مصطفى الشريف.. من مكتب القنصلية إلى قلوب السودانيين

وجه الوطن القريب من أبنائه

الرياض: محمد يوسف عبد الرحمن ” ميدي” 

 

قنصل سوداني في الرياض جعل من خدمة المواطن مساحة للإنسانية، ومن التواصل مع الجالية جسراً بين السفارة وأبناء الوطن

في الدبلوماسية، لا تصنع المناصب وحدها صورة المسؤول، وإنما تصنعها المواقف، خصوصاً تلك التي تأتي في الأوقات التي لا تنتظر فيها القضايا موعداً رسمياً أو ساعة دوام.. ومن هذه الزاوية يمكن قراءة تجربة مصطفى الحسين عبد الله الشريف، القنصل بسفارة جمهورية السودان في المملكة العربية السعودية – الرياض، الذي ارتبط حضوره خلال عمله القنصلي بالتواصل المباشر مع أبناء الجالية، ومتابعة قضاياهم، والتفاعل مع مبادراتهم الاجتماعية والرياضية والإنسانية.. ففي موقعه بالقسم القنصلي، يتابع الشريف شؤون الرعايا السودانيين وما يتصل بمعاملاتهم الرسمية من جوازات وتوثيقات وأوراق ثبوتية، بالتنسيق مع الإدارات المختصة بالسفارة. غير أن حضوره لا يقتصر على الجانب الإداري؛ إذ يمتد إلى الميدان، حيث يشارك في مناسبات الجالية وفعالياتها، ويستمع إلى قضاياها ويتابع ما يطرأ عليها من احتياجات أو تحديات.

من المعاملة الورقية إلى الإنسان

 

العمل القنصلي، في صورته التقليدية، يرتبط بالوثائق والإجراءات والمكاتبات. لكن خلف كل معاملة مواطناً له ظرفه الخاص، وقد تكون السرعة في إنجازها بالنسبة إليه أكثر أهمية مما تبدو عليه في الأوراق.. وهنا تتخذ تجربة الشريف بعداً مختلفاً؛ إذ يتعامل مع الخدمة القنصلية باعتبارها اتصالاً مباشراً بحياة الناس، لا مجرد إجراءات مكتبية.. هذا المنظور انعكس كذلك في حضوره المجتمعي، حيث عرف باهتمامه بالتواصل مع مختلف مكونات الجالية، ومشاركته في الفعاليات الثقافية والاجتماعية والرياضية، فضلاً عن متابعته لبعض المبادرات التي تستهدف معالجة الخلافات وتقريب وجهات النظر بين الكيانات السودانية في الرياض.

 

إصلاح ذات البين.. وجه آخر للعمل الدبلوماسي

 

مع اتساع الجالية السودانية وتنوع روابطها وكياناتها، تصبح إدارة الاختلافات والحفاظ على مساحات التوافق جزءاً مهماً من استقرار المجتمع.. وفي هذا السياق، برز الشريف في عدد من المبادرات الهادفة إلى رأب الصدع وتقريب وجهات النظر، لا سيما داخل بعض الروابط والكيانات الرياضية والتشجيعية.. فالدبلوماسية، في هذا المستوى، لا تكون فقط بين الدول، وإنما تصبح أيضاً قدرة على بناء الجسور داخل المجتمع، وتشجيع الحوار، والبحث عن نقاط الالتقاء حين تتسع مساحة الاختلاف.

 

موقف إنساني بعد انتهاء الدوام

 

لكن أكثر المواقف قدرة على اختزال هذه الصورة جاء في أغسطس 2026، عندما توفي أحد المواطنين السودانيين في الرياض، وواجهت أسرته صعوبة في استكمال بعض الإجراءات المرتبطة بالدفن، في ظل وجود ابنه خارج المملكة وحاجته إلى توكيل رسمي.. كان الاتصال بالقنصل مصطفى الشريف عقب انتهاء ساعات العمل الرسمية.. ومع حساسية الظرف، لم يكن الرد تأجيلاً إلى صباح اليوم التالي، بل استجابة فورية وتعامل مع الحالة باعتبارها موقفاً إنسانياً عاجلاً، قبل أن يبادر بالتواصل مع المعنيين واستكمال البيانات المطلوبة حتى تم إنجاز الإجراء وإرسال إذن الدفن خلال وقت وجيز.. وكانت عبارته: «إكرام الميت دفنه»، تختصر الكثير من فلسفة التعامل مع مثل هذه الحالات.. قد تبدو الواقعة في ظاهرها إجراءً إدارياً، لكنها بالنسبة إلى أسرة تعيش لحظة فقد مؤلمة تعني اختصار الوقت وتذليل العقبات، وتحويل الخدمة القنصلية إلى شكل من أشكال المساندة الإنسانية.

 

حين تكون السفارة أقرب إلى المواطن

 

من خلال هذا الحضور، تتشكل لدى الشريف رؤية للعمل القنصلي تتجاوز حدود المكتب إلى المجتمع، وتربط بين المسؤولية الرسمية والواجب الإنساني.. فالمواطن السوداني في الخارج لا يحتاج فقط إلى جهة تصدر له وثيقة أو تنجز له معاملة؛ بل يحتاج أيضاً إلى مؤسسة يشعر بأنها قريبة منه، وإلى مسؤول يستطيع الوصول إليه حين تفرض الظروف ذلك.. وهنا تأتي أهمية التواصل الذي حرص الشريف على بنائه مع أبناء الجالية، سواء عبر المشاركة في مناسباتهم وفعالياتهم، أو متابعة مبادراتهم، أو التفاعل مع الحالات الإنسانية التي تحتاج إلى تنسيق ومتابعة.

 

سفير الإنسانية والتواصل

 

من الصعب اختزال تجربة دبلوماسي في موقف واحد، لكن المواقف تكشف عادةً ما لا تقوله السيرة الرسمية.

وفي حالة مصطفى الشريف، تبدو ملامح التجربة واضحة في ثلاث دوائر متداخلة: عمل قنصلي يتصل مباشرة باحتياجات المواطن، وحضور مجتمعي يقوم على التواصل، ومواقف إنسانية تمنح الوظيفة معناها الأوسع.

ومن هنا يكتسب وصفه بـ«سفير الإنسانية والتواصل» دلالته؛ ليس باعتباره لقباً رسمياً، وإنما باعتباره انعكاساً لصورة تشكلت من الحضور والمواقف.. فالدبلوماسية في نهاية المطاف ليست بروتوكولاً فقط، والعمل القنصلي ليس أوراقاً ومعاملات فحسب.

أحياناً يكون أقوى ما يفعله المسؤول أن يسمع، وأن يستجيب، وأن يختصر على المواطن طريقاً طويلاً في لحظة يحتاج فيها إلى من يقف إلى جواره.. قد ينتهي الدوام عند ساعة محددة، لكن الواجب الإنساني لا يعرف ساعة انصراف.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى