منى أبوزيد تكتب : المثقف بين النقد العاطفي والتعاطف المعرفي..!

هناك فرق..

“ليست قيمة النقد في أن يكون قاسياً، وإنما في أن يكون عادلاً، فالصرامة بلا فهم قد تصنع حكماً، لكنها لا تصنع معرفة”.. الكاتبة..!

في مقاله الأخير “المثقف أمام مرآته: المعيار الانتقائي”، يقرأ الدكتور الواثق كمير مقال الدكتور النور حمد “المثقف في بلاط الديكتاتور: المصلحة وإعادة إنتاج الطغيان”، من زاوية مختلفة” لا يناقش فقط صحة موقف النور من لجنة تهيئة الحوار، وإنما يعيد المعيار الذي استخدمه النور إلى صاحبه، ويسأله إن كان يمكن تطبيقه بالصرامة نفسها على علاقته هو بالقوى السياسية والعسكرية التي اختار الوقوف إلى جانبها. وبذلك يتحول المقال من مجرد سجال حول لجنة أو مبادرة إلى سؤال أوسع عن عدالة المعيار حين نستخدمه في الحكم على الآخرين..!

 

ما لفتني في مقال الواثق كمير ليس فقط ما قاله، وإنما كيف قاله. ثمة فارق رئيس بين ناقد يريد أن يثبت أن خصمه مخطئ، وناقد يريد أن يفهم كيف وصل خصمه إلى ما يراه خطأ. الفارق بين الاثنين ليس في درجة الذكاء، وإنما في شيء أكثر ندرة، ألا وهو التعاطف المعرفي “أي القدرة على أن تضع نفسك، ولو مؤقتاً، داخل عقل الآخر، وأن تفهم منطقه ودوافعه والسياق الذي أنتج موقفه، من دون أن يعني ذلك موافقته أو تبرير ما يراه”. وهذا النوع من التعاطف لا يجعل النقد أكثر ليناً، بل يجعله أكثر عدلاً وأشد نفاذاً. لأنك حين تفهم حجة خصمك من داخلها، لا تعود بحاجة إلى تشويهها كي تهزمها..!

 

وهنا، في تقديري، تكمن إحدى أهم ميزات منهجية الواثق كمير. فهو لا يبدأ من افتراض أن النور حمد لا يملك قضية، ولا يسخر من أسئلته، ولا ينكر مشروعية قلقه من علاقة المثقف بالسلطة. على العكس، هو يمنحه السؤال الذي طرحه حقه كاملاً، ثم يقول له، في جوهر الحجة “إذا كان هذا هو المعيار الذي اخترته، فلنختبر قدرتك على احتماله حين يعود إليك”. وهذه طريقة ذكية في النقد، لأنها لا تهدم حجة الخصم من خارجها، وإنما تدفعها إلى نهايتها المنطقية..!

 

أما منهجية النور، كما تظهر في المقال الذي يناقشه الواثق، فتبدو مختلفة. فهو يبدأ من سؤال مشروع حول علاقة المثقف بالسلطة، لكنه ينتقل من مساءلة المشاركة والاستقلال إلى استنتاجات أوسع عن “رأس المال الرمزي واحتواء النخبة وإعادة إنتاج الطغيان”، وهنا يصبح السؤال ليس “هل هذه المخاوف مشروعة، بل، هل تكفي المخاوف لإثبات الاستنتاج”؟. فالناقد حين يملك تفسيراً جاهزاً لسلوك خصمه يصبح معرضاً لخطر أن يرى كل الوقائع اللاحقة بوصفها أدلة عليه. مشاركة المثقف تصبح استتباعاً، والحوار يصبح شرعنة، والاستضافة تصبح احتواء، والاقتراب من السلطة يصبح بالضرورة وظيفة سياسية لصالحه. وهنا يفقد النقد شيئاً مهماً “احتمال أن يكون الآخر قد اختار موقفه لأسباب مختلفة عن تلك التي افترضها الناقد”..!

 

ليس المطلوب أن نحسن الظن بالآخر إلى درجة السذاجة، وإنما أن نترك في قراءتنا مساحة لاحتمال أن يكون المختلف أكثر تعقيداً من تفسيرنا له. وهذه ربما هي المشكلة الأعمق في كثير من سجالاتنا السياسية” أننا لا نختلف فقط حول الوقائع، بل نختلف حول نيات الآخرين ودوافعهم، ثم نتعامل مع قراءتنا لهذه النيات كأنها حقائق لا تحتاج إلى برهان”. المثقف الذي يدخل مساحة الحوار قد يكون متواطئاً، وقد يكون ساذجاً، وقد يكون انتهازياً، وقد يكون مؤمناً بأن الحوار هو الطريق الوحيد للخروج من الحرب، وقد يكون ببساطة يحاول أن يختبر إمكانية لا يعرف مسبقاً إن كانت ستنجح.

كل هذه الاحتمالات موجودة.، والناقد الجيد لا يساوي بينها، لكنه لا يلغيها قبل أن يملك الدليل..!

 

لهذا تبدو لي عبارة الواثق كمير عن أن “المصطلح النظري ليس بديلاً عن الدليل” أكثر من مجرد ملاحظة منهجية. إنها تذكير بأن اللغة الكبيرة قد تمنح الفكرة هيبة لا تستحقها. فحين نصف ظاهرة بأنها احتواء للنخبة أو إعادة إنتاج للديكتاتورية نكون قد قطعنا نصف الطريق في تفسيرها، لكننا لم نثبت بعد أن تفسيرنا هو الصحيح. وفي المقابل، فإن استدعاء الواثق لتجربة الجمهوريين مع مايو لا يبدو في جوهره رغبة في محاكمة التاريخ بقدر ما هو محاولة لاختبار اتساق المعيار. فإذا كان المثقف يستطيع، في سياق تاريخي معين، أن يتعامل مع سلطة عسكرية لأنه يرى في ذلك التعامل مصلحة وطنية أو فرصة لتحقيق غاية أكبر، فلماذا يصبح التعامل مع سلطة عسكرية أخرى دليلاً بذاته على الاستتباع؟. قد تختلف الإجابات باختلاف الظروف، وهذا صحيح. لكن اختلاف الظروف يحتاج إلى أن يُشرح، لا أن يُفترض. وهنا نصل إلى جوهر المسألة.التعاطف المعرفي لا يعني أن نكون بلا موقف، بل يعني أن نمتلك موقفاً بعد أن نفهم موقف الآخر، لا قبل أن نفهمه..!

 

قد أختلف مع د. النور حمد، ومع د. الواثق كمير، ومع أي مثقف آخر، لكنني لا أستطيع أن أمارس نقداً نزيهاً إذا كنت أقرأ خصمي فقط من خلال النتيجة التي أريد الوصول إليها.فالنقد الذي لا يرى إلا أخطاء خصمه يتحول بسهولة إلى مرافعة. والنقد الذي يرى دوافع خصمه وتعقيداته ونقاط قوته، ثم يظل قادراً على القول “مع ذلك، أنت مخطئ” هو النقد الذي يستحق أن يؤخذ بجدية..!

 

ولعل المثقف لا يحتاج في هذه الأزمنة المرهقة إلى مرآة يرى فيها أخطاء الآخرين بقدر حاجته إلى مرآة تكشف له الزاوية التي يقف منها وهو ينظر إليهم. فأصعب أنواع النزاهة الفكرية ليست أن تقول الحقيقة حين تكون في صالحك، وإنما أن تستطيع تطبيق المعيار نفسه على الجهة التي تفهمها، والجهة التي تختلف معها، وعلى نفسك حين يلزم الأمر. وهنا فقط يصبح النقد بحثاً عن الحقيقة، لا بحثاً عن خصم يستحق الدانة!.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى