هاشم ميرغني.. من الهندسة المعمارية إلى هندسة المشاعر

الخرطوم- محمد الأمين الكباشي
في النصف الثاني من أربعينيات القرن الماضي ، تهيأ العالم لإستقبال مولود جديد صار فيما بعد أحد أساطير الغناء السوداني،وكانت صرخة ميلاد ذلك البلبل الشادي،في مدينة أم درمان العريقة ، وفي حي أبو روف الذي يفوح فناً و شعراً و أدباً و علماً..حيث نشأ هاشم ميرغني في هذه التربة الفنية الخصبة و الغنية بأسمدة وكيمياء الفن السوداني الأصيل ، عجنت موهبته في فرن الإبداع. أم درمان شكلت شخصيته وجعلت من هاشم ميرغني فنان كامل الدسم يجمع ويلم كل ضروب الفن في آن واحد،وليس مجرد مغنواتي فقط ينتظر ما يجود ويتكرم به الغير، بل كان فنان و شاعراً و ملحناً ومهندساً معمارياً وفنان تشكيلي..
وفي حي أبو روف العريق ومنزله لايبعد كثيرا عن منزل الشاعر عتيق،و التحق هاشم ميرغني بمدرسة أبو قرجة الأهلية جوار منزل الراحل الزعيم الأزهري،ووقتها كان يعد ركناً رئيسياً في الجمعية الأدبية بتلك المدرسة،و آنذاك كان إكتشاف موهبته الفنية،حيث أبهر و أذهل زملائه التلاميذ و أساتذته،بأداء وتلحين الأناشيد المدرسية،الأمر الذي لفت إنتباه أساتذته لهذه الموهبة في وقت مبكر من عمره ، كأمثال الأستاذ حديد السراج و فراج الطيب الذين جعلهم ينظرون إليه بأنه تلميذ عبقري موهوب،وراهنوا بأن سيكون لديه مستقبل فني باهر و مشرق.
، سافر إلي بريطانيا في السبعينيات ليواصل دراسة هندسة العمارة وإلتحق بجامعة(ليدذ)ببريطانيا،ومن الواضح أنه كان يحب مجال تخصص دراسته كثيراً،لأنه في سنوات وجيزة إستطاع أن يحقق فيها نجاحاً كبيراً.
الغربة و مشواره الفني:
في الثمانينيات سافر إلى دولة قطر ، واستقر به المقام في العاصمة الدوحة ،إلی أن توفاه الله فيها عام 2006، و عمل مهندس معماري فيها،وأصبح يسجل ويرسل أغنياته من هناك،ويتلغفها المستمعون بشغف كبير،وذلك ناتج عن إنتقاء المفردة التي يختارها ،حيث تتميز مفردته بالبساطة مع عمق المضمون ، و تخاطب وجدان السامع دون طرق أو إستئذان.والفنان هاشم ميرغني لديه عبقرية فذة حيث لديه القدرة على إلتقاط مفردة الشارع ويستطيع تحويلها سريعاً إلی كلمات مغناة وسهلة،ولكنها عميقة الأثر في الوجدان،وروّض الكلمات بأن تصبح (بندول)يندمل بها جراح العاشقين و العزاری،ولعل ما يميزه عن قرنائه الفنانين،أن كل أغنيات هاشم ميرغني تحمل شحنة عاطفية كبيرة جداً،وبكائيات وشجن وحنين ومناجاة،ظلت تطفو على أغنياته،إضافة إلی الخيبة والإنهزام العاطفي،ظلت هذه السمات بارزة في أغنياته،حتي تولد إنطباع عام لدي غالبية المستمعين بأن هاشم ميرغني يعاني من صدمة عاطفية وخيبة كبيرة في الحب،حتي لقبه البعض ووصمه بفنان(المشوكشين)،ولكن هو في حياته علی النقيض تماماً من هذا الاتهام ، ولم يعان قط في حياته من أي قسوة أو ظلم عاطفي،بل كان من أكثر الناس لطافة ويحب المزاح واللعب مع الصغار وأبناءه،وبعد تفنيد عدم صحة تعرضه ل(الشواكيش)وإبعادها عنه ، نستطيع أن نقول أن هاشم ميرغني يعد نصيراً لكل العاشقين و المتيمين-بما فيهم المشوكشين-لأنه واساهم ووقف بجانبهم باغنياته وتقاسم معهم الدمع والحزن وكل لوعات الغرام.
هاشم لونية فريدة ومدرسة مختلفة في الغناء السوداني ، لديه عبقرية متفتقة وفذة،هو ليس مجرد مغني والسلام،بل هو فنان بكل ما تحمل الكلمة من معاني،فهو شاعر كتب الكثير من أعماله الفنية ، ثم يلحنها ويغنيها بنفسه،إضافة لمواهبه المتعددة فهو يعمل مهندساً معمارياً وفنان تشكيلي بارع،صقل موهبة فن الرسم من خلال عمله بالهندسة المعمارية ، وأغلب النقاد اجزموا بأن هاشم ميرغني لولا انشغاله بمهنة الهندسة والغناء،لكان هو الفنان التشكيلي الأول في السودان.
تعامل مع عدد من الشعراء منهم مدني النخلي،وعزمي أحمد خليل،ولكن أغنيات عزمي أحمد خليل استأثرت بنصيب الأسد من بقية الشعراء،وشكل الشاعر عزمي أحمد خليل ثنائية طاغية مع هاشم ميرغني،عزمي تغني له عدد من الفنانين،لكن لم يجود عليهم بالاغنيات كما جاد لهاشم ميرغني،وهذا ما يفسر أن هنالك قاسم مشترك بين إحساس الرجلين،وأنهم يعانون من نفس الوهج العاطفي.
هاشم ميرغني لديه من الأعمال الغنائية ما يقارب ثلاثمائة أغنية،معظمها من كلماته و ألحانه هو،وهذه خاصية وظاهرة إبداعية فنية لا تتكرر أبدا عبر الزمان.
تغني بالاوركسترا،ألا أنه كان ميالا على العزف بالعود وترديد أغنياته بهذه الآلة التي كان يحبها كثيراً،وكانت أغنياته تسجل من الدوحة لمعجبيه في السودان وبقية أقطار العالم ، وثق له عبد المنعم الجزلي جزء كبير من أغنياته عبر تسجيلات مصورة.
من أشهر أغنياته:غيب وتعال،وضل ضفايرك،عشان أهلك،حان الزفاف،مات الهنا،السهد الأليم ، أسبوع تمام،ما مشتاقة ليا،ساعدني،الحي بلاقي،يا زولي،والكثير من الدر و اللآلئ والدر والثمين بما جادت به قريحته.
هاشم ميرغني بالرغم من إغترابه عن أرض الوطن طويلا،إلا أنه نجد الوطن ساكن بداخله يعشق كل تفاصيله وكل ما في الوطن من إنسان وجماد وتراب والنيل والنخيل والساقية التي تدور وتسقي العاشقين..كل هذه الأشياء نجدها حاضرة في ذهن هاشم ميرغني وظل يصدح بهذه التفاصيل ومعاتباً نفسه للوطن عن غيابه ومتوسلاً إليه بأن يعذره عن الغياب ويقول في احدي أغنياته مخاطباً ومرسل هيامه وغرامه له:
مهما بعدتني الظروف
يا بلدي بخاف عليكي
أنشد الدعوات أغاني
الغدر الشالني منك يجيبني ليكي
شوقي الساقية الحنينة
وشوقي للصوت الحنين
وشوقي للنيل البيجري
راوينا علی مر السنين
شوقي للناس البعانقوا
بطيبة كل العائدين
شوقي للنيل الحنين
والبطرب قمريهو كل العاشقين
هذه الأغنية التي بث شوقه للوطن فيها،وجسد فيها كل التفاصيل،كفيلة بأن تجعل كل مغترب يذرف الدمع مدرارا عندما تلامس أذنه سماع هذه الأغنية التي تتقطر حنيةً وحباً في الوطن.
قالوا عن هاشم ميرغني:
إبنه صداح الذي دخل مجال الغناء ، ولكنه تواري عن الأنظار ، ربما بسبب الغربة،قال صداح في لقاء تلفزيوني قبل سنوات: أنا كأبنه وكفنان لا أعتقد أنني قادر على أداء وتوصيل أغنياته بالطريقة التي يوديها ؛فهو أسطورة،ولكن واجبنا أن نحافظ على أغنياته ، ونضمن إستمرارية وصولها إلى الأجيال القادمة..ما يعني أن هاشم ميرغني خامة صوتية يصعب تقليدها لأنه ببساطة هو يعيش إحساس الأغنية حينما يوديها..وبدون شك لقد وصلت إلی الجيل الذي يقصده إبنه وضاح،فما زال الشباب اليوم يترنم باغنيات هاشم ميرغني التي أصبحت خالدة،حيث نجدها في كل مكان..في الشوارع وعلي ظهر السيارات وعربات الكارو والركشات و(حالات)مواقع التواصل الإجتماعي وغيرها.
الشاعر مدني النخلي في لقاء تلفزيوني قبل سنوات قائلا عنه أيضا:هاشم فنان موسوعة،موسيقى،وغنائي،و شاعر،ومثقف جدا،ولديه ذكاء غير عادي في مجال الغناء ، وفي لحظة واحدة يمسك بالعود ثم يرتجل اللحن والكلام والأداء في آن واحد ، وهذه خاصية أجزم عليها أنا شخصيا،ولا ينتظر أن يوضع له ورقة أمامه كما يفعل الفنانين.
وأضاف النخلي:هاشم ميرغني لا يتكلف الغناء ولكن كان يختار أغنياته التي يجد تفاصيل إحساسه فيها،وهو إنسان مرهف،الإحساس عنده عالي جدا ليس في الغناء وحده،بل الإحساس في أي حدث تجده يتفاعل معه بعمق شديد.
الإعلامي الشفيع عبد العزيز في إفادة تلفزيونية عن هاشم ميرغني قبل سنوات قائلا:هاشم ميرغني واحد من اساطين العاطفة في الغناء السوداني،وهذا مدخل يحتاج إلى تدقيق أكثر في مجال تداخل الغناء السوداني ، وهاشم عبر مباشرة عن وجدان العاطفة السودانية من خلال مفردات انتقاءها هو إنتقاءاً غير عادياً،تعامل مع عدد من الشعراء استطاعوا يواكبوا المعاني ، مثل عزمي أحمد خليل وآخرين،وهم يعانون من نفس الوهج العاطفي الكبير هذا.




