علم الدين عمر يكتب : الحوار كما يعرفه السودانيون.. مصلح نصار وأشياء أخرى!!

حاجب الدهشة 

..قبل سنوات.. قبيل الحرب وتمرد مليشيا الدعم السريع بقليل، استشهد الشاب خالد إسماعيل الطاهر أبوكلابيش بحادث حركة أليم وهو في طريقه للخرطوم عقب عقد قرانه ببادية دار حمر.. مضارب جده العمدة الطاهر أبوكلابيش الشهير.. كان حادثاً أليماً.. قابلته أسرة الحبيب إسماعيل الطاهر أبوكلابيش وعائلة العمدة بصبر وجلد وتسليم بقضاء الله وقدره.. حيث نُصبت خيمة الفرح لإستقبال العريس العائد وقضت مشيئة الله أن تتحول لسرادق عزاء.. رحمه الله رحمة واسعة وعوض شبابه الجنة.. الشهيد خالد كان يعمل بمكتب القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول عبدالفتاح البرهان.. ولذلك حضر السيد القائد عقب صلاة الجمعة للعزاء.. كنت قد أديت معهم الفريضة وغادرتهم للعودة بعد العصر وقبل أن أصل للمنزل إتصل بي والد الشهيد طالباً مني العودة لأن السيد رئيس مجلس السيادة القائد العام في طريقه إليهم.. رجعت مرة أخري وأستقبلنا القائد ومن معه ثم طلبت مني الأسرة أن أتحدث نيابة عنها.. أذكر أنني قلت لهم يومها أن هذا السودان غريب عجيب.. فالشهيد هو حفيد العمدة أبوكلابيش وابن أخ نائب حاكم كردفان والبرلماني والوزير الأسبق محمد أحمد الطاهر أبوكلابيش.. وهي أسرة عريقة ممتدة من أهلنا الحمر.. وقد فوضتني للترحيب بإبن عمي الفريق أول البرهان.. إذ أني حفيد الشيخ إبراهيم الرشيد وهو حفيد إبن عمه الشيخ عبدالرحمن البرهان.. تحدثت أنا برابط الجوار والأخوة.. والمودة.. وجاء هو بدافع الزمالة ومنطق الجيش وأبوة القائد لأبنائه.. هكذا بهذه البساطة.. هذا هو السودان الذي يعقدون قضاياه باللجان (القايمة ونايمة).. ما يحتاجه وما يمكن أن يمضيه المجتمع السوداني بمنتهي البساطة والسهولة هو العودة للعرف الإجتماعي الواضح المعروف.. العقد الإجتماعي السوداني واحد من أقوي العقود المجتمعية في تاريخ البشرية علي الإطلاق.. هو نفسه العقد الذي أخرج المستعمر في العصر الحديث من التراب السوداني دون تفاصيل سياسية ولا إقتصادية ولا إدارية..

إن أعادت الدولة الكرة لملعب المجتمع ستجد الحلول لكل أزماتها الموروثة والمستحدثة.. ولكن (الأفندية) لا يؤمنون بذلك وهم يدحرجون كرة الثلج المتضخمة بتطاول الطاولات ونثرياتها وحضورها وظرفها و(ظروفها)..

الحوار السوداني الحقيقي لن تعبأ مداولاته لكل هذا الغبار المثار علي هوامشه اليوم.. لأنه ببساطة مجرد (طق حنك) لا يسمن ولا يغني من جوع..

ستنفق الدولة وأجهزتها ومؤسساتها زمناً طويلاً.. غالياً لتكتشف أن الأمر أكثر مباشرة من كل هذا التمهيد.. وأقل كلفة من كل هذه (التحانيس).. هل رأيتم كيف تحرك مستشار رئيس الوزراء السيد مصلح نصار الرشيدي في ملف المصالحات المجتمعية بعيداً عن تعقيدات الديوان والبساط الأحمر؟؟. لقد تحرك الرجل في مساحة مباشرة وجلس لزعماء القبائل المتنازعة في الهواء الطلق.. دون ضجيج ولا رجال من ذوي الياقات البيضاء وربطات العنق الملونة في موكبه.. نحروا الذبائح وتناقشوا وتحاوروا وتوافقوا علي الصلح والسلم.. ومضوا لشأنهم في البحث عن حلول لقضية الدولة وناسها وأحداثها..

نعود.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى