رواية “الكيميائي”.. فصل البحث عن الحقيقة

ملح الأرض
بقلم/ خالد ماسا
وتوطئة لابد منها قبل الشروع في قراءة أي عمل روائي، كما يقولها النقاد الأدبيون، وهي ألّا تبدأ الصفحات بعد “الغلاف” وأنت تمتلك مسبقاً رأياً حول الكاتب أو القضية التي تدور حولها أحداث العمل الأدبي، ببساطة لأن ذلك يفسد عليك متعة القراءة.
في رواية “الخيميائي” للكاتب الساخر باولو كويلو، يخرج الراعي “سانتياغو” بحثاً عن “الكنز”، مستهدياً بإشارات ظن بأنها تقوده للحقيقة ولم تفعل. وهنا لا يمكننا الالتزام بالنصيحة أعلاه ونحن نشرع في قراءة رواية “الكيميائي” للكاتب والمؤلف “الولايات المتحدة الأمريكية”، فالرواية أعلاه ليست العمل الأول في مكتبة السياسة الدولية، فلقد سبق وأن تم نشر “نص” مطابق لرواية “الكيميائي” تحت اسم وعنوان “أسلحة الدمار الشامل” في العراق، وهذا المنحى في المقاربة وإثبات التطابق بالضرورة ليس القصد منه “الاصطفاف” إلى جانب من جوانب القضية، سواء هيئة الدفاع أو هيئة الاتهام، ببساطة لأن ذلك يقود أقلامنا لأن تكون جزءاً من “شخصيات” يختارها الكاتب في الرواية لإكساب روايته نوعاً من التوازن والتسلسل الروائي.
(*) مقاربة بين روايتين …
وفي عالم السياسة، في الغالب لا يكون طريق البحث عن الحقيقة مطابقاً لطريقة الراعي “سانتياغو” في رواية باولو كويلو “الخيميائي”، فهنا الأمر مختلف تماماً، فهنالك من يبحث عن السلاح، وهنالك من يبحث عن “الدليل” والذريعة التي تبرر الفعل، وهنالك من يبحث عن الحقيقة بعد اتخاذ القرارات والعقوبات.
فبالعودة إلى وقت قريب في مكتبة الروايات “السياسية”، وتحديداً في العراق على أيام الرئيس جورج بوش، صدرت في المكتبة رواية “أسلحة الدمار الشامل”، ولم تكن مشكلة المجتمع الدولي وقتها هي البحث عن الأسلحة، بل كانت المشكلة في أنه بحث عنها في وقت الحاجة إلى تحويل الشك إلى إدانة وتبرير الدمار الشامل الذي طال العراق، بعد تكاثر الأسئلة عن: هل وجدتم الأسلحة التي قام قرار الحرب على أساسها؟
المؤسف حقيقة وقتها أن العالم لم يهتم بسماع الإجابة، ولم يحتج لإعادة محاكمة الادعاء وعجزه عن توفير الأدلة التي تدعم صحة القرار.
الخيميائي “سانتياغو” في رواية باولو كويلو كان يبحث عن كنزه، أما الخيميائي السياسي في عالمنا المعاصر فيبحث أحياناً عن المادة التي يمكن أن يحوّل بها الشك إلى إدانة، والاتهام إلى عقوبة، والملف الاستخباري إلى حرب.
السياق الذي خرجت فيه الرواية لا يمكننا تجاوزه بأي حال من الأحوال، فلقد أصبح من المفهوم بأن جزءاً أصيلاً من تكنيك كتابة الرواية السياسية هو خلق التوازنات في المشهد السياسي، وبالتالي لم يكن من الممكن أن تمر عاصفة تقرير لجنة الخبراء المقدم لمجلس الأمن بكل ما جاء فيه من تفاصيل وبيّنات وإشارات واضحة تتعلق بدعم حرب السودان، دون إيجاد تحول “دراماتيكي” في الرواية تحت عنوان “السلاح الكيميائي”، والسياق نفسه يمضي حثيثاً نحو العاشر من سبتمبر، توقيت التصويت داخل المجلس على تمديد العقوبات المفروضة على السودان أو توسيع نطاقها لتشمل جغرافيا السودان كله، وليس إقليم دارفور، ونحو شهر أكتوبر، حيث توقيت انتهاء ولاية وتكليف اللجنة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق في السودان.
في رواية العراق الأولى عن “أسلحة الدمار الشامل”، أصبحت الأدلة هي الطريق المفضي إلى الحرب وقتها، وهنا المطلوب إثباته عندنا هو ليس أن المجتمع الدولي وقتها كان قد مارس الكذب، فالتقييم البريطاني الرسمي الصادر عام 2003 أقر بوجود معلومات “مقنعة” تاريخياً عن برامج عراقية محظورة، ولكنه في ذات الوقت أشار إلى عدم وجود “معلومات مؤكدة” عن طبيعة وحجم تلك الأسلحة، كما أن المناقشات لاحقاً أثبتت أن هنالك مشكلات جوهرية في طريقة عرض المعلومات وتقييم الأدلة، نتاج تأثرها بقناعات كاتب الرواية، الرئيس الأمريكي، وأجهزته.
والدرس أعلاه يجب أن نتعلم منه الآن هو ألّا يكون السؤال المطروح هو: هل استخدم الجيش السوداني السلاح الكيميائي في حربه ضد مليشيا الدعم السريع أم لا؟ بل يجب أن تسبقه الإجابة على سؤال: هل تعلّم المجتمع الدولي شيئاً من قراءة رواية العراق الأولى عن “أسلحة الدمار الشامل”؟
نحن الآن أمام رواية جديدة اسمها “الكيميائي”، كون الراوي فصولها من اتهامات للإدارة الأمريكية، وباب للعقوبات تم ذكر تفاصيلها من قرارات صدرت سابقاً، وفقاً لما جاء في فصل الرواية الأول “الاتهامات”، ثم تلاه بكتابة فصل “الأدلة” في الرواية استناداً على “تحقيقات صحفية” نشرتها مؤخراً صحف أمريكية، “واشنطن بوست” هي نفسها قالت بأن المواد في التحقيق بأنها أدلة ذات مصداقية، إلا أن الحسم النهائي يتطلب الوصول إلى المواقع والشهود، في مقابل نفي رسمي صادر من الحكومة السودانية، وتقارير لجنة وطنية قالت بأنها لم تجد “أدلة حاسمة” لاستخدام الجيش السوداني للسلاح المشار إليه في غلاف الرواية الأمريكية، وكل ذلك في ظل عدم وجود تحقيق ميداني دولي مستقل مكتمل يمكن أن يحسم الملف نهائياً، وهنا نحن نقول بأن الفرق بين الحقيقة والدعاية ليس في قوة الاتهام، وإنما في قدرة الاتهام على الصمود أمام التحقيق المستقل والمتحرر من تأثيرات نظرة كاتب الرواية وتوجهاته نحو الأزمة السودانية.
يكفي أن المجتمع الدولي كان قد سقط في اختبار مصداقية اتفاقية منع انتشار أسلحة الدمار الشامل وقتها في رواية العراق، ونحن الآن أمام اختبار جديد لمصداقية اتفاقية الأسلحة الكيميائية، والتي تضم 193 دولة، والسودان طرف فيها منذ 1999، بحسب ما هو وارد في تقرير صحيفة الواشنطن بوست الأخير، وبيت الحكمة السوداني يقول: “الضاق عض الدبيب بيخاف من مجر الحبل”..
والخوف هنا من تكرار سيناريو رواية أسلحة الدمار الشامل في العراق يبدو منطقياً ومقبولاً، على الأقل لتطابق كاتب الرواية في الحالتين.
ونحن هنا نقول: لماذا يستكين المجتمع الدولي في العادة للرواية الأمريكية ويستسلم لها بكل كسل؟ فإن كانت الأدلة كافية للإدانة، فلماذا لا يتم تقديمها لمؤسسات التحقيق الدولية المستقلة والمختصة، ويتم الاكتفاء فقط بالزخم الإعلامي الذي تثيره التحقيقات والتقارير الصحفية، والتعامل معها كأدلة إثبات أكثر من أنها اجتهادات صحفية يتم الاحتفاء بها كرواية للحقيقة؟
في محاكمة الروايات هذه، يمكننا الخروج بحقيقة أن الأدلة “السرية” ليست كافية تماماً لصناعة الحقيقة “العامة”، وليس بالضرورة عندما تقول دولة ما بأن لديها معلومات استخبارية، أو حتى أن تذكر الواشنطن بوست بأنها تمتلك أدلة ووثائق سرية، فهذا ليس بالضرورة دليلاً يمكن للجمهور أو القضاء أو المنظمة الدولية اختباره، وكذلك الحال لو قالت الحكومة السودانية بأن هذا مؤامرة سياسية دولية.
نقطة مهمة يجب الانتباه إليها في ما نشرته الواشنطن بوست في تحقيقها، يجب ألّا يلهينا الاندفاع في تناول مادة التحقيق ويدفعنا إلى تجاوزها، وهي متعلقة بالمادة أساس الاتهام، وهي مادة “الكلور”، وهي مادة صناعية مشروع حيازتها ولها استخدامات مدنية متعارف عليها، وموضوع تحويلها واستخدامها كوسيلة قتالية بقصد إيذاء الأشخاص يدخل في نطاق مختلف تماماً، والوثائق التي نشرتها واشنطن بوست في التحقيق تتحدث تحديداً عن تحويل إمدادات الكلور المدنية إلى ذخائر، وأشارت الصحيفة كذلك إلى أن خبراء رأوا في المواد “مؤشرات” متسقة بقوة مع برنامج أسلحة كيميائية، مع استمرار الحاجة إلى تحقق ميداني حاسم، وهو بالضرورة لا يعني سلامة كل ما جاء في تقريرها بحيث يتم التعامل معه كبينات وأدلة قطعية الدلالة بحدوث هذا التحويل، والمجتمع الدولي أيضاً لا يستطيع أن يحوّل المعلومة إلى حقيقة بمجرد تغيير طريقة تقديمها، ويحتاج المجتمع الدولي إلى اختبارات للمزيد من الاتساق في عمليات التحقيق واتخاذ القرارات، فالتجارب الماثلة والسابقة علمتنا أنه عندما تكون الدولة في خانة الخصم تتحول “الشكوك” إلى “خطر” يجب ملاحقته بالقرارات والعقوبات، وعندما تكون الدولة في خانة “الحليف”، فإن الخطر يحتاج إلى المزيد من الأدلة لاتخاذ خطوات عقابية من المجتمع الدولي، بينما يظل السودانيون الآن عالقين بين “الروايتين”.
وحتى نكون نحن أيضاً متسقين في ما نكتب ونقول بخصوص تعدد الروايات هذا من المجتمع الدولي، فإن الاستدعاء هنا لرواية “أسلحة الدمار الشامل” في العراق لا يعني أن أخطاء التحقيق الدولي السابقة تعتبر دليلاً يطعن في بقية الروايات، في مقابل أن افتراض قوة الاتهامات الحالية في رواية “الكيميائي” لا يعفي المجتمع الدولي من واجب تقديم أدلة قابلة للتحقق، ولا تتوقف فقط عند ما جاء في تحقيق صحيفة “الواشنطن بوست”، فإذا ثبتت فرضية استخدام الجيش السوداني السلاح الكيميائي، فهذه جريمة يجب أن يحاسب عليها المسؤولون عنها، وإذا لم يستخدمه بحسب النفي الرسمي وتقرير اللجنة الوطنية المشكلة للتحقيق، فعلى الذين كتبوا وصاغوا بيانات التأييد أن يقدموا أدلتهم، وفي الحالتين هنالك حقيقة واحدة وليست حقيقتين.
هنا يجب ملاحقة واشنطن “العاصمة” قبل الصحيفة بالسؤال، وهي التي أعلنت في ٢٠٢٥م أن الجيش السوداني قد استخدم السلاح الكيميائي، بينما ظلت الأدلة سرية وغير منشورة حتى الوصول للنقطة التي نشرت فيها واشنطن “الصحيفة” تلك المعلومات، عن ما الذي استند عليه التقييم الأمريكي للأدلة؟ وهل وصلت المعلومات إلى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية باعتبارها الجهة المستقلة وصاحبة الاختصاص؟ وهل يستطيع خبراء مستقلون فحص الأدلة والمعلومات المشار إليها في تقرير سبتمبر ٢٠٢٦م؟
الخرطوم نفسها تحتاج في هذا الموقف لتطوير أدواتها الدفاعية أمام اتهام خطير كهذا، وهي الموقعة على اتفاقية حظر هذا النوع من الأسلحة، وألّا تكتفي بالنفي فقط والاختباء أمام عبارة “المؤامرة”، واتخاذ ما يلزم من إجراءات بما يضع الاتهام على طاولة التحقيق المستقل والشفاف.
ولأن هذا السيناريو ليس بالجديد، فهو متكرر ومعاد، فالمتوقع هو الضغط الدولي على الخرطوم حال رفضها للتحقيق الدولي كما جرت العادة، فإن المجتمع الدولي أيضاً مطالب بالضغط على الولايات المتحدة بالكشف عن أدلتها بدلاً من التلاعب بالرأي العام حول القضية بتسريبات التحقيقات والتقارير الصحفية، وذلك لأن المنطق يقول إن القانون الدولي لا يصبح قانوناً فقط لأن الولايات المتحدة الأمريكية، كطرف قوي، قالت إنه قانون، هو يصبح قانوناً عندما يخضع الجميع لمعايير المحاكمة نفسها، فبمثلما يقتل السلاح الكيميائي الإنسان، فإن كيمياء السياسة تقتل الحقيقة.
ختاماً، في رواية باولو كويلو، خرج “سانتياغو”، بطل رواية “الخيميائي”، بحثاً عن كنزه، واكتشف أن الرحلة إلى الكنز كانت في حقيقتها رحلة إلى ذاته وإلى الحقيقة التي لم يكن يعرفها، أما السودان فلا يحتاج اليوم إلى خيميائي جديد يحول الاتهامات إلى كنز سياسي، ولا إلى رواية أخرى عن أسلحة الدمار الشامل تُكتب خلف الأبواب المغلقة، ولكنه يحتاج فقط إلى الحقيقة التي قال عنها شاعرنا الراحل محمد الحسن سالم حميد حكمته القوية…
“وياتو مطرتاً قالت شوو فرقوا غيما الأمريكان؟؟”



