علم الدين عمر يكتب : سيدي الرئيس القراءة من ذات الكتاب لن تقود لنتائج مختلفة

حاجب الدهشة


في 2018.. وما قبلها بقليل.. كانت الأحداث تمضي بنظام الإنقاذ نحو توتر خانق.. كانت النقاشات والحوارات داخل حزب المؤتمر الوطني.. وداخل المنظومة السياسية والمجتمعية الحاكمة يومها.. على أشدها.. الجميع كان يستشعر حرج الموقف.. ويلمح مقدمات التغيير الحتمي.. ويدرك أن شيئاً ما ينبغي أن يحدث قبل أن تفرض الأحداث نفسها بصورة أكثر قسوة..

كان القرار الصعب.. وربما الحتمي.. أن يعلن الرئيس البشير فقط عدم رغبته في الترشح لانتخابات 2020.. وأن يقود ما تبقى من الفترة الإنتقالية إلى الإنتخابات من منصة قومية مجردة.. بلا رغبة معلنة في الترشح.. مجرد الإعلان كان كافياً في ذلك الوقت لإعادة ترتيب المشهد كله.. حتى القوى المناوئة كانت تطمع في هذا الإعلان.. لأنها كانت تريد نقطة ارتكاز سياسية تبني عليها حساباتها وترتيباتها.. وكانت تعلم.. في الوقت نفسه.. أن أحداً لن ينافس البشير بسهولة بميكانيكية الحزب وحواضنه السياسية والإجتماعية..

وحتى كبار قادة الحزب ورموزه التاريخية بدأوا عملياً.. وإن بدا بصورة غير معلنة.. في ترتيبات ما بعد ذلك الإعلان.. كان الباب قد فُتح.. والرسالة قد وصلت.. والمرحلة التالية يمكن أن تبدأ بهدوء.. وكان يمكن بعد ذلك.. أن يضغط الشارع.. وأن يتغير المزاج العام.. وأن يشعر الناس بتغيير حقيقي في الأداء.. فيعود الرجل إلى المشهد من باب آخر.. أو يطالب به الناس من جديد.. كانت السياسة يومها تملك مساحة للمناورة.. وكان يمكن للقرار أن يمنح النظام فرصة لإعادة ترتيب أوراقه قبل أن تتساقط الأوراق من يده..

لكن بعض المتنطعين والهتيفة كان لهم رأي آخر.. ظنوا أنهم رافعم بالزانة.. وأن التصفيق السياسي يمكن أن يصنع حصانة.. وأن الهتاف يمكن أن يهزم حركة التاريخ.. فالتفوا حوله.. وأنشأوا كياناً وهمياً باسم الهيئة الشعبية لترشيح البشير.. وزينوا للرجل الأمر.. وأقنعوه بأن بقاءه هو الحل.. وأن التراجع هو الضعف.. وأن من حوله هم أقدر الناس على قراءة الشارع..لم يكونوا يعلمون هل تُصلي (ستوت) السياسة أم تُصام.. كانوا مجرد ناشطين.. طامحين.. في مواجهة تيار قوي.. فحدث ما حدث..

هذه ليست استعادة للتاريخ من أجل جلده.. ولا محاولة لإعادة إنتاج الماضي بأشخاصه ووقائعه.. هي مجرد محاولة لالتقاط الفكرة قبل أن تضيع في التفاصيل..

فالظروف اليوم مختلفة تماماً..

الرئيس البرهان ليس البشير.. والسياق ليس سياق 2018.. والسودان الذي يقوده البرهان الآن ليس السودان الذي كان قائماً قبل الحرب.. الرجل دخل هذه الحرب في قلب العاصفة.. وبقي في موقع القيادة حين كان انهيار الدولة احتمالاً حقيقياً.. وقاد القوات المسلحة في مواجهة اعتداء استهدف الدولة ومؤسساتها وقرارها الوطني.. ولذلك فإن مكانته في وجدان السودانيين مرتبطة قبل كل شيء بالحرب.. وبموقفه منها.. وبما يرونه من صمود القوات المسلحة والقوات المشتركة والمستنفرين.. وبالمعركة المستمرة لاستعادة الأرض وإنهاء التمرد..

ولذلك المسألة أكثر حساسية..

لو كنتُ البرهان.. فلن أسمح لأحد بأن يحول انتصار الجيش في الميدان إلى معركة حول الولاء.. ولن أسمح للسياسيين الجدد.. ولا لسماسرة المواقف.. ولا لأرباب الإنتهازية.. ولا لأصحاب الياقات الملونة والإبتسامات المصطنعة.. ولا لهتيفة المنابر.. بأن يقنعوني بأن الدولة تُختصر في الإجراء الشكلي علي حساب الترتيب والتدبير والمبادأة.. أو أن يُختصر إنتصار الجيش في النظر لما بعد نهاية المعركة.. أو أن النصر الذي دفع السودانيون ثمنه بالدم يمكن أن يتحول إلى منصة لتكريس المصالح وتغليب التكتيكي علي الإستراتيجي..

إمضِ لشأنك يا سيدي الرئيس..

أكمل تحرير الأرض.. واحمِ التراب.. واكنس التمرد ومرتزقته.. وأعد للدولة كامل سيادتها وهيبتها.. واترك للشعب بعد ذلك أن يقول كلمته.. وللتاريخ أن يضع كل رجل في مكانه..

لا تدعهم يقفزون فوق المراحل ويستعجلون السياسة قبل أن تنتهي الحرب.. ولا تجعل ما بعد الحرب رهينة لما يقال اليوم في المنابر.. القائد الذي يحمل مسؤولية الحرب لا يحتاج إلى أن يثبت كل صباح أنه محبوب.. ولا يحتاج إلى جموع تهتف له.. فكل الجموع جاهزة للزحف معه..في الإدارة والقتال والتعمير والخدمات والتنمية والإستقرار.. لا تكترث لكيانات تُنشأ حول اسمك الفخيم.. المطلوب الآن هو أن ينجز المهمة التي وضعتها الحرب أمامك وأمام الشعب والدولة..

القراءة من ذات الكتاب لن تقود إلا لذات النتائج..

دع الجيش ينتصر.. ودع الدولة تستعيد مؤسساتها.. ودع الخراب يُرمم.. ودع الدولة تعيد بناء الإقتصاد..والقانون يستعيد سلطته.. والإدارة تستعيد كفاءتها.. والسياسة تعود إلى قواعدها الطبيعية.. وبعدها لكل حادث حديث..

وخلفك في معركة الدولة..كل الشعب الذي يريد وطناً آمناً مستقراً.. محصناً..

لا تأبه لمن يريدون تحويل الإنتصار إلى سوق للمواقف.. لا تستمع إلى من يبيعون التصفيق ويشترون النفوذ.. ولا تمنح الهتيفة فرصة أن يفعلوا ما فعله هتيفة الأمس بالبشير..

أخطر ما يمكن أن يحدث بعد الانتصار أن ينجح الانتهازيون في سرقة معناه..

الإنتصار الحقيقي هو أن تنتصر الدولة.. وتبقى المؤسسات.. ويُرفع علم السودان فوق الأرض المحررة.. ودولة قادرة.. وشعب يرى ثمرة الدم الذي دفعه ثمناً لهذه الحرب.. وجيش متماسك وقوي ومتقدم..

لذلك.. لو كنت البرهان لاخترت أن أخرج من الحرب أكبر من المعركة.. وأن أترك الإنجاز يتحدث عني.. ولوضعت الدولة أولاً والتاريخ قبل اللحظة.. والسودان قبل كل حساب..

إمضِ يا سيدي الرئيس.. فالطريق أمامك واضح.. تحرير الأرض أولاً.. تثبيت الدولة ثانياً.. وإعادة بناء السودان ثالثاً.. أما ما بعد ذلك.. فليقرره السودانيون يومها..

نعود

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى