ملح الأرض “فصل الأيديولوجيا عن البندقية… جدل السياسة والجيش في السودان”

✒️ خالد ماسا

لم يكن المقطع المصور الذي ظهر فيه القيادي الإسلامي الناجي عبد الله وهو يخطب في مجموعة من المؤيدين، مرتديًا الزي العسكري بذات النبرة الشعبوية، هو الأول من نوعه خلال الحرب التي تدور في السودان. فلطالما ظهر هو أو غيره من الإسلاميين حاملين خطابهم التعبوي على أكتاف الاصطفاف إلى جانب الجيش ضد قوات الدعم السريع، دون نسيان معاركهم القديمة في النادي السياسي. وأي متابع لهذه الخطابات سيلاحظ بأن الصيد السياسي بصنارة الموقف من الحرب لم يتوقف على الإطلاق، وبالمقابل ظلت أطراف سياسية ترمي الجيش بتهم مبنية على فرضية سيطرة التيار الإسلامي وتأثيره على المؤسسة العسكرية، وبالتالي تتكون المواقف السياسية بناءً على هذه القراءات.

في “الهتافية” الأخيرة للقيادي الإسلامي الناجي عبد الله جاء الخطاب في سياق أوسع قليلًا من السياق المعروف للخطابات المتبادلة منذ اندلاع الحرب في السودان، ومتزامنًا مع التصعيد الذي حدث بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل من جهة أخرى.

(*) الاصطفاف

يجب الإشارة هنا إلى أن العلاقة بين الجيش والتيار الإسلامي في السودان ليست أمرًا طارئًا فرضته الحرب، فلزمن طويل ظلت “أدبيات” هذا التيار الحاكم في السودان لثلاثة عقود تطغى على الخطاب العسكري. ولعل الذاكرة السودانية تحفظ جيدًا بأن “جلالات” العسكر خرجت عن ما هو متعارف عليه في الكلية الحربية إلى احتواء حمولات ذات دلالات أيديولوجية ومواقف سياسية، ابتداءً من:

“أمريكا روسيا قد دنا عذابها عليَّ أن لاقيتها ضرابها”،

وهتاف:

“الطاغية الأمريكان ليكم تدربنا”،

ولن تكون انتهاءً بخطاب الناجي عبد الله الأخير، والذي أعلن فيه صراحة موقفهم الداعم لإيران، متوعدًا أمريكا وحلفاءها، ومذكّرًا باستعدادهم للدخول بشكل مباشر إلى صف الجهاد ضدهم، وسط حالة من التهليل والتكبير للمؤيدين.

وإلى هنا يمكننا القول بأن لا جديد على الأذن المحلية في سماع هذا الخطاب بتلك النبرة والتوجهات، فالاستثمار في العواطف والمشاعر هو جزء من تكتيكات الخطاب الشعبوي الذي يخطب ود العاطفة أكثر من تعقيدات دراسة منطق الموقف السياسي ومترتبات وتكاليف الخطاب في وقت الأزمات.

تظل نقطة انقلاب الجيش الذي قاده الإسلاميون في الثلاثين من يونيو 1989م هي نقطة الوضوح التي امتزج فيها ماء الأيديولوجيا بزيت البندقية. ومنذها تحملت مؤسسة الدولة عبء المشروع السياسي وتبعاته حتى محطة “المفاصلة” في 1999م، والتي يراها المحللون بأنها لم تفصل تمامًا بين العقيدة السياسية والبندقية، والتي استمر اختطافها لصالح سيطرة ذات المشروع حتى سقوط النظام في 2019م.

(*) أبريل .. تحركات وإعادة تموضع سياسي وعسكري

أبريل الثورة، الذي كان توقيتًا سياسيًا للتغيير في السودان في العام 2019م، لم تختلف فيه “البصمة” في خطاب المؤسسة العسكرية عن سابق خطاباتها متى ما قالت السياسة قولها بإعلان الانحياز إلى جانب التغيير الذي فرضه الشارع، وإن كانت تحتاج لأكثر من ذلك لإثبات الانفصال التام عن مشروع النظام السابق. وهذا هو ما يفسر ردة فعل الشارع حيال الخيارات التي اختارتها المؤسسة العسكرية أولًا، وانقسام الصف المدني في الموقف والشراكة مع المكون العسكري. وحتى قبيل اندلاع الحرب في أبريل 2023م ظلت المنازعة قائمة على فرضية تخليص المؤسسة العسكرية من سيطرة المشروع السياسي أو سيطرته عليها.

أبريل “الحرب” كان نقطة التحول الكبيرة لإعادة التموضع سياسيًا بخطاب الدعم الكامل ميدانيًا لبندقية الجيش تحت اسم الكرامة، ضد بندقية الدعم السريع التي سعت لتزيين موقفها أيضًا بخطاب سياسي اسمه استعادة الديمقراطية.

طوال سنوات الحرب الثلاث ظلت المؤسسة العسكرية، ممثلة في قياداتها، تدفع عن نفسها الظنون باستمرار سيطرة ونفوذ التيار الإسلامي على موقفها، وظن المجتمع الدولي الذي تقف قرون استشعاره ترصد تحركات التكوينات العسكرية المظاهرة للجيش وسلوكها وخطابها السياسي، ما يزيد من مخاوفه بعودة النظام السابق إلى سابق سيطرته على القرار والموقف السياسي بقوة البندقية.

(*) الرد بالإصبع السبابة

وتستطيع المؤسسة العسكرية، وبالخبرة السياسية التي أكسبتها لها مسارات التواصل مع الإقليم والمجتمع الدولي أوان الحرب، أن تفهم متى يكون الخطاب الشعبوي الذي نطق به القيادي الإسلامي الناجي عبد الله داعمًا لخطاب المؤسسة العسكرية ويمكن السكوت عليه أو التغاضي عنه تكتيكيًا، ومتى يكون الوقت غير مناسب لاستخدامه من متحدثين يرتدون زيها العسكري ولديهم انتماء سياسي أكثر من ولائهم للمؤسسة العسكرية.

رفع القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول عبد الفتاح البرهان سبابته بالتحذير المغلظ والمباشر في معرض رده وتعليقه على خطاب القيادي الإسلامي الناجي عبد الله. ويمكن النظر إليه في إطار الضجر من سداد القوات المسلحة المستمر لفاتورة لا تخصها بسبب سرقة لسان المؤسسة العسكرية لصالح تمرير أجندة سياسية، في موقف كالحرب التي تدور الآن بين إيران من جهة والولايات المتحدة وحلفائها من جهة أخرى، وهو موقف بالضرورة تقديرات قيادة الجيش تختلف عن الدوافع التي خاطب بها القيادي الإسلامي الجمع الذي كان يهتف له. وهنا يستمع المجتمع الدولي إلى هذا الخطاب بأذن قائمة على الاتهام القديم والمستمر للجيش بنفوذ هذا التيار الإسلامي.

“المتفائل” في تحليله السياسي سيذهب في تفسير السرعة والحدة في خطاب رئيس مجلس السيادة والقائد العام للجيش، واللغة الواضحة من استخدام السبابة، إلى أن ذلك دلالة واضحة لبداية خطوات فك الارتباط بين المؤسسة العسكرية والتيار الإسلامي. وأن في ذلك رسالة تبعثها المؤسسة العسكرية للخارج ذات علاقة بتأكيد الشرعية دوليًا، وأنها لن تُحاسب بعد الآن على “مشاريب” غيرها، وأن المعركة التي تقودها القوات المسلحة الآن هي حرب دولة وليست حرب تيار سياسي بعينه، وإن كان يقاتل إلى جانب جنودها في الميدان. وأن هذا الاصطفاف لا يمنحه أي امتياز ولا يعطي الضوء الأخضر بعودته للسلطة من جديد، وإن كانت رغبات المجتمع الدولي تطلب دلائل أشد وأكبر من هذا الزجر والوعيد حتى يصل لقناعة فك الارتباط الكامل بين المؤسسة العسكرية وقياداتها والتيار الإسلامي في السودان.

الرد من قبل القائد العام كان حاسمًا برفع الإصبع السبابة، وأن الحديث باسم الدولة ليس متاحًا الآن إلا للمؤسسة العسكرية وقيادتها الحالية.

(*) الحركة الإسلامية على الخط

وبقدر ما أن خطاب القيادي الإسلامي الناجي عبد الله قد أثار جدلًا واسعًا وتم استخدامه وتداوله وفقًا للسياق الذي جاء فيه، والذي لا يحتمل أي انفعال أو فوران عاطفي، فإن الرد عليه بهذه السرعة والوضوح من قيادة الجيش كان قد نبه الحركة الإسلامية إلى ضرورة تدارك ما أصاب الناجي بخطابه، والسعي إلى تلطيف الأجواء ببيان أكدت فيه اصطفافها إلى جانب المؤسسة العسكرية في معركتها الحالية، وتفادي التقاطعات مع خطابها، والذي تفادت فيه الرد المباشر على خطاب البرهان، وأرادت مجرد ضبط الخطاب السياسي والتأكيد على قومية القوات المسلحة ونفي أن يكون ما تفوه به الناجي عبد الله يعبر عن موقفها.

تحتاج المؤسسة العسكرية، وفي ظل التعقيد المحلي الذي تصنعه الحرب داخليًا وارتباطها بتأثيرات الأوضاع إقليميًا ودوليًا وسبل الحل للأزمة السودانية، ألا تسمح بما يضع على أكتافها أي أعباء إضافية، وألا تكون الحرب التي تخوضها تحت أي لافتة غير أنها المؤسسة القومية التي يجب الحفاظ عليها بعيدًا عن النفوذ السياسي.

هذه الحرب التي تمتد لعامها الثالث يجب أن يكون جزء من إضافاتها للمشهد السوداني هو توضيح أين تنتهي حدود السياسة وأين تبدأ حدود المؤسسة العسكرية، والالتزام بالفصل التام بين الأيديولوجيا والبندقية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى