من سرير المرض إلى منبر الدولة: قراءة استراتيجية في شهادة البروفيسور مأمون حميدة حول ملاريا ما بعد الحرب

بقلم/ د. محمد عوض محمد متولي

حمداً لله على سلامتك أستاذنا البروفيسور مأمون حميدة، فقد قرأت بتمعن وتقدير بالغين مقالك “زيارتي لمستشفى علياء 2” فوجدت فيه ما هو أبعد بكثير من تجربة مريض. لقد كان المقال وثيقة وطنية من الطراز الأول، وشهادة حية من قلب المعاناة تحولت بعبقرية الخبير إلى تشخيص إستراتيجي لحال الوطن وصحته. إن خروج قامة طبية بحجم البروفيسور مأمون من طوق السرير الأبيض لتكتب للدولة هو في ذاته فعل مقاومة وبناء، وهو نموذج للقيادة بالقدوة التي نحتاجها اليوم في سودان ما بعد الحرب.

 

إن أهم ما يمنحه المقال هو توثيق حي دامغ لصمود المنظومة الصحية السودانية في أحلك الظروف. حين يصف البروفيسور مأمون مستشفى علياء 2 بأنها منارة تعمل بنظام ودقة وبسمة تعلو شفاه الممرضين والأطباء وقد احتفظت بطاقتها ومقدرتها رغم حصار المليشيا الذي استمر لأكثرمن عام كامل، فإن هذه الجملة وحدها ترد على كل خطاب اليأس والإنهيار. إنها رسالة أمل تقول إن الكادر السوداني قادر على الصمود والإبداع إذا توفرت له الإرادة والدعم. هذا الصمود يجب أن يكون النواة التي نبني عليها إعادة إعمار القطاع الصحي برمته.

 

ولكن المقال لا يتوقف عند حد التوثيق، بل يرتقي ليقدم فرضية علمية وطنية بالغة الأهمية أسميها “ملاريا ما بعد الحرب”. لقد رصد البروفيسور تحولاً نوعياً خطيراً في سلوك الملاريا، من مرض يزور كل ثلاثة أيام إلى خصم يومي شرس، ومن حالة البروفيسور حميدة إلى مضاعفات رئوية حادة سماها زميله البروفيسور أحمد مضوي موسى pneumonic malaria صاحبتها أذمة رئوية بينية استدعت تدخل أخصائي القلب. وهذا التشخيص الميداني من خبير بحجم البروفيسور يجب أن يؤخذ على محمل الجد القومي. إن الأسباب التي ساقها البروفيسور مأمون مترابطة بعمق استراتيجي، فهي تبدأ بانخفاض المناعة المكتسبة لدى العائدين من دول المهجر الخليج وأوروبا بعد غياب سنوات، وتتفاقم بالإرهاق الجسدي والنفسي الذي يرفع الكورتيزول ويضعف المناعة، ثم تصل إلى ذروة الخطر في أزمة الدواء التي وصفها البروفيسور بدقة موجعة. إن غزو الأدوية المغشوشة “الفالصو” وإنهيار المعمل القومي لضبط الجودة وسوء التخزين في العراء هي ليست قضية صيدلة فحسب، بل هي قضية أمن قومي مباشر. فحين يفشل دواء الأنتميثر ويحتاج المريض لحقنة تكلف أربعين ألف جنيه، وحين يتحول العلاج إلى سم قاتل، فإننا نواجه نزيفاً مزدوجاً للدولار وللأرواح معاً.

 

ومن هنا تأتي القيمة الإستراتيجية الكبرى للمقال، إذ أنه لم يكتف بالتشخيص بل قدم خارطة طريق لبناء الدولة على أسس علمية ووقائية. ومن منظوري كخبير استراتيجي واقتصادي، أرى أن شهادة البروفيسور مأمون تفرض علينا الانتقال فوراً من إدارة الأزمة إلى صناعة السياسات. أولاً يجب ترفيع ملف الملاريا والأمراض المنقولة بالبعوض إلى مستوى أولوية أمن قومي. فالبيانات تشير إلى أن فاتورة علاج الملاريا ومضاعفاتها تستنزف أكثر من ثلث دخل الأسر الفقيرة، وكل جنيه يصرف في الوقاية ومكافحة البعوض يوفر ألف جنيه كانت ستصرف على العلاج وتعطيل الإنتاج، وهذا عائد استثماري لا يضاهى. ثانياً، أوافق البروفيسور تماماً على مقترحه الجريء بإنشاء وزارة مستقلة أو هيئة قومية عليا للملاريا والأمراض المتجهة، ذات ميزانية خاصة وإدارة للبحوث والمكافحة، لأن الملفات العابرة للقطاعات لا يمكن أن تنجح داخل هيكل تقليدي. ثالثاً، لا بد من إطلاق “مشروع الخرطوم خالية من الملاريا 2030م” استلهاماً للإنجاز العالمي الذي حققته الولاية في عهد الوالي عبد الحليم المتعافي ونالت عليه جائزة منظمة الصحة العالمية، فما تحقق مرة يمكن تكراره وتطويره بأدوات اليوم.

 

كما أن المقال يفتح ملفاً بالغ الحساسية وهو أمن الدواء والسيادة الدوائية. إن تهريب الدواء وتخزينه بلا معايير هو تهديد مباشر للسلم المجتمعي. وعليه أقترح إنشاء “صندوق السيادة الدوائية” تكون مهمته العاجلة إعادة تأهيل المعمل القومي لضبط الجودة، وضبط سلاسل الاستيراد والتخزين، والبدء في توطين تصنيع أدوية الملاريا والطوارئ المعتمدة من منظمة الصحة العالمية داخل السودان، حتى لا نبقى رهينة للسوق العالمي وللسماسرة.

وفي البعد المجتمعي، فإن ظاهرة العائدين بعد سنوات الغربة بمناعة منخفضة تستدعي ابتكار “حقيبة العائد الصحي” ضمن بروتوكول العودة، تشمل الفحص والإرشاد والوقاية، حتى لا تكون العودة عبئاً على النظام الصحي.

 

إن البعد الإنساني الرفيع في المقال لا يقل أهمية. فذكر الأسماء وتكريم الزملاء من دكتور طارق الهادي ودكتور إبراهيم المبارك والبروفيسور أحمد مضوي والدكتور عبدالكريم، والوفاء لأسرة علياء وللبنين القادمين من أصقاع العالم، هو الذي يحفظ النسيج المهني والأخلاقي للأمة. وخاتمة البروف “البنون زينة الحياة الدنيا” هي تأكيد على أن المعركة معركة حياة وقيم.

 

الخلاصة أن مقال البروفيسور مأمون حميدة هو إنذار مبكر استراتيجي وتقرير دولة خرج من سرير المرض. لقد جمع بين دور المريض الذي وثق الألم، والطبيب الذي شخص الداء، ورجل الدولة الذي اقترح الدواء. رسالته واضحة: الحرب لم تكسرنا، والملاريا لن تهزمنا، وبأيدي أطبائنا وعلمائنا وبإرادة سياسية وتمويل إستراتيجي سنبني السودان من جديد. إن هذا المقال يستحق أن يدرس في كليات الطب والصحة العامة، وأن يرفع فوراً كتوصية عاجلة إلى مجلس الوزراء ووزارة الصحة الاتحادية ليتحول من شهادة فردية إلى سياسة عامة.

نسأل الله أن يجعل ما خطه البروفيسور مأمون حميدة في ميزان حسناته، وأن يحفظه ذخراً للوطن.

حفظ الله السودان وشعبه من كل شر.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى