منى ابوزيد تكتب : في بورصة العلاقات..!

هناك فرق


“بعض الرجال يدخلون حياة النساء كدورة تدريبية مكثفة في الصبر، ويخرجون منها مادةً خام لمحاضرات اللايف كوتشز”.. الكاتبة..!

 

في زمان التنمية البشرية العاطفية، أصبحت المرأة تُستدعى دوماً إلى قاعة التدريب. ملايين الفيديوهات والدورات والكتب تحث النساء على أن يصبحن نسخة مطوّرة من أنفسهن، كي يجذبن الرجل الذي لا يزال يُطوّر نفسه على راحته، منذ بدء الخليقة وحتى إشعار آخر..!

 

خبراء العلاقات يتحدثون عن طاقة الأنوثة وكأنها تطبيق يمكن تحميله من الإنترنت، أو تكنيك يتم تفعيله بالنظر، والتنفس، والسكوت في التوقيت المناسب. ويشرحون لكِ أن كل ما ينقصك هو إعادة برمجة هويتك العاطفية، وتغيير توقيعك الطاقي، وشراء شمعة معطرة وترديد بعض التوكيدات العاطفية، لكي يقرر حبيبك أخيراً أن يتصرف كرجل..!

 

الغريب أن معظم هؤلاء المستشارين لا يتفقون على شيء سوى أن العطب فيكِ، وأن المشكلة دوماً في مرآتك النفسية، لا في بطارية المسؤولية الفارغة لدى بعض الرجال. وكأنهم يُطالبونكِ بأن تزرعي شجرة تين في قلب صحراء قاحلة، ثم يلومونك على غياب الثمار..!

 

في المشهد العاطفي الحالي، تحولت الرجولة من قيمة إلى مِنتَج نخبوي، نسخة السنة من الرجل المثالي تأتي مع ضمان محدود، واشتراك سنوي في صمت المشاعر، وعبارات مثل “أنا آسف لكنني حالياً مكسور داخلياً”، و”أراك مناسبة لكن الوقت حالياً غير مناسب”. ثم يُطالبك – بلطف مفرط – أن تبقي في الانتظار، معلقة على مشجب الحيرة. يتنصل منك لأنك تستحقين الأفضل، لكن هذا الأفضل إن جاء فلن يرضى هو. وقد “يلطعك” بجواره لسنوات ثم بعتذر عن الالتزام لأنه مشغول حالياً بتجاوز علاقة سابقة. للعام المائة على التوالي..!

 

أما عن النسخة الجاهزة فهي غالباً رجل مر بكل صنوف النساء، وتحول بفضلهن إلى إنسان ناضج، لكنه حين يصبح جاهزاً، يبحث عن فتاة جديدة لم تسهم في بناء هذا النضج، كي لا تذكره بركام الخيبات وأطنان بالفوضى التي اجتازها سالماً..!

 

وفي خضم هذه العشوائية العاطفية المُعلبة، تكتشف النساء أن “الرجولة الحقة ليست فقط نادرة، بل إنها إذا ظهرت تكون أحياناً مشوهة بالسيطرة، أو البُخل، أو الفُتات العاطفي المُدسوس في علب وردية على طريقة “هكذا أنا، خذيني كما أنا”..!

 

والسؤال هنا ليس” أين ذهب الرجال الرجال؟ بل “لماذا لا يعودون من كهوفهم التي يدخلونها للتفكير، وهم محملون بشيء مما يطلبونه من النساء” ..!

 

قد لا تكون الرجولة بصورتها التاريخية المعتدلة قد انقرضت فعلاً، لكنها بالتأكيد غادرت السوق التقليدية، ودخلت بورصة التداول العاطفي، حيث يُباع الوهم بسعر مرتفع، وتُشترى النصائح بجوع أنثوي لا يرتوي..!

 

إن كان ما يزال يِطلب من المرأة كل مرة أن تجذب الرجل الذي تستحقه، لفربما آن الأوان أن يُطلب من الرجل أن يصبح النسخة التي تستحق أن تُجذَب!.

 

munaabuzaid2@gmail.com

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى