دعم الجيش ليس صك غفران ولا بطاقة امتياز

هذا قولى 

بقلم هيثم حسن السوباط

لنضع الأمور في مكانها الصحيح، بلا مجاملات ولا تزيين: دعم الجيش والقوات المساندة في هذه الحرب ليس مشروعًا شخصيًا للتكسب، ولا سلّمًا للصعود، ولا وسيلة لشراء النفوذ والحظوة.

 

من وقف مع الجيش في هذه المعركة، فقد اختار موقفًا وطنيًا وأخلاقيًا يؤمن به، وهذا موقف يُحترم. لكن لا أحد منحه بسبب ذلك رتبة فوق الناس، ولا حصانة من النقد، ولا إعفاءً من القانون، ولا حقًا في توزيع شهادات الوطنية على السودانيين.

 

بعض الناس، وللأسف، بدأوا يتعاملون مع موقفهم من الجيش وكأنه شيك مفتوح. كلما تعرض أحدهم للنقد قال: «أنا مع الجيش»، وكأن هذه العبارة أصبحت كلمة السر التي تغلق كل الأبواب أمام المساءلة. وكأن تأييده للجيش يمنحه حصانة دائمة، ويمنع الآخرين من مساءلته عن تصرفاته ومواقفه وأخطائه.

 

لا يا سادة.

 

أن تكون مع الجيش لا يعني أنك أصبحت فوق الخطأ، ولا فوق القانون، ولا فوق النقد.

 

ولا يعني أنك أصبحت أكثر وطنية من شخص آخر لم يكتب منشورًا مثلك، أو لم يظهر في قناة تلفزيونية، أو لم يرفع صوته في وسائل التواصل الاجتماعي.

 

والأكثر إثارة للشفقة أن بعض الناشطين والإعلاميين يتعاملون مع تأييدهم للجيش وكأنه إنجاز شخصي ينبغي أن يدفع الوطن ثمنه. يريد أحدهم منصبًا، وآخر يريد حظوة، وثالث يريد نفوذًا، ورابع يريد معاملة استثنائية، ثم يبدأ في تذكير الناس بأنه «وقف مع الجيش».

 

وكأن السودان أصبح شركة مساهمة، وهم أصحاب الأسهم الأكبر فيها!

 

الوطنية ليست أسهمًا تتراكم، ولا رصيدًا تستخدمه وقت الحاجة، ولا فاتورة تقدمها للدولة لتطالبها بالسداد.

 

من دعم الجيش لأنه يؤمن بأن الجيش يدافع عن الدولة، فليواصل دعمه دون أن يحوّل موقفه إلى تجارة. ومن وقف مع الوطن فليكن موقفه لله والوطن والتاريخ، لا انتظارًا لوظيفة أو منصب أو قرب من مسؤول أو امتياز هنا أو هناك.

 

والذين قدموا أرواحهم في هذه الحرب أحق بأن نتحدث عنهم. أولئك لم يجلسوا أمام الكاميرات ليحصوا عدد منشوراتهم، ولم يطالبوا المجتمع بمنحهم أوسمة لأنهم أدوا واجبهم. هناك من فقد حياته، وهناك من فقد بيته وماله وأمانه، وهناك من تحمل أقسى الظروف، ولم يقل بعد ذلك: «أنا فعلت كذا، ولذلك أعطوني كذا».

 

هؤلاء فهموا معنى التضحية.

 

أما من يعتقد أن بضعة منشورات ومقابلات وتصريحات مؤيدة للجيش تمنحه حقًا في الامتياز، فعليه أن يراجع نفسه.

 

الحرب ليست موسمًا لتلميع الذات، والجيش ليس ماكينة لصناعة الزعامات الوهمية.

 

ومن المضحك أن يتحول بعض الأشخاص إلى «حراس بوابة الوطنية»، فيقررون من هو الوطني ومن هو الخائن، ومن يستحق الاحترام ومن يستحق الإقصاء، بناءً على مقدار التصفيق للجيش أو عدد المنشورات التي كتبها.

 

الوطنية أكبر من هذا العبث.

 

يمكنك أن تكون داعمًا للجيش، وفي الوقت نفسه ترفض خطأ لمسؤول، أو تنتقد أداء مؤسسة، أو تطالب بالمحاسبة. بل إن الدفاع عن الدولة يقتضي أحيانًا أن تقول الحقيقة حتى عندما تكون مؤلمة. فالجيش لا يحتاج إلى طبقة من المطبلين، والدولة لا تُبنى بمنع النقد، والمجتمع لا يصبح أكثر وطنية بإسكات الناس.

 

وأخطر ما يمكن فعله هو استخدام الجيش كدرع شخصي للهروب من المساءلة. أن يخطئ الشخص، فإذا انتقده أحد احتمى بشعار «أنا مع الجيش». أن يتجاوز، ثم يتهم منتقده بأنه ضد الجيش. أن يفشل، ثم يحاول تحويل النقاش من خطئه إلى وطنية الآخرين.

 

هذه ليست وطنية؛ هذا ابتزاز عاطفي رخيص بالموقف الوطني.

 

دعم الجيش لا يمحو أخطاءك، ولا يغسل تجاوزاتك، ولا يحولك إلى شخصية مقدسة. إذا أخطأت فأنت مسؤول، وإذا تجاوزت القانون فأنت مسؤول، وإذا أسأت للناس فأنت مسؤول.

 

والجيش مؤسسة وطنية أكبر من أن تكون مظلة يحتمي تحتها أصحاب المصالح الشخصية.

 

لذلك، كفى متاجرة بالمواقف.

 

كفى تحويل الحرب إلى منصة لبناء النفوذ الشخصي.

 

كفى ابتزاز الناس بشعار الوطنية.

 

من وقف مع الجيش فليثبت أن موقفه كان من أجل الوطن، لا من أجل نصيبه من الغنيمة السياسية والاجتماعية.

 

فالذين ضحوا بأرواحهم لم يطلبوا منصبًا، ولم يساوموا على موقفهم، ولم يجعلوا تضحياتهم بطاقة امتياز.

 

ومن العيب أن يأتي من لم يدفع شيئًا من هذا الثمن ليطالب الوطن بأن يكافئه لمجرد أنه كتب منشورًا أو ظهر في مقابلة أو رفع شعارًا.

 

دعم الجيش شرف، لكنه ليس مهنة. والانحياز للوطن موقف، لكنه ليس استثمارًا. والوطنية مسؤولية، وليست رخصة للتكسب.

 

ومن أراد أن يقف مع الجيش، فليقف ثابتًا دون أن يمد يده في انتظار المقابل.

 

فالموقف الذي يحتاج إلى مكافأة حتى يصبح موقفًا، ليس موقفًا وطنيًا من الأساس.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى