ثورة إنقاذ الجنيه السوداني…

ملح الأرض

بقلم/ خالد ماسا

 

وكثيرون هم الذين بنوا موقفهم من هذه الحرب بعيداً عن الاصطفاف إلى أي جانب، وأسسوا كل مواقفهم على أساس القول بالمحافظة على مؤسسات الدولة، وبالضرورة فإن القوات المسلحة هي أحد أهم هذه المؤسسات، وبالتالي فإن من أهم النتائج المرجوة بنهاية هذه الحرب هي الخروج بجيش وطني واحد يحمي البلاد والدستور، وإنهاء ظاهرة تعدد الجيوش وانتشار السلاح بيد المليشيات، وهذا الموقف كان هو الحاكم أيضاً لمواقف دول كثيرة في العالم والإقليم، وفي بيانات المنظمات الدولية والإقليمية، كان آخرها البيان الصادر من مفوضية الاتحاد الأفريقي.

المنطق أعلاه جاء ذكره لنعود بتفكير الكل إلى أن “العملة الوطنية” تقع في ذات الموقع الذي يستوجب الحفاظ عليها وحمايتها من آثار الحرب المدمرة، لتبقى مبرئة للذمة ورمزاً من رموز سيادة الدولة ودليلاً على بقائها كدولة.

معركة استعادة قيمة العملة المحلية في مقابل العملات الأخرى هي جزء من معارك استعادة الدولة نفسها، بل هي المحك الحقيقي في معركة كان الأساس فيها هو إلغاء حالة الدولة واستبدالها بحالة الحرب.

(*) انخفاض قيمة الجنيه أم انهياره؟

وبما أن السوق الموازي هو من يعطي المؤشرات ويتحكم فيها، فإن ٦٠٠ جنيه أو نحوها للدولار قبل الحرب في أبريل ٢٠٢٣م، ثم الصعود إلى عتبة ٦٤٠٠ إلى ٧٠٠٠ جنيه للدولار الأسبوع المنصرم في سبتمبر ٢٠٢٦م، يعني بأن الجنيه والعملة الوطنية قد فقدت ما يقارب ٩٠% من قيمتها، وهنا لا أعتقد بأنه من السليم اقتصادياً استخدام وصف “انخفاض” لتعريف الحالة التي يمر بها الجنيه السوداني في “سوق العملات”، والقول بأن إدخاله بحزمة “قرارات” تصدرها “لجان” إلى غرفة الطوارئ، أو قل “العناية المركزة”، من الممكن أن تعيد إليه الحياة. ما حدث الوصف الدقيق له هو “الانهيار” للجنيه السوداني و”الموت السريري”، ولم يتبقَّ سوى إعلان الوفاة، وأنه لم يعد مبرئاً للذمة.

وقد يقول قائل بأن “الانخفاض” في قيمة الجنيه السوداني هي “متلازمة” وليست حالة طارئة على قيمته، وأن “ميكانيزم” الاقتصاد والسوق كانت قد أنتجت أدوات لامتصاص، أو قل تخفيف، صدمات “الهبوط” المستمر في الدورة الدموية للجنيه السوداني، إلا أن المؤكد الآن هو أن ما يحدث الآن يختلف تماماً عن كل ما حدث في “نوبات” الهبوط السابقة، الأمر الذي يستدعي إجراءات أكثر تعقيداً وصرامة من “بروتوكولات” العلاج الاقتصادي المجربة سابقاً.

ويبدو أن “التشخيص” الخاطئ لحالة الجنيه السوداني الآن، وأن معدات “المعمل” الاقتصادي والنقدي في السودان صارت قديمة وغير مؤهلة تماماً لاكتشاف “الفيروس” الذي أصاب العملة الوطنية، جاءت النتيجة لتصف الحالة بأنها مجرد “انخفاض”، في الغالب ترجع أسبابه لآثار الحرب، وأن من بيده القلم ظل ولسنوات يكتب في “روشتة” علاجات للجنيه السوداني لا تتناسب مع حالته المرضية، بل وإن العضو المهم في جسم الاقتصاد السوداني “الجنيه” بدأ في تكوين أجسام مضادة تقلل بنسبة كبيرة من آثار العلاج.

الحقيقة الماثلة أمامنا الآن هي أن الدولة، ممثلة في عقلها الاقتصادي، ظلت تتفرج على انهيار الجنيه السوداني بعين المسكنات وحلول الأزمة التي لا تنتج غير الأزمة، وأنها لم تخرج على المواطن السوداني الذي يفقد راتبه ومدخراته ومعاشه بشكل مستمر بخطة إنقاذ نقدية واقتصادية واضحة، وظلت على الدوام تخرج بسياسات مضطربة وتكشف عن أن ما حدث بخصوص انهيار العملة قد فضح الفقر في مخزون السياسات، وأنه لم يتبقَّ فيه إلا التبرير بحالة الحرب.

المعلوم بالضرورة أن حالة “الانهيار” للجنيه السوداني لا تحتاج لفحص معملي دقيق، فالعجز الواضح لرواتب العاملين في مقابلة مطلوبات السوق والانفلات الذي يضرب قوائم الأسعار في السوق يؤكدان بأن الجنيه السوداني في هذه الجولة من جولات الانهيار قد خسر بالقاضية الفنية، ولم يعد العد من واحد إلى عشرة بصوت “اللجان” مسافة تسمح له بالنهوض مرة أخرى والمواصلة في معركة الاقتصاد.

نحفظ أكثر من وزارة المالية ومحافظ بنك السودان بأن الحرب عطلت عجلة الإنتاج أكثر مما هي عليه قبل الحرب، وأنها أثرت على قطاعات الزراعة والصناعة والنقل، وأصابت الصادرات بحالة من الشلل، وخلقت اقتصادين ومركزين ماليين متوازيين، ولكننا نحمل السؤال المهم لنضعه أمام الجهاز الرسمي للدولة ونقول: ما الذي فعلته الدولة حيال هذه الحالة، بغير الأدوات والقرارات المجربة من قبل وأثبتت بأنها غير مجدية وغير صالحة للتعامل مع حالة الانهيار هذه للجنيه السوداني؟

“الانهيار” كحالة للجنيه السوداني تفسره مجموعة ظواهر اقتصادية، أهمها تعدد أسعار الصرف وضعف السيطرة على سوق النقد الأجنبي، وبالتالي استمرار السوق الموازية كمتحكم أساسي ورئيسي، إضافة لاستمرار عمليات تهريب الذهب، وغياب الشفافية في تدفقات العملات الأجنبية، ويزيد الطين بلة تضارب القرارات الاقتصادية التي تصدر دون أي دراسة مستفيضة لالتهاب كبد الجنيه السوداني الوبائي، وضعف قدرة الجهاز المصرفي في التعامل بإيجابية في مثل هذه الحالات، وثبات حالة العجز في الميزان التجاري.

ونعود مرة أخرى لنقول بأنه صحيح الحرب فتحت “جرح” الاقتصاد السوداني والعملة الوطنية، ولكن في المقابل فإن سوء إدارة السياسات الاقتصادية والنقدية أبقى هذا الجرح مفتوحاً للالتهاب والصديد.

“الانهيار” هو نتيجة طبيعية لاستخدام البنك المركزي لسياسة ما يعرف بالتعويم المدار، وبها ألغى القيود السابقة على أسعار الصرف، ومنح المصارف مرونة أكبر في تحديد الأسعار، وجعل منطق “العرض والطلب” هو الحاكم، دون التفكير بأن نجاح هذه السياسة وتوقع الأثر الإيجابي لها لا يتوقف على ذلك فقط، بل يتطلب سوقاً للصرف تعمل بكفاءة، واحتياطيات أو موارد نقد أجنبي يشارك فيها الجهاز المصرفي بفعالية وقدرة على إدارة وتحصيل عائدات وتدفقات الصادر، وكل هذا لم يجد الاهتمام الكافي في الكارثة الاقتصادية التي نمر بها وتمر بها البلاد في عملتها الوطنية.

“الانهيار” في قيمة الجنيه السوداني هو انعكاس طبيعي لتحول “السوق الموازي” لبنك مركزي موازٍ لبنك السودان، وبالرغم من عدم امتلاكه لدستور أو قانون أو إدارته عن طريق محافظ، إلا أنه ظل على الدوام هو المتحكم في تحديد سعر الذهب والدولار وأسعار السلع والخدمات وتكاليف الاستيراد، وظل هو المنتصر على الدوام في معاركه ضد السياسات والإجراءات الصادرة من بنك السودان.

كيف لا تحدث حالة “الانهيار” للجنيه السوداني والسودان يمتلك أحد أهم مصادر النقد الأجنبي وهو الذهب، ومع ذلك الدولة في حالة بحث دائم عن الدولار؟ وهنا السياسة الاقتصادية في وزارة المالية والنقدية في بنك السودان والمسؤولون عنها لا يريدون الاعتراف بالفشل في إغلاق قنوات التهريب، وضعف الرقابة، وخروج حصائل الصادرات خارج النظام المصرفي، وضعف الثقة في القنوات الرسمية.

“الانهيار” في قيمة الجنيه السوداني لا يحتاج لاعتراف مكتوب من وزارة المالية وبنك السودان المركزي أكثر مما جاء في تقارير البنك نفسه والوزارة بخصوص العجز في الميزان التجاري، في دولة يمثل صادر الذهب ما يقارب ٤٠% من صادراتها، تفقده بسبب التهريب، والأرقام الرسمية تقول إن الصادرات تمثل نحو 1.816 مليار دولار، بينما تمثل الواردات نحو 4.527 مليار دولار، ليظهر العجز في آخر قراءة له نحو 2.701 مليار دولار، فبأي دولار تريد الحكومة أن تثبت قيمة وصحة الجنيه السوداني إذا كانت البلاد تستورد بأكثر من ضعف ما تصدر؟

الحقيقة التي تدعمها كل نظريات الاقتصاد تقول: لا يمكن تثبيت سعر الصرف وتدارك الانهيار في قيمة الجنيه السوداني بقرار إداري، بينما الاقتصاد ينتج دولاراً أقل بكثير من حاجته.

كيف لا تحدث حالة الانهيار للجنيه السوداني وقدرات العقل الاقتصادي في السودان، ومنذ سنوات ما قبل الحرب، كانت قد توقفت في محطة منع وتقييد الواردات والاعتقاد بأنها قد تكون بديلاً ناجحاً لعملية الإصلاح الاقتصادي الشاملة، خاصة بعد أن ثبت بأن لذلك آثاراً مؤقتة بتقليل الطلب على الدولار، غالباً ما تزول بالالتفاف على القرار نفسه أو عدم الالتزام والرقابة في تنفيذه.

من يتبنى هذه السياسة المؤدية للانهيار لم يُلقِ بالاً لتأثيرها على مدخلات الإنتاج في القطاع الزراعي والصناعي، واستيراد الدواء والغذاء، وأن إغلاق باب الاستيراد دون أن تُفتح أبواب الإنتاج نتيجته المؤكدة هي نقل الأزمة من سوق العملات إلى سوق السلع.

كيف لا يحدث كل هذا الانهيار في قيمة الجنيه السوداني والعقل الاقتصادي الرسمي في الدولة ظل يغش نفسه بالأرقام التي تظهر في التقارير والأوراق التي تقول بتراجع التضخم من ٥١.٢٨% إلى ٤١.٦١%؟ فالواقع في السوق والانعكاس لهذه الأرقام لدى المواطن معدوم في أسعار الخبز أو الزيت أو الدواء أو المواصلات، فالتضخم انخفض فعلاً على الورق، لكن الأسعار لم تنخفض في السوق، لأن المواطن لا يشتري “معدل التضخم” المكتوب في التقارير الحكومية، وإنما يشتري السلع واحتياجاته الأساسية، وبهذه الطريقة فإن الدولة تمارس تخفيضاً مستمراً للرواتب دون الإعلان رسمياً عن ذلك للمواطنين.

ما يحدث الآن يحتاج إلى ما يشبه الثورة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه في قيمة الجنيه السوداني، تستلهم العبر والدروس من الدول والاقتصاديات التي مرت بذات الظروف أو ظروف مشابهة، واستطاعت بعد ذلك إخراج عملتها الوطنية من “عنق الزجاجة” ببرنامج إصلاحي شامل، من الممكن أن يكون “التعويم” جزءاً منه يساعد السياسات ويتضمن برامج للحماية الاجتماعية من آثار هذه السياسات.

ثورة سياسات حقيقية تنقذ الجنيه السوداني وتتجاوز الحلول “الفطيرة” التي يتبرع بها العقل الاقتصادي الكسول، من شاكلة أفكار “حذف الأصفار” من العملة، وهي بالضرورة لا تعالج الأزمة بقدر ما أنها تعيد طباعتها.

الثورة المطلوبة لإنقاذ الجنيه السوداني من حالة الانهيار هذه تبدأ من أن تحدد الدولة السعر المستهدف لقيمة الجنيه السوداني في مقابل العملات، ومعرفة حجم الاحتياط النقدي من العملة الأجنبية، ومعرفة بشكل دقيق قيمة حصائل صادر الذهب التي تدخل بشكل فعلي للجهاز المصرفي، وسياسات استراتيجية لمحاصرة السوق الموازي.

ثورة لا تكون الخطة الرسمية للدولة لإنقاذ الجنيه السوداني هي فقط انتظار توقف الحرب ليبدأ الاقتصاد في المعالجة والإنقاذ تلقائياً، لأن الانتظار لا يعد سياسة اقتصادية.

ثورة اقتصادية، لأن الجنيه السوداني لا يحتاج إلى من يعلن موته كل صباح بسعر جديد للدولار، بل يحتاج إلى دولة تعيد إليه أسباب الحياة المتمثلة في إنتاج يصنع القيمة، وصادرات تجلب الدولار، ومؤسسات تضبط حركة المال، وبنك مركزي يملك الأدوات والسياسات، وحكومة تملك شجاعة الاعتراف بأن اقتصاد الحرب لا يمكن إدارته بعقلية اقتصاد ما قبل الحرب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى