علم الدين عمر يكتب : سفارة القاهرة.. ما وراء الكلمات!!

حاجب الدهشة


تختلط المفاهيم على الناس أحياناً في أمر البعثات الخارجية والتمثيل الدبلوماسي.. فيختزل البعض السفارة في شخص السفير..وكأن مغادرته تعني انتهاء مرحلة وبدء أخرى من الصفر..الحقيقة أن السفارة أكبر من شخصية السفير والبعثة أوسع من موقعه الإداري والتنسيقي..التمثيل الدبلوماسي في جوهره عمل مؤسسي تتداخل فيه مسارات وأجسام مهنية متعددة..وإن ظل السفير رأسها السياسي والبروتوكولي والمسؤول عن تنسيق إيقاعها العام..

بالأمس وضع السفير الفريق أول ركن مهندس عماد الدين مصطفى عدوي النقطة الأخيرة في سطر تكليفه سفيراً لجمهورية السودان لدى جمهورية مصر العربية ومندوباً دائماً لدى جامعة الدول العربية..بعد نيف وثلاث سنوات عامرة بالعطاء والعمل والتنسيق والتقاطعات والتفاصيل..في واحدة من أكثر المحطات الدبلوماسية حساسية وتعقيداً..

لكن مغادرة عدوي لا تعني أن البعثة ستبدأ من جديد.. كما أن نجاحها خلال السنوات الماضية لا يمكن اختزاله في شخصه منفرداً..

فالبعثة الدبلوماسية تجمع أجساماً مهنية تعمل في مسارات مختلفة.. هناك العمل الدبلوماسي والتنسيق القنصلي والملحقيات والمستشاريات التي تدير ملفات العلاقة مع الدولة المضيفة.. وهناك الجانب المالي والإداري الذي تمثله وزارة المالية وديوان شؤون الخدمة وأجهزة المراجعة.. والجانب الثقافي والأكاديمي عبر الوزارات المختصة.. والمسار الفني.. وأعمال السجل المدني والترتيبات المدنية التي تضطلع بها وزارة الداخلية والشرطة.. إلى جانب الملحقية العسكرية التي يديرها الجيش ووزارة الدفاع.. وغيرها من المسارات التي تتكامل جميعها لتكوين البعثة الدبلوماسية..

السفير يشرف على هذه المنظومة.. ويوحد إيقاعها.. ويمثل الدولة سياسياً وبروتوكولياً.. لكن نجاح أو فشل عمل البعثة في النهاية أمر جماعي..حتي مع أهمية القدرات الشخصية والحضور والتميز..

كانت فترة السفير عدوي ضاجة بالتفاصيل.. مليئة بالتقاطعات والعمل والإتصالات والإختراقات.. ما عليه وفريقه ظروفاً إستثنائية لم تكن البعثة قد اعتادت عليها.. فقد تحولت القاهرة..بحكم الحرب وتداعياتها لواحدة من أهم ساحات العمل السوداني الخارجي.. بما حملته من ملفات سياسية ودبلوماسية وقنصلية وإنسانية وإعلامية واجتماعية وثقافية.. وضغط متواصل على البعثة وأطقمها..

ومن الإنصاف له ولهم ألا تُقرأ تجربة عدوي باعتبارها تجربة الرجل الواحد.. هي تجربة بعثة كاملة عملت في ظرف استثنائي.. وكان السفير رأسها وقائد إيقاعها.. وخلفه منظومة من الدبلوماسيين والموظفين والملحقيات والمستشارين والعاملين..

ربما لهذا السبب تحديداً رأت القيادة أن المرحلة القادمة تتطلب إيقاعاً مختلفاً.. تأسيساً على رؤية عدوي نفسه لطبيعة المرحلة وما تحتاجه من ترتيب للأولويات وإعادة ضبط للإيقاع المؤسسي..

وقد طُرحت عدة أسماء لقيادة البعثة المهمة في مصر.. وحتى الآن لم يتم اعتماد سفير جديد.. لكن الطبيعي أن البعثة لا تنتظر سفيراً جديداً لتستأنف عملها الذي لم يتوقف أصلاً.. فالخبرة موجودة.. والملفات علي طاولات السفارة منسقة.. متسقة.. منظمة.. والداخل يعرف بعضه بعضاً..إذ هناك دبلوماسيون كبار يملكون العلم والخبرة والإلمام بأسرار وموجهات العمل الدبلوماسي مستمرون في أداء أعمالهم..

وفي مقدمة هؤلاء رئيس البعثة بالإنابة السفير الفخيم عمر الفاروق سيد كامل.. أحد أميز سفراء الخارجية السودانية الحاليين.. جهير السيرة والمسيرة.. صاحب خبرة واسعة وقدرة على إدارة البعثة بالحنكة اللازمة والتقدير السليم.. ويمكن.. إذا اتجه القرار إلى ذلك..ترفيعه مباشرة لتولي السفارة ومندوبية السودان لدى جامعة الدول العربية..

كما أن نائب رئيس البعثة السفير قذافي رجل مميز وخبير..ويمكن لهما مع الفريق الدبلوماسي والإداري المتجانس الذي تشكل خلال فترة عدوي أن يقودوا البعثة بكفاءة واقتدار إلى حين إكتمال ترتيبات المرحلة الجديدة.. الأمر لا يتعلق بالأسماء وحدها.. الأمر يتعلق بفكرة أكبر.. هل نبدأ كل مرة من الصفر أم نبني على ما راكمته المؤسسة؟

الدبلوماسية عبارة عن تراكم.. وخبرة.. والملفات لا تنتظر.. والعلاقات السودانية المصرية هي ملف دولة بامتياز ولا يمكن ريطه بالإفتتاحيات الجديدة.. هناك ذاكرة مؤسسية واتصالات ومعرفة بالتفاصيل وفهم لطبيعة الدولة المضيفة.. تشكل رأس مال حقيقي لا ينبغي التفريط فيه..

عدوي أنهى تكليفه.. نعم، لكنه لم يأخذ معه البعثة..

والسفارة التي عمل على إدارتها أكثر من ثلاث سنوات ليست مكتباً يغلق بخروجه هي مؤسسة دولة تستمر وتحتفظ بذاكرتها وتواصل أداء واجبها حتى يصل السفير الجديد..أو تواصل البعثة عملها عبر قادتها الحاليين..

لابد من ضمان إستمرار البعثة في العمل بكامل قوتها.. وأن يتحول الإنتقال من تبديل أشخاص إلى تطوير أداء..

فمصر ليست محطة عادية في خريطة السودان الدبلوماسية والمجتمعية والأمنية والسياسية.. تاريخاً ومستقبلاً.. البعثة تضم واحدة من أهم أدوات الدولة في إدارة علاقة شديدة الخصوصية والحساسية والتداخل..

عدوي وضع النقطة الأخيرة في سطر تكليفه.. لكن كتاب الدبلوماسية السودانية لازال مفتوحاً..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى