الإمارات في السودان حين خلع الجلباب العربي وارتدى الخليج ثوب البراغماتية

هل تتحرك أبوظبي لإرضاء واشنطن أم لبناء إمبراطوريتها الخاصة

 

بقلم/ محمد فؤاد عيد

 

ربما لم يعد السؤال الأكثر أهمية بعد ما تكشف من معلومات وتقارير عن الحرب السودانية هو هل للإمارات دور في ما يجري

السؤال الذي أصبح أكثر إلحاحاً هو لماذا السودان تحديداً وماذا تريد أبوظبي منه والسؤال الاكثر تعقيداً هل ما تفعله الإمارات في السودان مجرد امتداد لسياسة أمريكية أكبر تريد إعادة تشكيل المنطقة أم أن أبوظبي نفسها أصبحت صاحبة مشروع إقليمي مستقل تستخدم تحالفها مع الولايات المتحدة حين يخدم مصالحها وتتجاوزه حين تقتضي المصلحة ذلك

التقرير الأخير لبعثة تقصي الحقائق الدولية بشأن السودان أعاد ملف التدخل الخارجي بقوة إلى الواجهة بعد حديثه عن شبكات خارجية مرتبطة بالإمارات وتشاد وليبيا والصومال أسهمت في توفير موارد لقوات الدعم السريع وعن وجود متعاقدين كولومبيين يشغّلون أنظمة تسليح وطائرات مسيرة متطورة كما توصل خبراء أمميون وفق تحقيق نشرته رويترز في يوليو 2026 إلى أن طائرات بوينغ 727 نقلت مرتزقة وأسلحة وطائرات مسيرة لصالح الدعم السريع وتواصل الإمارات نفيها تقديم دعم عسكري للقوة السودانية شبه العسكرية

لكن اختزال المشهد كله في شحنة سلاح أو مرتزق كولومبي أو طائرة مسيرة قد يحجب السؤال الأكبر ويتمثل فى طبيعة المشروع الذي يجعل السودان مهماً إلى هذه الدرجة

 

من العروبة إلى دولة المصلحة :

لسنوات طويلة اعتادت السياسة العربية تقديم نفسها من خلال قاموس معروف الأشقاء العرب والأمن القومي العربي كذلك التضامن الإسلامي اضف لها القضية الفلسطينية ووحدة المصير لكن يبدو ان الإمارات الجديدة تبدو أقل ارتباطاً بهذا القاموس من أجيال سياسية خليجية سابقة وليس المقصود هنا أن أبوظبي تخلت رسمياً عن هويتها العربية أو الإسلامية وإنما أن الهوية لم تعد هي المحدد الأول للسياسة الخارجية التى تتحرك وفقآ لها هذة الدويلة .

حينما حلت محلها مفردات أخرى حيث الموانئ والممرات التجارية والاستثمار وكذلك الأمن الغذائي والتكنولوجيا ثم القواعد العسكرية وايضآ

الذهب وكذلك النفوذ البحري والتحالفات المرنة وهنا إن أردنا استخدام المجاز يمكن القول إن الإمارات خلعت الجلباب العربي التقليدي في سياستها الخارجية وارتدت بدلة رجل الأعمال البراغماتي

 

الرابح أولاً.. والمصلحة ثانياً.. ثم تأتي الشعارات بعد ذلك :

 

وتصف تحليلات أوروبية حديثة السياسة الإماراتية بأنها تتجه بصورة متزايدة إلى الاستقلال الاستراتيجي مع سعي أبوظبي إلى بناء نفوذ جيوسياسي وجيواقتصادي وفق شروطها وبدرجة أقل تقيداً بالإجماع العربي أو المؤسسات الإقليمية التقليدية

 

ولكن هل هو الجلباب الأمريكي :

هنا ينبغي التوقف قليلاً … قد يبدو ظاهرياً أن الإمارات انتقلت من الجلباب العربي إلى الجلباب الأمريكي خصوصاً منذ توقيع اتفاقات أبراهام مع إسرائيل عام 2020 وتعميق الشراكة الأمنية والاقتصادية مع الولايات المتحدة لكن وربما الواقع أكثر تعقيداً حيث ان الإمارات ليست الدولة التى تنفذ التعليمات الأمريكية بصورة آلية إنها أقرب إلى دولة تستخدم المظلة الأمريكية لتحقيق مشروعها الخاص فالعلاقة بواشنطن توفر لها السلاح المتطور والتكنولوجيا والحماية الأمنية والوصول إلى مراكز المال والسياسة العالمية حيث ان العلاقة بإسرائيل توفر التكنولوجيا والأمن والاستخبارات والاستثمار والعلاقة بالصين تمنح التجارة والأسواق والبنية التحتية وفي مراحل مختلفة حافظت الإمارات كذلك على قنوات مع روسيا وإيران

وهذا ليس سلوك تابع سياسي تقليدي بل سلوك قوة صغيرة مساحةً وسكاناً تحاول أن تصبح أكبر كثيراً من حجمها الجغرافي

واتفاقات أبراهام تؤكد بأن أبوظبي وواشنطن وإسرائيل تقاطعت مصالحها حول إيران والإسلام السياسي والأمن الإقليمي والاقتصاد وتؤكد أيضاً إلى رغبة الإمارات في إدارة نفوذها الإقليمي بصورة أكثر استقلالاً في ظل الشك في مدى استمرار الالتزام الأمني الأمريكي بالمنطقة

 

اتفاقات أبراهام لم تكن تغيير علم بل تغيير عقيدة :

 

ربما كان التحول الأكبر في السياسة الإماراتية عندما قررت أبوظبي الفصل بين القضية الفلسطينية وبين علاقاتها الاقتصادية والأمنية مع إسرائيل حتى حرب غزة لم تنه هذا التوجه

حيث ان الإمارات واصلت عملياً سياسة الفصل بين المسألة الفلسطينية من جهة وبين علاقاتها الأمنية والاقتصادية مع إسرائيل من جهة أخرى لذلك الدولة التي كانت ترى نفسها جزءاً من موقف عربي جماعي أصبحت تتعامل مع المنطقة باعتبارها سوق مصالح ومراكز قوة وليست كتلة عاطفية واحدة ومن هنا يمكن قراءة السودان حيث انة ليس السودان الدولة العربية الشقيقة فقط بل هو ذهب وأرض ومياه وثروة حيوانية وساحل على البحر الأحمر وموانئ وموقع يصل الخليج بالقرن الأفريقي والساحل وبوابة ضخمة إلى القارة الأفريقية

 

السودان ليس دولة فقيرة تتصارع عليها القوى بل دولة غنية انهارت حراستها :

 

المفارقة السودانية هي أن الحرب جعلت البلد يبدو في صورة دولة محتاجة بينما هو في حقيقته واحد من أكثر بلدان المنطقة غنى بالموارد فالذهب السوداني وحده يفسر جزءاً مهماً من المعادلة حيث أظهرت بيانات التجارة أن الإمارات استقبلت نحو 90 في المئة من صادرات السودان القانونية من الذهب خلال النصف الأول من 2025 بقيمة تقترب من 840 مليون دولار وهو ما يكشف مدى ارتباط الاقتصاد السوداني بسوق الذهب الإماراتية حتى خلال فترة الحربإنه الامر الذى يدعو للتساؤل هل تستطيع أي دولة تملك مثل هذه العلاقة بأهم مصدر للنقد الأجنبي السوداني أن تكون مجرد مراقب بعيد لما يحدث داخل السودان

 

ثم يأتي البحر الأحمر :

 

إذا كان الذهب يفسر الاقتصاد فإن البحر الأحمر يفسر الجغرافيا السياسية حيث ان السودان ليس مجرد مساحة شاسعة داخل أفريقيا إنه دولة تمتد على واحد من أهم المسارات البحرية في العالم ومن يملك النفوذ في الساحل السوداني لا يملك ميناء فقط بل يصبح قريباً من طريق يربط آسيا بأوروبا والخليج بأفريقيا وكما هو معلوم بأن الإمارات بنت خلال العقود الأخيرة نموذجها الاقتصادي أساساً حول الموانئ والنقل والخدمات اللوجستية والتجارة لذلك يصبح السودان قطعة طبيعية في خريطة أكبر تمتد من الخليج إلى القرن الأفريقي

 

لماذا الدعم السريع إذن :

 

هذا ربما هو السؤال الأكثر حساسية وهو لماذا يمكن أن ترى قوة إقليمية مصلحة في قوة مسلحة مثل الدعم السريع بدلاً من التعامل فقط مع مؤسسات الدولة السودانية ذلك لأن العلاقات الدولية البراغماتية لا تسأل دائماً من هو الأكثر شرعية بل كثيراً ما تسأل من يملك الأرض من يملك طرق التجارة من يسيطر على المناجم من يستطيع حماية الاستثمار ومن يستطيع تنفيذ الاتفاق وهذه ليست خصوصية إماراتية وحدها إنها طريقة قديمة في إدارة النفوذ عبر وكلاء محليين لكن المشكلة السودانية أن القوة المحلية المسلحة عندما تتحول إلى بوابة للمصالح الدولية تصبح الحرب نفسها جزءاً من الاقتصاد السياسي الإقليمي

 

المرتزق الكولومبي يكشف شيئاً أكبر :

 

قصة المرتزقة الكولومبيين خطيرة ليس فقط بسبب وجود أجانب يقاتلون في حرب سودانية إنها خطيرة لأن الجندي الذي يأتي من أمريكا الجنوبية ليجد نفسه بعد آلاف الكيلومترات وسط حرب في دارفور يكشف أن الصراع لم يعد محلياً بالمعنى التقليدي فهناك شبكات تمويل وشركات وطائرات ومطارات ومسارات عبور وسماسرة وتكنولوجيا عسكرية وعلاقات عابرة للقارات وعندما يقول تقرير دولي إن هذه الشبكات ساهمت في إطالة أمد الحرب فإننا أمام اقتصاد حرب دولي كامل وليس مجرد دعم سياسي لطرف ضد آخر

 

هل تريد الإمارات إرضاء ترامب وواشنطن :

 

ولعل الإجابة الأقرب ليس بالضرورة الإمارات حريصة بلا شك على علاقتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة وهي علاقة توفر لها مظلة أمنية وسياسية وتكنولوجية يصعب الاستغناء عنها لكن القول إن كل تحرك إماراتي في السودان يتم بطلب أمريكي يحتاج إلى دليل لا يتوافر حتى الآن بل إن واشنطن نفسها شاركت في جهود لوقف الحرب السودانية في وقت استمرت فيه الاتهامات للإمارات بدعم أحد أطرافها وبالتالي قد يحدث أحياناً أن تتقاطع المصالح الأمريكية والإماراتية وقد يحدث في ملفات أخرى أن تختلف الحسابات الإمارات تريد أمريكا لكنها لا تريد أن تكون أمريكا هي التي تحدد كل حركة تقوم بها وذلك ربما هو جوهر البراغماتية الإماراتية الجديدة

 

الإمارات لا تريد السودان وحده :

 

وهنا نصل إلى قلب المسألة قد يكون الخطأ الأكبر أن نسأل ماذا تريد الإمارات من السودان ربما السؤال الأدق ما موقع السودان داخل المشروع الإقليمي الإماراتي فإذا وضعنا السودان إلى جوار القرن الأفريقي واليمن والبحر الأحمر والموانئ والذهب والأسواق الأفريقية والطاقة والأمن الغذائي يظهر أمامنا مشروع نفوذ أوسع السودان جزء من سلسلة وليس جزيرة منفصلة ومن هنا يصبح التنافس السعودي الإماراتي في المنطقة مفهوماً أيضاً فالرياض تنظر إلى البحر الأحمر باعتباره امتداداً مباشراً لأمنها القومي وأبوظبي تنظر إليه كذلك بوصفه ممراً للتجارة والنفوذ العالمي والفرق بين الرؤيتين ربما يفسر جانباً من الاختلاف في طريقة التعامل مع السودان

الدولة الصغيرة التي قررت أن تلعب كدولة كبرى :

 

الإمارات تجربة استثنائية في السياسة الدولية الحديثة مساحة صغيرة عدد سكان محدود لكن طموح اقتصادي وسياسي وعسكري يتجاوز حدودها كثيراً ولتحقيق ذلك تستخدم أبوظبي المال والاستثمار والموانئ والتكنولوجيا والعلاقات الأمنية والعمل الدبلوماسي وأحياناً علاقاتها مع قوى محلية داخل الدول المضطربة إنها لا تسأل كثيراً عن حجمها بل عن حجم الفراغ الذي تستطيع أن تملأه والسودان منذ سقوط البشير ثم انهيار الانتقال ثم اندلاع حرب أبريل تحول إلى واحد من أكبر الفراغات السياسية والأمنية في المنطقة والفراغات لا تبقى فارغة طويلاً

 

ولكن أين السودان من كل ذلك :

 

وربما هذه هي المأساة نحن نبالغ أحياناً في سؤال ماذا تريد الإمارات ماذا تريد مصر ماذا تريد السعودية ماذا تريد أمريكا ماذا تريد روسيا لكن السؤال الذي ينبغي أن يسبقها جميعاً هو ماذا يريد السودان لنفسه فالدول الخارجية لا تلام لأنها تبحث عن مصالحها وهذه طبيعة السياسة الدولية والمشكلة تبدأ عندما تكون للدول الأخرى استراتيجيات واضحة في السودان بينما لا يملك السودان استراتيجية واضحة تجاهها

الإمارات تبحث عن الذهب وغيرها يبحث عن الموانئ وآخر يبحث عن الأمن وآخر عن النفوذ وآخر عن الأرض لكن أين المشروع السوداني الذي يقول هذه مواردنا وهذه موانئنا وهذه أرضنا وهذه شروط التعامل معنا

 

من خلع الجلباب فعلاً :

 

ربما لم تخلع الإمارات وحدها الجلباب العربي ولكن العالم العربي نفسه تغير لم تعد الشعارات القديمة تحكم العلاقات بين الدول كما كانت العروبة لم تختف والإسلام لم يختف لكن المصالح أصبحت أكثر خشونة ووضوحاً الإمارات أدركت ذلك مبكراً وبنت سياستها الخارجية على أساس أن الدولة التي لا تمد نفوذها خارج حدودها قد يأتي الآخرون إلى حدودها ولهذا فإن ما تفعله في السودان لا يبدو مجرد محاولة لإرضاء سياسي في واشنطن ولا يمكن اختزاله في علاقة بإسرائيل ولا حتى في الذهب وحده والأقرب أنه جزء من عقيدة إماراتية جديدة تقوم على تحويل المال إلى نفوذ والنفوذ إلى أمن والأمن إلى قوة سياسية تتجاوز حجم الدولة نفسها وقد يتقاطع هذا المشروع اليوم مع واشنطن وغداً مع إسرائيل وبعد غد مع الصين لكن مركز الدائرة سيظل أبوظبي نفسها وهنا تكمن المسألة التي ينبغي للسودانيين فهمها جيداً الإمارات ربما تكون قد خلعت بالفعل كثيراً من أثواب السياسة العربية التقليدية لكن السؤال ليس ماذا ارتدت بدلاً منها السؤال الأشد خطراً هو هل يجد السودان نفسه في نهاية هذه الحرب مجرد قطعة في الثوب الجديد الذي تقوم القوى الإقليمية بتفصيله للمنطقة وإذا كانت أبوظبي تعرف تماماً ماذا تريد من السودان فهل يعرف السودانيون ماذا يريدون من الإمارات، وقبل ذلك كله هل ما زال السودانيون يملكون القدرة على تحديد ما يريدون من السودان نفسه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى