علم الدين عمر يكتب: موازنة 2027.. هل دخلت الدولة عامها الجديد بلا بوصلة؟

حاجب الدهشة

مثل شملة كنيزة -هي رباعية وقدها خماسي..أخطر ما يمكن أن تواجهه الدولة ليس شح الموارد ولا انهيار العملة..ولا اتساع رقعة الإحتياجات -هذه كلها إفرازات الحرب..الأخطر أن تصل لمشارف عام مالي جديد دون أن يعرف الناس كيف ستدير ما تبقى من مواردها..وبأي أولويات ستواجه استحقاقات العام المقبل..ونحن على مداخل نوفمبر..لا تكمن مخاوفنا في غياب بشريات موازنة السودان للعام 2027 فحسب..هي تتجاوز ذلك لحالة الصمت الذي يحيط بواحد من أخطر الملفات التي يتوقف عليها مصير الإقتصاد ومعاش الناس وقدرة الدولة على استعادة عافيتها..
كانت هوامش طاولات الموازنة تتحرك منذ أغسطس..منتصف الخريف..لتكتمل قبل نهاية العام..ويغلق الأفندية ملفاتهم-ويصرفوا حوافزهم..وينصرفوا لعامهم الجديد..راشدين.. وتبدأ عمليات الإنفاذ مع مطلع يناير..اليوم.. اقترب موعد التنفيذ..ولا تزال الأسئلة أوسع من الإجابات..أين موجهات الموازنة؟ ما هي تقديرات الإيرادات؟ كيف ستُغطى الالتزامات؟ ما نصيب التنمية وإعادة الإعمار في حسابات وزارة المالية؟ وهل تعمل الوزارة وفق خطة تستوعب تعقيدات الواقع..أم أن الأفندية ينتظرون اللحظة الأخيرة ليلملموا الأرقام ويرقعوا الثقوب ويخرجوا موازنة تصلح لعبور الإجراءات..وليس لإدارة الدولة؟..
ليس من الإنصاف الجزم بأن العمل داخل الوزارة متوقف لمجرد غياب الإعلان..ربما..لكن من حق الرأي العام أن يسأل..ومن واجب الدولة أن توضح..
الموازنة ليست شأناً محاسبياً مغلقاً داخل المكاتب..هي في حدها الأدني عقد اقتصادي وسياسي يحدد اتجاه الدولة.. ويكشف أولوياتها.. ويضع حدوداً لما تستطيع إنجازه وما تعجز عن تمويله..
وتأتي هذه الأسئلة في ظل اختلالات عميقة..تراجع قيمة الجنيه..واضطراب الميزان التجاري.. وشح النقد الأجنبي.. وتراجع الإنتاج..وتنامي الإنفاق الحكومي.. وانحسار برامج التنمية..إلى جانب فاتورة الحرب واستحقاقات إعادة الإعمار وعودة المواطنين..إنها معادلة شديدة التعقيد..موارد محدودة..والتزامات متزايدة..واقتصاد يحتاج إلى الإنتاج.. ودولة لا تزال مطالبة بتمويل الأمن والخدمات وإعادة بناء ما دمرته الحرب..
في مثل هذه الظروف..لا تصلح الموازنة أن تكون كشفاً حسابياً لإيرادات متوقعة ومصروفات مرصودة.. ولا يجوز أن تتحول تقديراتها إلى أمنيات لا تسندها أرقام واقعية..كيف تُقدّر الإيرادات دون حصر فعلي لمصادرها؟ وكيف يُضبط الإنفاق دون مراجعة بنوده وأولوياته؟ وكيف يُستهدف استقرار العملة بينما تتراجع الصادرات وتتسرب عائدات الموارد وتتسع الحاجة إلى الإستيراد؟!!
لقد رفعت موجهات موازنة 2026 شعارات الإعتماد على الموارد الذاتية.. وتأهيل البنية التحتية.. ودعم القطاعات الإنتاجية..وترتيب الإنفاق..لكن السؤال الذي ينبغي أن يسبق إعداد الموازنة الجديدة هو..ماذا تحقق من تلك الأهداف.. وأين تعثرت..ولماذا؟ الدولة إن لم تراجع نتائج خططها السابقة تخاطر بأن تنقل إخفاقاتها إلى العام التالي..ثم تعيد تقديمها في صورة وعود جديدة..
المطلوب في موازنة 2027 ليس مزيداً من الجبايات التي تثقل كاهل المواطن..فقد أنثني هذا الكاهل وألتوي وتقطعت منه الحبال والحيل..ولا أرقاماً متفائلة تُخفي العجز..وتظهر (الأمل)..إنما مراجعة صارمة للإنفاق الحكومي.. وإحكام ولاية المالية على الإيرادات.. ومكافحة التسرب والتهريب..وتوجيه الموارد نحو الزراعة والصناعة والصادرات..مع تحديد مشروعات إعادة الإعمار ومراحلها ومصادر تمويلها..والأهم أن تتكامل السياسة المالية والنقدية ضمن برنامج واضح..بدل أن تعمل كل منهما في اتجاه بينما يدفع المواطن كلفة التناقض..
الموازنة ليست ورقة تُنقذها مراجعة من المستوى الأعلى كما فعل رئيس مجلس السيادة مع قرارات رئيس الوزراء بشأن حظر إستيراد السلع.. إنها امتحان لقدرة الدولة على التفكير قبل أن تضطر إلى رد الفعل.. وإذا كانت القرارات الإقتصادية تحتاج باستمرار إلى تصحيح بعد صدورها..فإن غياب التخطيط المعلن يجعل السؤال أكبر من موازنة تأخرت.. هل تدير الدولة أزمتها وفق رؤية.. أم تديرها الأزمة من يوم إلى آخر؟
يناير لا ينتظر أحداً.. والإقتصاد لا يمنح المتأخرين مهلة مجانية..فهل يخرج الأفندية من دفاتر التقديرات إلى واقع الأرقام والالتزامات.. أم نستقبل العام الجديد بموازنة تُفصّل على مقاس العجز..وتترك للمواطن مهمة دفع الفاتورة؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى