الإعلام الوطني بين معركة الكرامة وفرصة الحوار السوداني-السوداني

عين الكلمة

صلاح الريح يوسف

حينما تصبح الكلمة أقوى من الدبابة والسوخوي والمسيرة، يدرك الجميع أن معارك الوعي لا تقل ضراوة عن معارك الميدان. وفي السودان اليوم، نحن أمام جبهتين متوازيتين: جبهة البندقية التي خاضت “معركة الكرامة” دفاعاً عن الأرض والعرض، وجبهة الكلمة التي ينتظر منها أن تقود معركة البناء والتعافي وإعادة اللحمة الوطنية.

في خضم “معركة الكرامة” برزت أدوار وطنية مشهودة لقادة الإعلام الذين حملوا على عاتقهم مسؤولية الدفاع عن الوطن بالكلمة والصورة. ومن أبرز هذه الأسماء الأستاذ *خالد الاعيسر* وزير الثقافة والإعلام والسياحة والآثار. رجل تسلم وزارة مثقلة بالتحديات، وأدارها بفريق لا يتجاوز 13 موظفاً في فترة الحرب ، في وزارة تمثل في واقع الأمر أربع وزارات مجتمعة. ورغم شح الإمكانيات وتحديات الحرب، إلا أنه نجح في إعادة تشغيل المؤسسات الإعلامية وتوجيهها نحو خدمة المعركة الوطنية، ولكنه لم يسلم من الاستهداف والحسد، وفي قلبه فراسة مؤمن وظل يردد مع نفسه بحكمة بالغة مفادها : _”ولو كل كلب عوى ألقمته حجراً.. لكان الحجر مثقاله دينار”_.

الأستاذ خالد لم يكتفِ بالعمل الإداري، بل قدم نموذجاً في التضحية حينما تبرع بكل مرتباته للقوات المسلحة مساهمة منه في حرب الكرامة. فبدل أن يجد التقدير والمن والسلوى والدعوات الصالحات، وجد الأشواك في كل خطوة على جادة الطريق. انظروا إلى *التلفزيون القومي* كمثال حي على هذا الصمود. تحول من رماد ودمار وأنقاض إلى صورة وإستديوهات تضاهي استوديوهات القنوات الإقليمية الكبرى، وصورة بصرية أخاذة تسر الناظرين. وهذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل هو نتاج إرادة وطنية وعمل دؤوب تحت الرصاص.

وعلى هدا القبيل هنالك الكثير من الأسماء الإعلامية الكبيرة التي كان صوتها عالياً في معركة الكرامة، من مقدمي البرامج والمراسلين والمحللين وكتاب الاعمدة وصناع المحتوى والناشطين الذين ساهموا في حسم المعركة الإعلامية بنجاح، وأثبتوا أن الإعلام الوطني هو خط الدفاع الأول عن الوعي والوجدان، وأن الكلمة يمكن أن تكون درعاً وسيفاً في وجه التضليل والتزييف.

وإذا كانت الكلمة قد انتصرت في الميدان، فإن الرهان الأكبر اليوم عليها في ساحة الحوار. فـالحوار السوداني-السوداني يعتبر المخرج الحقيقي لكل الأزمة السودانية، وهو الفرصة السانحة للتعافي الوطني وتجاوز المرارات وبناء مستقبل مشترك. وهنا يأتي الدور المحوري والمنتظر من الإعلام الوطني ليكون شريكاً أصيلاً في إنجاح هذه الخطوة التاريخية.

ننتظر من الإعلام أن يصنع مناخ الثقة المفقود، وأن يحول الطاولة المستديرة إلى “بيت سوداني كبير” يسع الجميع. خطاب إعلامي يركز على القواسم المشتركة ويقدم نماذج للتعايش بدلاً من تأجيج الخلافات وتكريس الانقسام. كما ننتظر منه أن يساعدنا في تجاوز خطاب المظلومية الذي أثقل كاهلنا لعقود. آن الأوان أن نبني جيلاً جديداً لا يغرق في تراكمات التاريخ وجلد الذات، إعلام يحرر العقل من أسر الماضي ويوجه البوصلة نحو المستقبل.
جيل يؤمن بأن الوطن أكبر من جراح الأمس، وأن البناء يبدأ عندما نتصالح مع ذواتنا أولاً.

كما أن للإعلام دوراً كبيراً في التوعية بأهمية الحوار نفسه، عبر برامج ومناظرات ومساحات حرة تشرح للمواطن أن لا أحد منتصر في حالة الانهيار، وأن الخسارة وطن بأكمله. وأن الحوار ليس ضعفاً ولا استسلاماً، بل هو قوة الشعوب الواعية التي تختار الحياة على الخراب.
وفي زمن السوشيال ميديا والشائعات، يصبح دور الإعلام المسؤول هو الترياق الناجع. التصدي لخطاب التخوين والتقسيم والعنصرية، وتعزيز قيم المواطنة والسلام والوحدة.

لقد أثبت الإعلام الوطني في معركة الكرامة أنه سند حقيقي للقوات المسلحة والشعب، وأنه قادر على الصمود والتضحية. واليوم ننتظر منه أن يكون جسر العبور نحو سودان جديد. سودان يتصالح مع نفسه، ويتجاوز إرث الفرقة، ويبني مستقبله بأيدي أبنائه بعيداً عن خطاب الكراهية وبعيداً عن إرث المظلومية.

التحية لكل إعلامي حمل البندقية بالقلم.. واليوم يحمل الوطن بالكلمة والحكمة. فالمعركة لم تنتهِ بعد ، بل انتقلت من ساحة الرصاص إلى ساحة الوعي، ومن ميادين القتال إلى ميادين البناء.

وللمداد بقية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى