علم الدين عمر يكتب : لابد أن تستفيد الدولة منه.. عدوي.. نجم يغادر سفارة النجوم

حاجب الدهشة /

..من السهل جداً علي أي كاتب أن يريق مداده الأسود علي أي صحائف سوداء.. أم بيضاء تقع تحت يده لإنتقاد أداء أي مسؤول.. بمهنية.. أو مزاجية.. كما يحدث دائماً مع كتاب الرأي في الصحافة السودانية.. ولكن المسؤولية تقتضي أن نجرد القلم من محيط ومخيط الغرض والمرض في لحظات الحوجة للإنصاف من منطلقات أخلاقية مجردة.. وفي شأن الدبلوماسية هناك سفارات لا تسمح لتاريخها بأن يكون عابراً في النجاح والفشل.. ولا تقبل أن يكون سفيرها مجرد اسم في سجل السفراء الذين مروا..

السفارة السودانية في القاهرة واحدة من تلك السفارات.. إنها سفارة النجوم علي مر التاريخ..

محطة دبلوماسية نادرة.. مر عليها عبر تاريخها رجال لم يكونوا مجرد سفراء.. وكانوا جزءاً من صناعة التاريخ السوداني المصري نفسه..يكفي أن تستعيد الذاكرة اسم السفير الضخم أحمد عبدالحليم.. الذي شكل مرجعية وتاريخاً كاملاً للعلاقات السودانية المصرية..ثم السفير عبدالمحمود عبدالحليم..بما حمله من خبرة وحضور وقدرة على إدارة واحدة من أكثر العلاقات حساسية وخصوصية..وصولاً إلى السفير محمد إلياس..لتدرك أن سفير السودان في القاهرة لا يدخل مكتباً عادياً..هذا سفير يدخل إلى تاريخ مكتوب بأسماء الكبار..

شخصياً لا يخالجني شك في أن الفريق أول ركن مهندس عمادالدين مصطفى عدوي قد حجز مكانه بينهم بجدارة واستحقاق..

ليس لأن المقارنة سهلة كما يبدو لكن لأن الرجل تسلم السفارة في واحد من أصعب أوقاتها.. وربما في واحدة من أكثر المراحل تعقيداً التي عرفتها العلاقات السودانية المصرية علي الإطلاق..

هي مجرد ثلاث سنوات جاء عدوي خلالها إلى القاهرة محملاً بتجربة قائد أركان القوات المسلحة السودانية الأسبق..فإذا به يجد نفسه أمام مهمة مختلفة تماماً..حرب مشتعلة في السودان.. وتمرد مسلح.. ومعركة سياسية وإعلامية على الرواية.. وملايين السودانيين الذين اتخذوا من مصر منفاً إختيارياً عقب اندلاع الحرب..

أحياناً يقال عشرة ملايين وحيناً أكثر..

وفي ظل هذا الوجود السوداني الهائل.. لم تعد السفارة مجرد بعثة دبلوماسية تنسق علاقات البلدين.. لقد تحولت بحكم الواقع إلى فرع سيادي كامل التفاصيل عن الدولة السودانية.. تتقاطع فيه ملفات الدولة والسياسة والقنصلية والهجرة والتعليم والصحة والخدمات..وتلتقي فيه مؤسسات الدولتين على مدار الساعة..

كان على عدوي أن يحمل كل ذلك في صمت لأن حساسية الوجود وتقاطع تحدياته لا تحتمل الحديث.. لم يكتفِ بإدارة الأزمة..وتجاوزها لإحداث اختراقات جوهرية نوعية أستعصت علي السفارة حتي في زمن الرخاء..

وكان من أبرزها نقل مقر السفارة السودانية من الدقي إلى التجمع الخامس..وهو قرار قد يبدو في ظاهره مجرد انتقالاً جغرافياً.. لكنه في جوهره كان إعادة صياغة لحضور السودان الرسمي في القاهرة..

فالسفارة التي تستضيف هذا الحجم من الوجود السوداني.. وتمثل دولة بتاريخ السودان وعلاقاتها التاريخية مع مصر.. كان لا بد أن يكون مقرها بمستوى المهمة وبما يليق بالوجود السوداني التاريخي في مصر..

أما جامعة الدول العربية فكانت معركة أخرى.. في ميدان مختلف.. كبير.. خطير.. حيث كان عدوي وفريقه يخوضون معركة مختلفة في مسار سياسي معقد وملتهب لتثبيت رؤية ورواية الدولة السودانية حول الحرب وتمرد مليشيا الدعم السريع في مواجهة روايات مضادة ومحاولات مستمرة لإعادة تشكيل صورة الصراع ومواقف الدول منه..

لقد كان لنجاحات الرجل وفريقه أثر كبير في استقطاب دعم الدول العربية والمؤسسات الإقليمية والدولية المرتبطة بها..وفي الحفاظ على حضور الرواية السودانية داخل واحدة من أهم المنصات السياسية العربية..

كل ذلك حدث في مرحلة شديدة الحساسية.. تتناسل فيها التحديات أسرع من قدرة المؤسسات على استيعابها..

ومع ذلك ظل عدوي يعمل بعقل الجندي.. وهدوء الدبلوماسي.. وسماحة رجل الدولة..كما ينبغي ويليق..

حين يغادر الرجل اليوم إن قُدر له ذلك.. فهو لا يغادر محطة عادية..

يغادر سفارة النجوم.. السفارة التي مر بها أحمد عبدالحليم.. وعبدالمحمود عبدالحليم..وغيرهم من الأسماء التي صنعت حضوراً خاصاً لهذه المحطة في ذاكرة الدبلوماسية السودانية..

الحقيقة أن التاريخ لا يمنح مكانه بسهولة..

لكن عدوي..خلال ثلاث سنوات ثقيلة.. حجز مكانه بين هؤلاء الكبار..

لقد أرسي دعائم المودة والمحبة.. وقدم عصارة تجربته العسكرية والمدنية لخدمة شعبه وبلاده في مرحلة هي الأصعب والأكثر تعقيداً في تاريخها..

رجل جدير بالإحترام في عمله وعلمه وسماحته وتسامحه.. صقلته القوات المسلحة السودانية وأهلته لتولي أصعب المهام..ثم جاءت القاهرة لتضعه أمام واحدة من أكثر المهام تعقيداً..فترك فيها ما يستحق أن يبقى..

قد يتغير اسم السفير على باب السفارة..

لكن بعد ثلاث سنوات لن تكون هي القاهرة التي استقبلته..

هي شهادة للتاريخ كنا خلالها مجرد مراقبين لأداء السفارة والسفير الذي نتمني أن تستفيد الدولة منه في مكان آخر يستوعب مقدراته وإمكانياته وخبراته الكبيرة التي صقلتها محطة النجوم بالقاهرة..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى