطة إلى تجدد القتال قرب الحدود، بما يرفع مخاطر تمدد الصراع إقليمياً، خصوصاً في محيط الحدود السودانية ـ التشادية.

هذه ليست حرباً تبحث فيها الدولة عن مجد عسكري؛ إنها معركة بقاء دولة.

ولهذا فإن حديث القيادة عن استمرار المعركة حتى نهاية التمرد لا ينبغي قراءته باعتباره خطاباً عسكرياً مجرداً، بل باعتباره إعلاناً عن أن الدولة لا تزال متمسكة بحقها في احتكار السلاح والقرار والسيادة.

وفي المقابل، فإن الباب الذي فتح أمام من يضع السلاح ويعود إلى صف الوطن يبعث برسالة مهمة: المعركة مع التمرد، لا مع أبناء السودان الذين يمكن أن يعودوا إلى الدولة.

وهذه نقطة ينبغي البناء عليها وطنياً وسياسياً.

فالسودان لا يمكن أن يعيش إلى الأبد على إيقاع البندقية. بعد إسكات صوت الحرب، ستبدأ المعركة الأصعب: معركة بناء الدولة، وترميم المجتمع، وإعادة الإعمار، واستعادة الاقتصاد، وإعادة النازحين، ومحاسبة المجرمين، وفتح الطريق أمام السودانيين لصناعة مستقبلهم بأيديهم.

لكن الطريق إلى السلام لا يبدأ بتجميل التمرد.

يبدأ بإسقاط مشروع المليشيا.

ولا يبدأ بتدوير النخب نفسها حول طاولة جديدة.

يبدأ بإعادة الاعتبار للدولة السودانية.

ولا يبدأ بصفقات خارجية تُكتب في عواصم الآخرين.

يبدأ من إرادة السودانيين.

وما جرى اليوم في مجلس الأمن ينبغي أن يُقرأ بعين مفتوحة: المجتمع الدولي بات أمام أرقام ضخمة عن النزوح والقتل واستهداف البنية التحتية، وأمام حرب تستخدم المسيّرات على نطاق واسع، وأمام خطر يتجاوز الحدود. لكن السودان نفسه يجب ألا يسمح بأن تتحول هذه المأساة الإنسانية إلى مدخل لوصاية دولية على قراره الوطني.

نحن نرحب بكل جهد صادق يوقف نزيف الدم، ونرحب بكل مبادرة تحفظ وحدة السودان، ونرحب بكل يد تمتد لإغاثة الجائع وإيواء النازح وإعادة إعمار ما دمرته الحرب.

لكن السلام الذي يطلب من الدولة أن تتنازل عن سيادتها ليس سلاماً، والهدنة التي تمنح المليشيا فرصة لإعادة ترتيب صفوفها ليست طريقاً إلى السلام.

السودان يريد السلام، نعم.

لكن سلاماً لا يدفن الحقيقة.

سلاماً لا يكافئ التمرد.

سلاماً لا يشرعن المليشيا.

سلاماً لا يقسم البلاد إلى مناطق نفوذ.

سلاماً يعيد السلاح إلى مؤسسات الدولة، والقرار إلى الشعب، والسيادة إلى الخرطوم.

وفي نيويورك، قد تتعدد الكلمات وتتباين المواقف، وقد تتعالى الأصوات من وراء الميكروفونات، لكن الحقيقة السودانية لا تُكتب في قاعات مجلس الأمن.

الحقيقة تُكتب الآن في الميدان، وفي صبر الجندي، وفي صمود المواطن، وفي قدرة الدولة على البقاء.

والسودان الذي دفع كل هذا الثمن لن يقبل أن تكون نهاية الحرب بداية لتقسيمه.

 

هوامش السيادة

 

الكلمة في زمن الحرب ليست زينةً على هامش الخبر، ولا مجاملةً للسياسة، ولا صدىً لمكاتب الخارج. الكلمة موقف، والموقف مسؤولية، والمسؤولية تقتضي أن نقول إن السودان يستحق سلاماً يحفظه، لا تسويةً تُفككه؛ ويستحق دولةً واحدة، لا خرائط نفوذ؛ ويستحق جيشاً وطنياً ومؤسساتٍ وطنية، لا جيوشاً ومليشياتٍ تتنازع حقه في الحياة.

*وسيظل الموقف واضحاً:*

نعم للسلام، ولكن بعد أن تتراجع يد التمرد.

نعم للحوار، ولكن داخل وطن واحد.

نعم للمصالحة، ولكن دون مساومة على سيادة السودان.

فالخرطوم لا تحتاج وصياً يقرر لها مستقبلها، ولا تحتاج من يشرح لشعبها معنى الوطن.

السودان يعرف وطنه، ويعرف جيشه، ويعرف طريقه إلى الدولة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى