علم الدين عمر يكتب : حرب السودان.. أوان التوثيق والمشاهدات !!

حاجب الدهشة..

 

..ومن كرامات تجاربي القرائية مؤخراً أنها جددت لدي شغفاً قديماً بكتابات الأطباء وقراءاتهم ورؤيتهم للناس والأحداث..إذ ترسخت عندي قناعة وادعاء بأنهم الأقدر علي فهم العلاقة بين الروح والجسد.. وبالتالي القدرة علي التعبير عن مشاهداتهم بعمق سهل ومهضوم- السهل الممتنع..وقد أُولعت في زمان مضي بكتابات العراب الدكتور أحمد خالد توفيق.. الذي تمكن من توظيف خلفيته الطبية في كتابات ما وراء الطبيعة والكتابة الساخرة.. فضربت شهرته الآفاق.. وكنت قد مررت كذلك في منفاي الحالي علي كتاب (ممتلئ بالفراغ) للطبيب المصري عماد رشاد عثمان.. فأدهشني إكتشاف هذا النطاس المصري كاتباً مهولاً..قادراً علي تحويل المعرفة الطبية إلي قراءة إنسانية عميقة للنفس والبشر والحياة..

خلال الإسبوع الماضي أهداني الصديق الدكتور عبدالعاطي المناعي كتابه الشيق «السودان.. الحرب والدمار ـ شهادتي علي زمن الانهيار».. وهي مشاهدات طبيب مصري عاشق للسودان.. أنفق آخر عشر سنوات من عمره متبتلاً في محرابه.. وألجأته الظروف إلي الصمود في مركزه الطبي بالخرطوم.. فشاهد لحظة اندلاع الحرب وإعلان تمرد مليشيا الدعم السريع وعبثها بالتراب السوداني.. واستمر في عمله تحت القصف والتهديد.. مجازفاً بحياته.. بمحبة..

ما جعل لشهادة الدكتور المناعي قيمة كبيرة.. فهو لم يكتب عن الحرب من نافذة المحبة من علي البعد.. ولم يجمع مادته من الأخبار والتقارير والشهادات المتداولة.. كتب الرجل من قلب الحدث.. ومن داخل الخرطوم.. وبينما كانت المدينة نفسها تتحول أمام عينيه إلي مسرح مفتوح للنار والخوف والإنهيار.. كان طبيباً مدنياً.. لكنه وجد نفسه فجأة شاهداً علي واحدة من أخطر اللحظات في التاريخ السوداني الحديث.. يعالج المرضي والجرحي.. ويتابع سقوط الأشياء من حوله.. ويراقب كيف يتحول المكان الآمن إلي مساحة تهدد الحياة في كل لحظة.. فوجدها سانحة تاريخية لكتابة مشاهدات ربما لن تتكرر ظروفها ولا ملابساتها مرة أخري..لذلك لم يتعامل مع تجربته كمجرد مأساة شخصية.. وأعتبرها أمانة توثيقية.. كتب الدكتور المناعي كتابه مستعرضاً حبه للسودان والسودانيين.. في مخطوطة أدبية بهدف التوثيق.. وهي في تقديري.. وفق ما رأيت حتي الآن.. من المحاولات المهمة والمبكرة والجادة لتوثيق يوميات الحرب الوجودية التي تعرض لها السودان.. والتي هدفت إلي تدميره وتفتيته وحرقه بالكامل..

والأهم أن المناعي لم يكتب فقط عن ما حدث.. وحكي كيف عاش السودانيون ما حدث.. وهذه نقطة شديدة الأهمية في كتابة التاريخ والمشاهدات تحتاج إلي ذاكرة الإنسان الذي كان هناك.. رأي وسمع وخاف وصمد وعالج وفقد وانتظر.. وبذلك تصبح شهادة طبيب مثل عبدالعاطي المناعي وثيقة إنسانية مجردة وشهادة من الداخل يصعب تعويضها إذا مضى الزمن وابتعدت التفاصيل وتراجعت الذاكرة..

لقد وثقت هذه المخطوطة بشكل أو آخر خروج السودان من هذه المحنة مثلما يخرج الذهب من النار.. أكثر بريقاً ولمعاناً وقيمة.. وهي بذلك جديرة بالاحتفاء في الأوساط السودانية التي غاب عنها طويلاً أدب المذكرات الشخصية.. الذي يخاطب جانباً هاماً من جوانب التوثيق.. إذ هي ليست مرجعيات أكاديمية ولا رسائل بحثية بمعايير محدودة الإطار.. هي زوايا خاصة يتم عبرها تحسس نبض الأحداث بشخوصها وتحدياتها ومآلاتها.. بمعايير مفتوحة تراعي فقط الموجهات الأخلاقية والقيمية ولا تركن لجوانب سياسية أو أيدلوجية محددة..

طوّف المناعي في كتابه علي القيم السودانية التي عصمت الدولة من الإنهيار.. متخذاً من هذه الكلمة تحديداً مدخلاً للكتاب وعنوانه.. لأنه فهم من أول وهلة أن الهدف هو حرق الدولة السودانية والقضاء التام علي كل موروثاتها التاريخية.. فأول ما حاولت هذه المؤامرة حرقه هو الثقة بين السودانيين التي تشكلت عليها الدولة والمجتمع السوداني..

وحين كتب عن حريق الخرطوم كان قد رأي وشاهد حرق المباني واستهداف المؤسسات عقب استباحة المليشيا للعاصمة.. ثم حكي كيف تجاوز الناس أمر المباني وحافظوا علي تماسكهم..وكيف ظل الإنسان السوداني رغم الخوف والجوع والحصار والقصف.. متمسكاً بخيط رفيع اسمه الدولة.. حتي استعاد السودان شيئاً من عافيته وبدأ يستعيد دولته..

هذه كتابة محترمة وجديرة بالإحترام.. وقع بها الدكتور عبدالعاطي المناعي علي دفتر الكرامة ومعركتها في السودان بكل الحب والإحترافية.. ولذلك لابد للدوائر المعنية بالثقافة والمثقفين وحركة التاريخ أن تلتقطها.. وتناقشها.. وتنفذ من خلالها لتوثيق هذه الفترة الهامة من تاريخ السودان والمنطقة والإنسانية..

والأهم أن تكون شهادة المناعي بداية ومنصة تحفيز واستفزاز لأقلام أخري.. من داخل السودان وخارجه للكتابة والمناقشة والتصحيح وإعادة قراءة ما جري.. قبل أن تبتلع الأيام التفاصيل.. وقبل أن تتحول الذاكرة الحية إلي روايات ناقصة..

نعود.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى