الجامعة.. ساعة الحقيقة

هوامش السيادة/ بقلم/ ابوذر عوض الكريم احمد

□ لا تُقاس الزيارات السياسية بما تحمله من عبارات، بل بما تتركه خلفها من مواقف ونتائج. والخرطوم، التي تستقبل الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل فهمي، لا ينقصها بيان جديد يؤكد الوقوف إلى جانب السودان، بقدر ما تحتاج إلى إجابة واضحة عن سؤال ظل أكبر من كل المجاملات: أين يقف العرب من دعم دويلة الإمارات لمليشيا آل دقلو، وماذا سيفعلون لوقفه؟

□ دويلة الإمارات تدعم مليشيا آل دقلو بالسلاح والإمداد والتمويل، وقد كشفت تحقيقات وتقارير دولية عن مسارات للدعم العسكري واللوجستي المرتبط بها. ولم يعد مقبولًا أن يُترك هذا الملف على هامش التحركات الدبلوماسية، فيما يدفع السودانيون ثمن حرب تطول، وتتسع معها دائرة المعاناة، وتتضاعف الأعباء على الدولة والمجتمع. فالدعم الإماراتي للمليشيا ليس تفصيلًا يمكن تجاوزه في أي حديث جاد عن السلام، بل قضية في صميم استمرار الحرب، تستوجب موقفًا واضحًا ومطالبة صريحة بوقفه.

□ إن السلاح الذي يصل إلى المليشيا لا يبقى رقمًا في تقرير أو شحنةً عابرة في طريق طويل؛ إنما يتحول إلى قدرة على مواصلة القتال، وتعقيد فرص السلام، وإطالة معاناة ملايين السودانيين. وفي ظل ما ارتكبته المليشيا من انتهاكات وجرائم بحق المدنيين، فإن استمرار دعمها يطرح مسؤولية سياسية وأخلاقية لا يجوز التهرب منها. ولا يمكن مطالبة السودانيين بانتظار السلام بينما تتواصل الإمدادات التي تمنح المليشيا أسباب الاستمرار في الحرب.

□ ولأبوظبي أن تدافع عن مواقفها كما تشاء، لكن السودان ليس مطالبًا بتجاهل ما يجري على أرضه، ولا بإخفاء أثر التدخلات الخارجية على أمنه ومستقبل شعبه. فالعلاقات بين الدول لا ينبغي أن تكون غطاءً للتدخل في شؤون دولة أخرى، ولا أن تتحول المصالح الإقليمية إلى مبرر لتغذية حرب يدفع المواطن السوداني ثمنها من أمنه وبيته ومصدر رزقه. إن المطلوب واضح: وقف الدعم الإماراتي للمليشيا، وإغلاق مسارات الإمداد العسكري واللوجستي، ومساءلة المتورطين وفق الآليات القانونية المختصة.

□ لكن السؤال الأهم ليس ما الذي تفعله الإمارات وحدها، وإنما ما الذي ستفعله الجامعة العربية إزاء ذلك؟ فالأمين العام الذي يصل إلى الخرطوم يمثل مؤسسة تجمع الدول العربية، وتفترض طبيعة مسؤوليتها أن تكون حاضرة حين تتعرض دولة عضو لمخاطر تمس وحدتها ومؤسساتها ومستقبلها. فهل سيكتفي نبيل فهمي بالاستماع إلى الموقف السوداني وإصدار تصريحات مألوفة، أم سيحمل القضية إلى مؤسسات الجامعة، ويدفع نحو موقف عربي صريح يطالب دويلة الإمارات بوقف دعمها للمليشيا، ويضع حدًا لمسارات الإمداد التي تغذي الحرب؟

□ هنا ينبغي ألا تختبئ الجامعة خلف عموميات من نوع الدعوة إلى ضبط النفس والحوار وإنهاء القتال. فهذه عناوين يعرفها الجميع، لكن قيمتها تتراجع حين لا تصاحبها خطوات تواجه الأسباب التي تجعل الحرب مستمرة. ولا يستقيم أن تتحدث الجامعة عن وحدة السودان، ثم تتعامل ببرود مع الدعم الخارجي الذي يسهم في إضعاف الدولة وتمكين المليشيا. كما لا يكفي أن تؤكد دعم المؤسسات الوطنية في البيانات، إذا لم يتحول ذلك إلى موقف سياسي واضح يواجه التدخلات التي تهدد استقرار السودان.

□ إن المطلوب من الجامعة ليس إعلان خصومة مع دولة عربية، وإنما اتخاذ موقف مسؤول لا يجعل العلاقات الثنائية غطاءً لتجاوز ما يتعرض له السودان. فالعلاقات بين الدول لا تمنح أحدًا حصانة من المساءلة السياسية، والانتماء إلى محيط عربي مشترك ينبغي أن يكون عامل حماية وتعاون، لا سببًا لتأجيل الأسئلة الصعبة. وإذا كانت الجامعة جادة في مساعيها لإنهاء الحرب، فعليها أن تجعل وقف الدعم الخارجي للمليشيا جزءًا أصيلًا من تحركها، وأن تطالب بإجراءات عملية تمنع استمرار تدفق السلاح والعتاد، وتدعم الدولة السودانية في استعادة الأمن والاستقرار وبسط سلطتها على كامل أراضيها.

□ وعلى الخرطوم، من جانبها، أن تخرج من هذه الزيارة بمطالب محددة ومعلنة، لا أن تترك نتائجها رهينة العبارات الدبلوماسية. المطلوب معرفة ما الذي ستتبناه الجامعة، وما الخطوات التي ستتخذها، وكيف ستتعامل مع الدعم الإماراتي للمليشيا، وما الذي يمكن أن تقدمه للدولة السودانية في الملفات السياسية والإنسانية وإعادة الإعمار. فالمواطن الذي أنهكته الحرب لا تعنيه كثرة اللقاءات بقدر ما تعنيه نتائج تمس حياته، وتعيد إليه الأمان، وتمنح بلاده فرصة حقيقية لاستعادة الاستقرار.

□ وليس خافيًا أن استمرار الحرب يهدد مصالح المنطقة بأسرها، ويضع أمن البحر الأحمر والتجارة والاستقرار الإقليمي أمام تحديات لا يمكن تجاهلها. ومن ثمّ، فإن مساندة السودان ليست منّةً تُقدَّم له، بل موقف تمليه المصالح المشتركة، وتفرضه مسؤولية منع انهيار دولة ذات ثقل جغرافي واستراتيجي كبير. وأي مقاربة عربية تتجاوز هذه الحقيقة ستظل قاصرة عن فهم حجم الأزمة، مهما تعددت مبادراتها واجتماعاتها.

لهوامش السيادة كلمة

□ أمام نبيل فهمي فرصة ليجعل زيارته إلى الخرطوم بداية موقف عربي مختلف، لا حلقة أخرى في سلسلة الزيارات التي تنتهي بانتهاء مراسم الاستقبال. فالسودان يريد موقفًا واضحًا من دعم دويلة الإمارات لمليشيا آل دقلو، وتحركًا جادًا لوقفه، وإرادةً عربية لا تتردد في الدفاع عن الدولة السودانية ومؤسساتها. أما الاكتفاء بالبيانات، بينما يستمر الدعم الذي يغذي الحرب، فلن يوقف نزيف البلاد ولن يقنع السودانيين بجدية التضامن المعلن. على الجامعة أن تجيب بالفعل لا بالقول: هل ستتحرك لوقف الدعم الإماراتي للمليشيا، أم ستكتفي بمراقبة حرب يعرف الجميع أن استمرارها لا ينفصل عن التدخلات الخارجية؟ السودان لا ينتظر بيانًا جديدًا؛ إنه ينتظر موقفًا يضع حدًا للتدخل، ويحمي الدولة، ويصون حق شعبها في تقرير مصيره بعيدًا عن السلاح والإملاءات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى