هيثم حسن السوباط يكتب : مفضل.. قيادة تعمل في صمت وتضبط إيقاع جهاز المخابرات

هذا قولي..
الفريق أول أحمد إبراهيم مفضل ليس من الرجال الذين يحبون الإعلام، ولا يبدو أنه من الذين يبحثون عن الأضواء أو يستقطبون الأقلام للحديث عن إنجازاتهم.
الرجل يعمل بعيدًا عن الضجيج، ولا يجعل من الإعلام منصة يومية لعرض ما يقوم به جهاز المخابرات العامة، وهو ما جعل كثيرًا من أعمال المؤسسة خلال المرحلة الماضية تجري بعيدًا عن الاهتمام الإعلامي.
وهذا أمر مفهوم إلى حد كبير في طبيعة العمل الاستخباراتي؛ فجزء كبير منه لا يمكن الإعلان عنه، وبعض العمليات والمهام لا يعرف الجمهور تفاصيلها، لأن السرية تمثل جزءًا أساسيًا من حماية المصادر وأساليب العمل والأمن القومي.
ومن هنا، فإن تقييم تجربة الفريق مفضل لا ينبغي أن يعتمد على عدد ظهوره في الإعلام، وإنما على قدرة المؤسسة التي يقودها على أداء مهامها في واحدة من أصعب المراحل التي مر بها السودان.
في تقديري، يُعدّ الفريق أول أحمد إبراهيم مفضل من القيادات التي استطاعت أن تفرض حضورها داخل جهاز المخابرات السودانية في مرحلة استثنائية، ليس لأن الظروف التي تولى فيها قيادة الجهاز كانت عادية، وإنما لأنها وضعته أمام متغيرات وتحديات لم تواجهها إدارات سابقة بالدرجة نفسها.
فقد جاءت الحرب لتفرض على جهاز المخابرات العامة أدوارًا واسعة، تجاوزت المهام التقليدية لجمع المعلومات وتحليلها، وأدخلته في معترك معقد تتداخل فيه المسؤوليات العسكرية والأمنية والاقتصادية والمجتمعية.
ومن المعروف أن أجهزة المخابرات تقوم أساسًا بجمع المعلومات من مصادر مختلفة، وتحليلها، وتقديم التقديرات التي تساعد صانع القرار على اتخاذ القرارات المناسبة لحماية الأمن القومي.
لكن ظروف الحرب فرضت على الجهاز مسؤوليات أكبر؛ فلم يعد الأمر متعلقًا بجمع المعلومات ورفع التقارير فقط، وإنما أصبح الجهاز جزءًا من منظومة أوسع لمواجهة التهديدات التي تستهدف الدولة ومؤسساتها وأمن مواطنيها.
جهاز المخابرات العامة من المؤسسات الأساسية داخل الدولة، خصوصًا فيما يتعلق بالأمن الداخلي، وجمع المعلومات وتحليلها، ومتابعة مصادر التهديد، والتنسيق مع المؤسسات المختصة في الملفات التي تمس الأمن الوطني.
وفي تقديري، استطاع الجهاز خلال هذه المرحلة أن يستعيد قدرًا واضحًا من الفاعلية والحضور، وأن يتعامل مع ملفات متعددة في وقت واحد.
وهذه ليست مسألة بسيطة إذا وضعناها في سياق السنوات التي سبقت هذه المرحلة، والتي شهدت تغيرات وتناوبًا وتباينات داخل المؤسسة، انعكست بدرجات مختلفة على أدائها.
وأعتقد أن أحد أبرز ما يُحسب للفريق اول مفضل أنه استطاع إعادة ترتيب الإيقاع الداخلي للجهاز، وتعزيز حضوره في الملفات الأمنية المختلفة، والدفع بالمؤسسة نحو أداء أكثر فاعلية وتنظيمًا.
الدور في المعارك وإفشال المخططات
من أبرز الجوانب التي تستحق الإشارة إليها الدور الذي يؤديه الجهاز في المعركة، والإسهام في إفشال عدد من المخططات التي استهدفت الدولة وأمن السودان.
فالحرب لا تُدار بالمواجهة الميدانية وحدها.
المعلومة جزء من المعركة، ومعرفة تحركات الخصم، ورصد مصادر التهديد، وتحليل المخططات، وتوفير المعلومات التي تساعد صانع القرار، كلها عناصر أساسية في إدارة الحرب.
وهنا يظهر الدور الذي يقوم به جهاز المخابرات العامة ضمن منظومة الأمن الوطني.
ومتى أثبتت الوقائع والنتائج الموثقة أن معلومات الجهاز أسهمت في إحباط مخططات أو منع تهديدات أو حماية القوات والمؤسسات، فإن ذلك يمثل إنجازًا أمنيًا مهمًا يستحق التقدير والتوثيق.
جنود مجهولون في أنحاء العالم
خلف أي مدير لجهاز مخابرات توجد منظومة كاملة من الضباط والجنود والعاملين في مختلف المواقع.
هناك من يعمل في جمع المعلومات، ومن يحللها، ومن يتابع الملفات، ومن يعمل في الميدان، ومن يؤدي مهامه خارج البلاد، وهناك آخرون لا يعرف الجمهور أسماءهم ولا طبيعة مسؤولياتهم.
وهؤلاء يمثلون القوة البشرية التي يقوم عليها الجهاز.
ولا يمكن اختزال أي نجاح مؤسسي في شخص المدير وحده، كما لا يمكن تجاهل دور القيادة في تحديد الاتجاه وترتيب الأولويات والمحافظة على تماسك المؤسسة.
ومن الملفات التي تستحق الإشارة ما يُنسب إلى الجهاز من نجاح في مكافحة المخدرات العابرة للحدود ومواجهة الشبكات التي تستهدف المجتمع والشباب، إلى جانب ما يُنسب إليه من جهود في مواجهة أنشطة المضاربة غير المشروعة في العملة.
وهذه الملفات تمس الأمن الاجتماعي والاقتصادي في آن واحد، وتحتاج إلى معلومات دقيقة ومتابعة مستمرة وتنسيق بين المؤسسات الأمنية والاقتصادية والعدلية.
ومتى ثبتت هذه النتائج بالوقائع والتوثيق، فإنها تمثل جزءًا مهمًا من الدور الذي يمكن أن يؤديه جهاز المخابرات في حماية الدولة والمجتمع
في مرحلة مثل المرحلة السودانية الحالية، حيث تتعدد التهديدات وتتداخل الملفات العسكرية والأمنية والاقتصادية، فإن المحافظة على فاعلية المؤسسة واستمرارية عملها تمثل تحديًا كبيرًا.
وأحسب أن الفريق أول مفضل استطاع خلال هذه الفترة أن يجعل جهاز المخابرات أكثر حضورًا وفاعلية في عدد من الملفات، وأن يدفعه نحو العمل المؤسسي المنظم، مع المحافظة على قدر من الهدوء في إدارة المؤسسة.
وإذا استمر الجهاز في تطوير قدراته وأساليب عمله بالوتيرة نفسها، فإن تجربته الحالية ستكون جديرة بالدراسة ضمن تاريخ المخابرات السودانية، خصوصًا بالنظر إلى طبيعة الظروف التي جاءت فيها.
في المحصلة، أرى أن تجربة الفريق أول أحمد إبراهيم مفضل تستحق التوقف عندها، ليس بسبب ظهوره الإعلامي، وإنما بسبب طبيعة المرحلة التي قاد فيها الجهاز وما فرضته من مسؤوليات استثنائية.
والإشادة هنا لا تعني أن كل ما يقوم به الجهاز يجب أن يُقبل بلا تقييم أو توثيق، وإنما تعني الاعتراف بأهمية المؤسسة وبالأدوار التي تؤديها، خصوصًا عندما تثبت النتائج والوقائع نجاحها في حماية الأمن الوطني وإفشال التهديدات.
أما الفريق أول مفضل، فقد اختار أن يجعل عمل المؤسسة هو الواجهة الأساسية، وأن يترك النتائج تتحدث عنه وعن رجاله.
وهذه، في النهاية، هي الطريقة التي ينبغي أن يُقاس بها العمل الاستخباراتي: بما يتحقق على الأرض، لا بحجم الضجيج حوله.
تحية للفريق أول مفضل، ولأركان حربه، ولكل العاملين في جهاز المخابرات العامة الذين يؤدون واجباتهم في هذه المرحلة الصعبة.



