مقعد وموقف
هوامش السيادة/ بقلم/ أبوذر عوض الكريم أحمد

□ عودة السودان إلى المؤسسات الدولية لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها خبراً بروتوكولياً عابراً، فالدول التي تمر بالمنعطفات الصعبة تحتاج إلى تثبيت حضورها في المحافل الخارجية بقدر حاجتها إلى ترتيب أوضاعها في الداخل. وإعادة انتخاب السودان لعضوية المجلس التنفيذي للمنظمة الدولية للحماية المدنية حتى عام 2030 تحمل معنى يتجاوز المقعد ذاته؛ إنها إشارة إلى أن السودان ما زال حاضراً في مؤسسات العالم، وأن الظروف الاستثنائية لم تمحُ اسمه من خارطة العمل الدولي.
□ الحضور الدولي ليس مجرد مقاعد تُحجز وأسماء تُدرج في قوائم المؤسسات، بل قدرة على تحويل هذا الوجود إلى مصالح ومواقف ومكاسب. فالدولة التي تملك موقعاً استراتيجياً وموارد واسعة وتاريخاً ممتداً لا ينبغي أن تكتفي بالتصفيق لعودتها إلى المنابر، وإنما تستحق أن يكون لها صوت مسموع وتأثير ملموس في الملفات التي تمس مصالحها.
□ السودان يمتلك من المقومات ما يؤهله لأن يكون رقماً مهماً في محيطه الإقليمي والدولي. موقعه على البحر الأحمر، وامتداده الأفريقي والعربي، وموارده الزراعية والحيوانية، كلها أوراق قوة لا ينقصها التعريف، وإنما تحتاج إلى إدارة تعرف كيف تضعها في موضعها الصحيح، وكيف تجعل المصلحة الوطنية حاضرة في كل تفاوض وشراكة.
□ المشكلة أن بعض الدول تنظر إلى السودان من زاوية موقعه وثرواته أكثر مما تنظر إلى حق شعبه في الاستقرار والتنمية. وتتبدل لغة المصالح بحسب اتجاه الرياح السياسية، وتظهر الوعود الكبيرة كلما احتاجت الأطراف الخارجية إلى ورقة جديدة في حساباتها. ولهذا فإن قراءة المشهد بعين مفتوحة تظل ضرورة، فالعلاقات الدولية لا تعرف المجاملات الدائمة، وإنما تعرف المصالح التي يحسن أصحابها حمايتها.
□ ومن المؤسف أن تتحول بعض الفرص الاقتصادية إلى عناوين براقة لا تجد طريقها إلى حياة الناس. فالسوداني الذي ينتظر عملاً، والمزارع الذي يبحث عن سوق، والصانع الذي يحتاج إلى بيئة إنتاج مستقرة، لا تعنيه كثيراً بيانات التعاون ما لم يرَ أثرها في واقعه. قيمة أي علاقة خارجية تُقاس بما تضيفه إلى اقتصاد البلاد، وبما تحفظه من حقوقها، لا بعدد الاتفاقيات التي تُعلن عنها.
ولهوامش السيادة كلمة
□ للسودان حق في أن يستعيد مكانته، وحق في أن يطرق أبواب العالم من موقع الندّية والاحترام، لكن الأهم ألا تتحول عودته إلى المؤسسات الدولية إلى غاية في حد ذاتها. فالمقاعد تُمنح، أما المكانة فتُصنع، والسيادة لا تحرسها الكلمات وحدها؛ يحرسها اقتصاد قوي، ومؤسسات قادرة، وقرار وطني لا يساوم على مصالح شعبه.



