عثمان العاقب المحامي يكتب:الغياب وقت الحضور.. من يختار صُناع مستقبل السودان؟

الغياب وقت الحضور

 

أشعر اليوم بحزن عميق وأنا أتابع أسماء لجنة الحوار السوداني– السوداني، ليس اعتراضاً على أشخاص بأعيانهم، وإنما تساؤلاً مشروعاً حول المعايير التي تم بموجبها اختيار هذه الأسماء، ومدى قدرتها على التعبير عن تطلعات السودانيين في هذه المرحلة المفصلية من تاريخ البلاد.

فقد ضمت القائمة شخصيات يحق للرأي العام أن يتساءل عن أسباب اختيارها، في مقابل غياب أسماء وطنية ذات حضور فكري وقانوني وسياسي، عُرفت بمواقفها وإسهاماتها في الشأن العام، وكان يمكن أن تشكل إضافة حقيقية لحوار وطني يبحث بجد عن مخرج للأزمة السودانية.

وهنا يبرز السؤال الأهم: هل كانت الكفاءة والخبرة والرؤية والقبول الوطني هي المعايير الأساسية للاختيار؟ أم أن هناك معايير أخرى لم تُطرح بوضوح أمام الرأي العام؟ فاختيار المشاركين في حوار بهذا الحجم والأهمية لا ينبغي أن يقوم على مجرد التمثيل الشكلي، وإنما على القدرة على الإسهام في بناء رؤية وطنية تتجاوز الانقسامات وتضع مصلحة السودان فوق الاعتبارات الشخصية والسياسية.

ولعل الزميل الدكتور عبدالعظيم حسن المحامي يمثل نموذجاً يستحق التوقف عنده؛ بما عُرف عنه من إسهام فكري وقانوني، وما طرحه في مقالاته وكتاباته، ولا سيما في مشروع «دولة القانون»، من رؤى وأفكار وحلول تتصل بأزمات الدولة السودانية وبناء مؤسساتها وسيادة حكم القانون. ومثل هذه الكفاءات، في تقديري، كان يمكن أن تشكل إضافة مهمة لأي حوار جاد يبحث عن مخرج للوطن.

إن القضية في جوهرها ليست أسماء نريدها وأخرى لا نريدها، ولا هي انتقاص من قدر أي شخص ورد اسمه في اللجنة، وإنما هي قضية معايير ومقاييس ينبغي أن تكون واضحة وموضوعية وقابلة للتقييم.

فما نحتاج إليه اليوم هو أن نسأل: من هم القادرون على الإسهام في صناعة مستقبل السودان؟ ومن يملكون المعرفة والخبرة والرؤية والقدرة على بناء الجسور بين السودانيين في وقت تتسع فيه دائرة الحرب والانقسام والتمزق الاجتماعي والسياسي؟

إن الحوار الذي نبحث عنه اليوم ليس مناسبة للمجاملة، ولا مجالاً للمحاصصة، ولا ينبغي أن يكون مجرد جمع لأسماء تمثل اتجاهات مختلفة. الحوار الحقيقي يحتاج إلى أصحاب كفاءة ورؤية، وإلى شخصيات تتمتع بالاستقلالية والقدرة على الاستماع والتوافق، وتضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.

فإذا كان الحوار هو أحد الطرق الممكنة للخروج من الأزمة، فإن حسن اختيار من يمهدون له ويشاركون فيه يجب أن يكون الخطوة الأولى نحو نجاحه. والأهم من ذلك أن تكون مخرجاته قابلة للتنفيذ، وأن تتوافر الإرادة السياسية والوطنية للالتزام بها.

فالسودان اليوم لا يحتمل مزيداً من إهدار الفرص. وما تبقى لنا من وطن جريح يستحق أن نختار له أفضل الكفاءات، وأن نمنح أصحاب الرؤية والمواقف الوطنية فرصة حقيقية للمساهمة في إنقاذه، حتى يستعيد المواطن السوداني أمنه وكرامته، ويعود من النزوح واللجوء والتشرد إلى وطن يتسع لجميع أبنائه.

فالغياب وقت الحضور ليس مجرد غياب اسم من قائمة، وإنما قد يكون غياباً لفرصة كان يمكن أن تسهم في صناعة مستقبل أفضل للسودان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى