هيثم حسن السوباط يكتب : العدو الغبي منح البرهان انتصاراً من حيث أراد ابتزازه

هذا قولي
العدو الغبي والجاهل منح البرهان انتصاراً من حيث أراد ابتزازه. أراد أن يجعل من حضور الجمعية العامة للأمم المتحدة ورقة ضغط على رئيس مجلس السيادة، فإذا به يحول هذه القضية نفسها إلى معركة سياسية وسيادية تؤكد أن القرار السوداني لن يُنتزع بالمساومة أو الإملاء الخارجي.
البرهان انتصر، سواء حضر الجمعية العامة أم لم يحضر، لأنه رفض أن تكون مشاركته في نيويورك ثمناً لموقف عسكري أو السياسي. فقد رفض الرضوخ للإملاء الإماراتي الذي جاء عبر البوابة الأميركية، ومساومته بحضور الجمعية العامة مقابل وقف عمليات القوات المسلحة في كردفان والتقدم نحو دارفور، في محاولة لإنقاذ مليشيات الدعم السريع والمرتزقة من الضغوط العسكرية التي تواجهها.
وهنا يجب أن تكون الصورة واضحة: الولايات المتحدة تحجب، وفق ما أوردته رويترز اليوم، تأشيرة البرهان في ظل ربط إصدارها بموقفه من مقترح أميركي لهدنة مدتها 90 يوماً. كما أن البرهان كان مقرراً أن يخاطب الجمعية العامة يوم الخميس.
إذن، المسألة لم تعد مجرد ترتيبات بروتوكولية أو تأخير في إصدار تأشيرة، وإنما أصبحت محاولة ضغط سياسي مرتبطة مباشرة بموقف السودان من الحرب ومسار العمليات العسكرية.
لكن من الذي سيخسر إذا لم يذهب البرهان إلى نيويورك؟
هل ستتوقف القوات المسلحة؟
هل ستتراجع عن عملياتها في كردفان؟
هل ستتوقف عن التقدم لاستعادة المناطق التي تسيطر عليها مليشيات الدعم السريع؟
هل ستتراجع الدولة عن معركة استعادة سيادتها وأمن مواطنيها لأن رئيسها لم يقف على منصة الجمعية العامة؟
هذا هو السؤال الذي يبدو أن أصحاب هذه المساومة لم يفهموه.
فالبرهان لا يحتاج إلى نيويورك لكي يعرف ما الذي يريده السودانيون الذين يعيشون داخل مناطق الحرب. ولا يحتاج إلى خطاب في الأمم المتحدة لكي يعرف أن الملايين يريدون العودة إلى بيوتهم وقراهم ومدنهم، وأن الدولة مطالبة باستعادة الأمن وفرض سيادتها على أراضيها.
بل إن محاولة الضغط بهذه الطريقة قد أنتجت نتيجة عكسية تماماً؛ فقد وضعت أمام السودانيين والعالم سؤالاً أكبر: هل المطلوب وقف تقدم القوات المسلحة في اللحظة التي تتعرض فيها مليشيات الدعم السريع لضغط عسكري متزايد؟
التطورات الميدانية هي التي تفسر كثيراً من هذا الارتباك.
فالقوات المسلحة تتقدم في عدد من المحاور، فيما تدور معارك وضغوط عسكرية في كردفان، وهي منطقة ذات أهمية استراتيجية كبيرة بالنسبة لمسار الحرب. وفي هذا السياق، جاءت المعلومات المتداولة عن نقل مرتزقة ومقاتلين من جبهة النيل الأزرق إلى كردفان، في محاولة لإسناد قوات الدعم السريع ومنع انهيار مواقعها أمام تقدم القوات المسلحة.
وهذا ليس تفصيلاً هامشياً.
فحين تضطر مليشيا إلى إعادة توزيع مقاتليها بين الجبهات لإنقاذ جبهة تواجه ضغطاً متزايداً، فإن ذلك يكشف طبيعة المعركة على الأرض. وفي المقابل، فإن الحديث عن الدعم الخارجي للحرب لم يعد مجرد خطاب سوداني؛ فقد قال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إن الدول التي تغذي الحرب بالسلاح يجب أن تتحمل المسؤولية، فيما أشار تحقيق أممي حديث إلى شبكات دعم عسكرية خارجية للأطراف المتحاربة.
أما الإمارات، التي تنفي دعم قوات الدعم السريع، فهي موجودة في قلب هذا الجدل الدولي حول الحرب والدعم الخارجي لها. وبالتالي فإن ربط التحركات السياسية في نيويورك بالصراع العسكري في السودان يحتاج إلى قراءة دقيقة للوقائع، لا إلى التعامل معه باعتباره مجرد خلاف دبلوماسي عابر.
والسؤال الذي يجب أن يُطرح بصوت عالٍ هو: ما قيمة حضور الجمعية العامة أو عدمه أمام الانتصار والتحرير وطرد المرتزقة وتأمين المواطنين؟
ما قيمة الوقوف في قاعة الأمم المتحدة أمام استعادة مدينة سودانية؟
ما قيمة صورة في نيويورك أمام عودة أسرة سودانية إلى منزلها؟
ما قيمة خطاب دبلوماسي أمام فتح مدرسة وإعادة مستشفى وتشغيل سوق وعودة المزارع إلى أرضه؟
نيويورك ليست السودان.
والجمعية العامة ليست حياة السودانيين.
حياة السودانيين في مدنهم وقراهم، وأمنهم في الطرقات والأسواق، وعودتهم إلى بيوتهم، واستعادة الدولة لسيادتها، هي القضية الحقيقية.
ولهذا فإن محاولة ابتزاز البرهان عبر الجمعية العامة قد تحولت إلى مكسب سياسي له من حيث أراد خصومه أن تكون ورقة ضغط عليه.
ذهب البرهان إلى المعركة باعتباره رئيساً لدولة تخوض حرباً، وليس باعتباره طالباً لمقعد في قاعة دولية.
وسيذهب السودان إلى نهايات هذه الحرب بما يفرضه الواقع على الأرض، لا بما تفرضه المساومات في المكاتب المغلقة.
المعركة ليست معركة نيويورك.
المعركة معركة السودان.
وليست القضية أن يتحدث البرهان في الجمعية العامة، وإنما أن يعود السودان إلى أهله، وتعود الدولة إلى كل شبر من أرضها، ويعود المواطن إلى بيته آمناً عزيزاً.



