الجوع عندهن مأساة.. والرصاص مجرد تفصيل

هذا قولي 

بقلم هيثم السوباط


صحفيات الجنجويد لا يتركن مناسبة إلا ويخرجن علينا بحديث طويل عن الجوع، ونقص الغذاء، وغلاء الأسعار، ومعاناة المواطنين، وكأن المأساة السودانية بدأت عند الرغيف وانتهت عند سعر السلع.

نعم، الجوع مؤلم، ونقص الغذاء مأساة، وغلاء الأسعار يرهق المواطن، ولا أحد يمكنه أن يقلل من معاناة السودانيين بسبب ذلك. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا تتحول بعض الأصوات إلى حالة استنفار كاملة عندما يتعلق الأمر بالغذاء، ثم تصمت أو تتجاهل عندما يتعلق الأمر بالبندقية والقتل والتهجير وانتهاك أمن المواطنين؟

 

أين كانت هذه الحساسية تجاه معاناة السودانيين عندما كانت البنادق تصوب نحو صدورهم؟ أين كانت هذه اللغة الإنسانية عندما هُجّرت الأسر من بيوتها، وفقدت العائلات أبناءها، وتحولت المدن والقرى إلى ساحات خوف ورعب؟

 

لماذا يصبح رغيف الخبز قضية تستحق الصراخ صباح مساء، بينما تصبح البندقية التي تقتل السودانيين مجرد تفصيل يمكن تجاوزه؟

 

المشكلة ليست في الحديث عن الجوع، وإنما في الانتقائية في الحديث عن معاناة الناس.

 

فالذي يخاف على المواطن من الجوع، عليه أن يخاف عليه أيضًا من الرصاصة. والذي يتحدث عن حق السوداني في الطعام، عليه أن يتحدث بالقدر نفسه عن حقه في الحياة والأمن والبيت والوطن.

 

والحديث عن الدعم الإماراتي للدعم السريع لم يعد مجرد رواية سودانية عابرة يمكن دفنها تحت عبارة «اتهامات». وثائق وتقارير أممية تناولت الدعم الإماراتي العسكري والمادي واللوجستي للدعم السريع، ووردت فيها معلومات عن مسارات إمداد وشبكات مرتبطة بهذا الدعم. كما وثقت تقارير أممية أن الدعم الخارجي ساهم في استمرار قدرة أطراف النزاع على مواصلة الحرب.

 

وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: كيف تستطيع بعض الأصوات أن ترى أثر الحرب في أسعار الغذاء، لكنها لا تريد أن ترى اليد التي تمد الحرب بالسلاح؟

 

كيف يمكن أن تتحدث عن الجوع، ثم تتجاهل أن استمرار الحرب نفسها هو أحد أكبر أسباب النزوح وانهيار الأسواق وتعطل الزراعة وتدمير البنية التحتية؟

 

وكيف يصبح الحديث عن الرغيف شجاعة، بينما يصبح الحديث عن مصادر السلاح والتمويل والدعم الخارجي أمرًا ممنوعًا أو محرِجًا؟

 

السوداني الذي يجوع هو نفسه السوداني الذي يخاف من الرصاصة. وهو نفسه الذي هُجّر من منزله، وفقد مصدر رزقه، وتشردت أسرته، وعاش تحت تهديد السلاح.

 

لذلك لا يمكن فصل الجوع عن الحرب، ولا يمكن فصل الحرب عن السلاح، ولا يمكن الحديث عن السلاح دون مساءلة الجهات التي توفره أو تساعد في استمرار تدفقه.

 

السودانيون لا يحتاجون إلى صحافة تختار لهم أي جزء من المأساة يستحق الحزن وأي جزء يمكن تجاهله. يحتاجون إلى صحافة ترى الصورة كاملة، وتضع حياة الإنسان وأمنه وكرامته فوق الحسابات السياسية.

 

الجوع مأساة، نعم.. لكن الرصاصة التي تقتل السوداني ليست تفصيلًا.

 

ومن يريد أن يخاف على السوداني من الرغيف، فليخَف عليه أولًا من البندقية التي تحرمه من بيته وأمنه وحياته

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى