أسرى الحرب والحركة.. “ذوو الإعاقة يعانون في السودان”

ملف التفاصيل الصادمة: كيف عمقت الحرب عزلة ذوي الإعاقة؟!

تحقيق: نشوة أحمد الطيب

صحيفة العودة تفتح أحد أكثر الملفات حساسية لشريحة هشّة، فاقمت الحرب مصاعب حياتها بشكل غير مسبوق ، في زمن الحرب، تتضاعف معاناة ذوي الإعاقة ، فقد المكفوفون أدواتهم التعليمية، والسمّاعون وجدوا حياتهم في صمتٍ مفروض بين الانفجارات وفقدان الخدمات، وذوو الحركة صاروا محاصرين بين الدمار والرمال، أما ذوو الإعاقة الذهنية فانهار روتين حياتهم ودعمهم المجتمعي ، النزوح لم يكن ملاذًا، بل تحديًا جديدًا: فقدان الأمان، والدواء، والمعينات الأساسية، وسط غياب أي دعم رسمي أو إنساني، لتصبح حياتهم اليومية مأساة متجددة، وقصة صراع مستمر على البقاء والكرامة في قلب الحرب السودانية.

كرسيٌّ محاصر

عاد معاوية قمر الشريف إلى الخرطوم مثقلاً بالخسارات، لكنه لم يعد مهزوماً، مخرجٌ ومنتجٌ ومدرّب، وذو إعاقة حركية منذ الصغر، كان يدير قبل الحرب شركة إنتاج ومركزاً للتدريب، يعتمد على حراك القنوات والإذاعات، ويعمل ـ كما يقول ـ لا متلقياً للرعاية بل مساهماً في قضايا ذوي الإعاقة. ثم توقفت القنوات، أُغلقت الإذاعات، وضاع المركز بختمه وأدواته، فوجد نفسه فجأة «بلا عمل تقريباً، إلا بعض محاولات للتدريب عبر الإنترنت».

ليست خسارة المشروع وحدها ما يرويه. النزوح نفسه كان امتحاناً يومياً للجسد والكرامة. حين لجأ إلى قريته في الولاية الشمالية، أصبح حبيس المنزل؛ فكرسيه المتحرك لا يقوى على الرمال. يتذكر تلك الأيام قائلاً إن الحركة داخل البيت صارت أقصى ما يستطيع، أما خارجه فكان مستحيلاً تقريباً. «النزوح في ذاته تجربة مؤلمة نفسياً وبدنياً وصحياً ومادياً»، يقول، قبل أن يضيف أن كثيرين من ذوي الإعاقة وجدوا أنفسهم في أماكن لا تتيح لهم حتى الحركة في محيط المنزل.

ارتفاع أسعار المعينات الحركية..

الحرب لم توقف عمله فحسب، بل كشفت هشاشة أوضاع فئة بأكملها. يلفت معاوية في حديثه إلى صحيفة “العودة” إلى الارتفاع «الخرافي» في أسعار المعينات الحركية: قفز سعر الكرسي المتحرك، بحسب إفادته، من نحو 150 إلى 450، من دون إعفاءات جمركية. ومع تزايد أعداد من اكتسبوا الإعاقة بسبب الحرب، تفاقم الطلب واشتد الضغط على سوق محدود أصلاً. العصا البيضاء، العكازات، الكراسي المتحركة… أدوات أساسية تحولت إلى عبء مالي يفوق قدرة كثيرين.

خارج أولويات الحماية..

وبرغم إيمان معاوية بأن «الأوطان يبنيها أبناؤها»، وإصراره على البقاء والقتال من أجل استعادة حياته المهنية، لا يخفي شعوره بأن ذوي الإعاقة لم يكونوا ضمن أولويات الحماية أو الدعم. لم يتلقَّ، كما يقول، مساعدة من جهة رسمية أو منظمة إنسانية، كما لم يجد ـ على حد تعبيره ـ استجابة حتى حين عرض خدماته على إحدى القنوات. «لا منظمات، لا أفراد، لا حكومة… إلا نماذج بسيطة دعمها أشخاص بشكل فردي»، يختصر المشهد.

معاوية لا يتحدث عن نفسه كحالة استثنائية، بل نموذجاً لوضع أوسع أشخاص فقدوا أدوات حركتهم، أو أُجبروا على النزوح إلى بيئات غير مهيأة، أو واجهوا تضاعفاً في تكاليف الحد الأدنى من الاستقلال. وبين ألم الخسارة وإصرار البقاء، تتجسد في قصته صورة أكبر: حرب لم تكتفِ بتدمير البنى والمؤسسات، بل عمّقت عزلة من كانت حركتهم محدودة أصلاً، وجعلت الإعاقة في زمن النزاع عبئاً مضاعفاً على الجسد والرزق والكرامة.

فراغ مؤسسي..

تستهل داليا عوض بشير حديثها لصحيفة “العودة” بالتعريف عن نفسها بوصفها والدة الطفل مهند، ذي الأربعة عشر عاماً، المصاب بالشلل الدماغي حالة تتداخل فيها الإعاقات الحركية والذهنية، وتحتاج إلى رعاية متصلة لا تقبل الانقطاع.

منذ عام 2015، شاركت في تأسيس جمعية تُعنى بأطفال الشلل الدماغي، بعد أن أدركت الأسر حجم الفراغ المؤسسي الذي يحيط بهذه الشريحة. جاء التأسيس استجابة لحاجة ملحّة، لا مبادرة تكميلية.

إهمال سابق

قبل اندلاع الحرب، عانت الأسر نقصاً حاداً في الأدوية، وضعفاً في الرعاية الطبية، وارتفاعاً كبيراً في تكلفة المعينات الحركية. لم تتوفر مظلة رسمية كافية، فاضطرت الجمعية للاعتماد على جهود فردية لتأمين الأطباء وجلسات العلاج الطبيعي والوظيفي وتدريبات النطق.

مع اندلاع الحرب، تضاعفت المعاناة. تفرّقت الأسر بين ولايات مختلفة وخارج البلاد، فيما بقي آخرون في مناطق القتال يواجهون انقطاعاً شبه كامل للخدمات الطبية، وسط ظروف معيشية قاسية.

أزمة الدواء

كان انعدام أدوية التحكم في التشنجات التحدي الأكبر. اختفت العقاقير أو ارتفعت أسعارها إلى مستويات باهظة، فعانى الأطفال نوبات متكررة، وحمى وأرقاً مستمراً، ما فاقم أوضاعهم الصحية بصورة خطرة.

وفيات مؤلمة ورعاية متوقفة

في ظل انقطاع العلاج، تكررت حالات الوفاة داخل مجتمع الأسر، بمعدل طفلين أو ثلاثة شهرياً وفق إفادات الجمعية، نتيجة مضاعفات كان يمكن تداركها لو توافر الدواء.

توقفت جلسات العلاج الطبيعي والمتابعة الطبية، بعد مغادرة معظم الأطباء المتخصصين مع تصاعد القتال، ليجد الأهالي أنفسهم بلا توجيه مباشر أو دعم سريري منتظم.

تكافل محدود

أنشأت الجمعية صندوقاً ذاتياً لجمع التبرعات الشهرية من الأسر نفسها لشراء الأدوية، في محاولة لسد الفجوة. غير أن النزوح وفقدان الموارد جعلا القدرة على التكافل محدودة ومؤقتة.

انفراجه جزئية

في بعض مناطق النزوح، تحسن توفر الدواء بشكل متقطع؛ شهر يتوافر وآخر ينقطع، ما أتاح للأطفال قدراً من الاستقرار المؤقت، دون أن يردم فجوة الاحتياجات الأساسية.

استمرت مجموعات الدعم الافتراضية، وقدم أطباء متطوعون إرشادات عن بُعد حول البدائل والإجراءات الطارئة، وهو دعم حال دون انهيار كامل لمنظومة الرعاية المجتمعية.

عبء نفسي

تضاعف الضغط النفسي على الأطفال وأمهاتهم. تصف داليا مشقة التنقل حاملة طفلها دون معينات حركية، وسعيها بين القرى والمدن بحثاً عن دواء أو طبيب، في تجربة يومية تختبر حدود الاحتمال، بعض الأسر تمكنت من الخروج إلى الخارج وتوفير علاج أكثر انتظاماً، بينما بقي آخرون عالقين في مناطق النزاع، يواجهون معاناة مضاعفة في ظل غياب البدائل.

مطالب واضحة

تختم داليا بنداء إلى الجهات الرسمية لتأمين الدواء بأسعار مناسبة، واقتراح إنشاء “دفتر إمدادات طبية” لكل طفل يضمن انتظام صرف علاجه، إلى جانب تجهيز مراكز تأهيل فعالة ومهيأة مهنياً، حتى لا يبقى حق الأطفال في العلاج رهناً بالاجتهاد الفردي في زمن الحرب.

المكفوفون في العتمة: تعليم مدمّر واستجابة غائبة

يقول حسبو تبيدي، الأمين العام المكلّف بـ منظمة رؤية لتعليم وتأهيل المكفوفين، إن الحديث عن تأثير الحرب «يفتح جراحاً عميقة»، قبل أن يوضح في حديثه إلى صحيفة “العودة” أن منظمته، وهي هيئة وطنية شبابية مسجلة في السودان، كانت تعمل في مجال إعادة التأهيل والتعليم للمكفوفين، وتعد الجهة الوحيدة التي تتولى طباعة المناهج بطريقة «برايل».

ويؤكد أن قطاع المكفوفين كان من أكثر القطاعات تضرراً، لا سيما في ولاية الخرطوم. فقد فقدت المنظمة مقارها بالكامل، وضاعت معها الطابعة المتخصصة، وكتب «برايل»، وقاعدة البيانات، وأجهزة الحاسوب، وأدوات التعليم من مساطر وأقلام ومعينات حركية. «أصبحنا بلا قدرة تشغيلية تقريباً»، يقول تبيدي، مشيراً إلى أن فقدان هذه الإمكانات انعكس مباشرة على الطلاب الذين يعتمدون كلياً على هذه الوسائل.

معسكرات مؤقتة

الضربة الأشد، بحسب إفادته، طالت معهد النور لتعليم المكفوفين بمدينة بحري، وهو المعهد الوحيد الذي كان يحتضن طلاب هذه الفئة في المنطقة. فقد تعرض، كما يصف، إلى دمار شامل طال الداخليات والمكاتب وأدوات التأهيل، إضافة إلى فقدان الطابعة والكتب التي كانت تزودها بها المنظمة. ومع تدهور الوضع الأمني، اضطرت المنظمة، بالتنسيق مع اتحاد المكفوفين وبعض الجهات، إلى إجلاء الطلاب أولاً إلى ولاية الجزيرة، حيث أُقيم معسكر مؤقت في ود مدني، قبل نقلهم إلى كسلا بحثاً عن الأمان. «المرحلة الأولى كانت إنقاذ الأرواح»، يقول التبيدي.

ويشير إلى أن النزوح أدى إلى تشتت الطلاب والمعلمين في مدن عدة، منها عطبرة وكسلا، ما صعّب حصر أعدادهم أو متابعة أوضاعهم بدقة. وبعد استقرار نسبي في بعض المناطق الآمنة، بدأت محاولات دمج الطلاب في مدارس تخلو من مراكز تأهيل متخصصة. وقدمت المنظمة، بجهود فردية محدودة، بعض المعينات البسيطة مثل العصي البيضاء وأدوات التنوير، كما أشاد بجهود مبادرات محلية في كسلا لتوفير الغذاء والكساء، واصفاً إياها بـ«جهد المقل» في ظل شحّ الداعمين وتضرر القطاع الخاص نفسه بالحرب.

خارج مظلة الدعم!

ويؤكد تبيدي أن المنظمة لم تتلقَّ دعماً حكومياً أو دولياً أو إقليمياً حتى الآن، وأن الجهود القائمة تعتمد على مبادرات فردية ولجان طوارئ شكّلها الاتحاد. «الفجوة بين الاحتياجات الفعلية وما هو متاح فجوة كبيرة جداً»، يقول، لافتاً إلى غياب إحصاءات دقيقة، لكنه يجزم بأن جميع المكفوفين في مناطق النزاع تأثروا بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

أما الأولويات العاجلة، فيعددها في ثلاثة محاور: إعادة إعمار معهد النور باعتباره الركيزة الأساسية لتعليم المكفوفين؛ توفير طابعة «برايل» غير المتوفرة حالياً في السودان لطباعة المناهج من المرحلة الأساسية حتى الثانوية بالتعاون مع المركز القومي للمناهج؛ ثم إعادة توفير أدوات التعليم والعصي البيضاء التي فُقد مخزونها بالكامل. ويكشف أن المنظمة كانت تستعد لتدشين المنهج الثانوي مطبوعاً بطريقة «برايل» بشراكات محلية في أبريل الماضي، غير أن اندلاع الحرب أوقف المشروع.

وفي ختام حديثه، يوجه تبيدي نداءً إلى السلطات لإعادة تأهيل المعهد واستعادة خدماته، كما يدعو الجهات الإنسانية إلى إدراج احتياجات المكفوفين ضمن أولويات الاستجابة، «فالمكفوف يتأثر بالحرب أكثر من المُبصر، لأن حركته محدودة واعتماده على المعينات كامل». ويشدد على أن المرحلة المقبلة تتطلب تخطيطاً جاداً وتكاتفاً حقيقياً حتى لا تتحول الإعاقة، في زمن الحرب، إلى عزلة مضاعفة.

عزلة قسرية

في حديثها إلى صحيفة العودة، تقول الدكتورة هيفاء عمر الحاج، الاختصاصية الاجتماعية وخبيرة تعليم الصم ومديرة معهد الأمل، إن الحرب لم تكتفِ بتعميق هشاشة ذوي الإعاقة، بل خلقت ما تصفه بـ«الإعاقة المركّبة»، حيث تراكمت العوائق الصحية والاجتماعية والبيئية لتجعل الحياة أكثر تعقيداً وقسوة. وتؤكد أن الحرب عزلت هذه الفئة عن حقها في النجاة، في واقعٍ أصبح فيه البقاء متاحاً لمن يملك القدرة البدنية على الركض أو المال لشراء الأمان.

مسارات مدمّرة

المسارات التي كانت بالكاد صالحة للحركة قبل النزاع، صارت ركاما. الكرسي المتحرك، الذي كان أداة حرية وتنقل، تحول إلى عبء يعيق الهروب السريع تحت القصف. أما الأشخاص ذوو الإعاقة السمعية، فقد واجه كثير منهم الخطر دون إنذار، غير قادرين على سماع أصوات الانفجارات أو الرصاص، ما عرّض بعضهم لإصابات قاتلة.

دواء مفقود

انقطاع الإمداد بالأدوية الحيوية ضاعف المأساة، خصوصاً للأطفال الذين يعتمدون على أدوية التشنجات. توقف العلاج لم يكن مجرد انتكاسة صحية، بل كان—بحسب وصفها—أقرب إلى «حكم إعدام مؤجل»، في ظل غياب بدائل وارتفاع كلفة المتاح منها.

معسكرات قاسية

في مراكز الإيواء، التي أقيم معظمها في مدارس أو مبانٍ غير مهيأة، تفاقمت المعاناة. حمامات غير مجهزة، سلالم حادة، ومساحات لا تراعي إمكانية الوصول. تضرب الدكتورة مثالاً بمعسكر إيواء للصم في ولاية نهر النيل، حيث وثّقت مبادرات مستقلة أوضاعاً لا ترقى إلى الحد الأدنى للحياة الكريمة، وسط شح الغذاء، وصعوبة التنقل، ومخاطر الانتهاكات.

بيانات غائبة

تكشف الحرب وفق حديثها غياب التخطيط المؤسسي وخلو المؤسسات من خطط طوارئ دامجة لذوي الإعاقة. لا بيانات دقيقة تحدد أماكن وجودهم أثناء النزوح، ما يجعل إيصال المساعدات عملية عشوائية خاضعة للصدفة. حتى المراكز التي عُرفت باحتضان هذه الفئة عانت الإهمال، واضطرت مبادرات تطوعية وغرف طوارئ لسد الثغرات.

خطر يومي

تطرح سؤالاً مؤلماً: كيف ينجو الأصم من القصف وهو لا يسمع اقتراب الخطر؟ كيف تصمد أسرة تضطر لحمل ابنها المشلول مسافات طويلة بين المدن تحت التهديد؟ وتؤكد أن الانتهاكات في السودان طالت غالبية الصم، بما في ذلك العنف الجسدي وحالات اغتصاب تحفظت أسرها على الإفصاح الكامل عنها.

نزوح جديد

في القاهرة، رصدت مبادرة تجمع الصم نحو 400 شخص من الصم وأسرهم المرافقة، بعد عودة بعضهم إلى السودان. ومع حملات التفتيش الأخيرة، فُقد أثر عدد منهم. وتعرض آخرون للتنمر والضرب، والسرقة، والاستغلال في العمل لساعات تتجاوز 12 ساعة بأجور زهيدة أو غير مدفوعة. كما سُجلت حالات طرد من المساكن واعتداءات جسدية، بعضها وصل إلى مسارات قانونية.

انهيار الحماية

الحرب تقول الدكتورة هيفاء فضحت سقوط منظومة الحماية الاجتماعية. لا مأوى مستقر، لا عمل، مدارس متوقفة، غذاء شحيح، وأسر تشتتت بعد أن كانت سنداً أساسياً. هكذا تضاعف السوء، وتعمقت العزلة.

مطالب ملحّة

تتلخص المطالب في حصرٍ دقيقٍ ومحدّث لذوي الإعاقة وتصنيف احتياجاتهم، ووضع خطط إنقاذ تحفظ كرامتهم: تأهيل حقيقي، توظيف ومشاريع منتجة، تمكين اقتصادي، وإعادة فتح وتأهيل معاهد ومراكز التعليم والتأهيل التي دمرتها الحرب، حتى تستعيد الأسر قدراً من الاستقرار. وتختم بدعوة الوزارة إلى خطة جريئة وواضحة، تعيد لذوي الإعاقة حقهم في حياة كريمة، لا تُترك للصدفة أو المبادرات الفردية.

وزارة الرعاية تكشف

في حديثها إلى صحيفة “العودة” أقرت وزيرة الدولة بوزارة الرعاية الاجتماعية السودانية، الدكتورة سليمى إسحاق، بأن وضع الأشخاص ذوي الإعاقة في ظل الحرب يمثل «مشكلة حقيقية» لم تجد بعد استجابة اتحادية كافية. وأوضحت أن الدعم على مستوى الولايات كان أفضل نسبياً، بفضل مساندة المنظمات، بينما لم يشهد المستوى الاتحادي، منذ اندلاع النزاع، تدخلاً ملموساً يخدم هذه الشريحة بصورة منهجية.

وبيّنت الوزيرة أن ملف «الأجهزة التعويضية» شكّل الاستثناء الأبرز؛ إذ سعت الوزارة إلى تشغيل الورش القائمة لإنتاج وتركيب الأطراف الصناعية والمعينات الحركية، لا سيما في دنقلا وكسلا وبعض المناطق التي استوعبت النشاط. وأشارت إلى أن متضررين من ولايات عدة، بينها الجزيرة والخرطوم، تنقلوا لتلقي العلاج والحصول على هذه الأجهزة، مؤكدة أن العمل في هذا الجانب أحرز تقدماً ملحوظاً.

وفيما يتعلق ببيانات الإعاقة، كشفت الوزيرة عن ارتفاع في نسب الإصابات المفضية إلى إعاقات جديدة بفعل الحرب، مؤكدة أن الوزارة قامت بتركيب عدد من الأطراف الصناعية ضمن جهود المعالجة، وأنها بصدد تقديم أرقام تفصيلية حول ما تم إنجازه منذ بداية النزاع. غير أنها أقرت بوجود فجوة في الرصد الدقيق، إذ تفتقر الوزارة إلى قاعدة بيانات محدثة وشاملة، وتعتمد إلى حد كبير على تقديرات عامة ومعلومات توفرها الاتحادات والمبادرات والمنظمات التي يقود بعضها أشخاص من ذوي الإعاقة أنفسهم.

وتطرقت إسحاق إلى جانب الحماية، مشددة على أن الأشخاص ذوي الإعاقة—وخاصة النساء والأطفال، إضافة إلى الرجال ذوي الإعاقات الذهنية—هم الأكثر عرضة للعنف خلال الأزمات. كما لفتت إلى استمرار ما وصفته بـ«وصمة القدرة» داخل المجتمع، حيث يُنظر إلى الشخص ذي الإعاقة باعتباره غير قادر، في حين أن العائق الحقيقي—بحسب قولها—يكمن في ضعف فهم المجتمع لإمكاناته وقدرته على التكيف. وأكدت أن الوزارة تعمل، رغم الظروف، على معالجة هذا الجانب عبر الإحالة والحماية والتوعية، ضمن إمكانات محدودة فرضتها الحرب.

شهادات المنظمات الدولية

منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023 وحتى فبراير 2026، تؤكد البيانات الصادرة عن المنظمات الدولية أن الأشخاص ذوي الإعاقة يمثلون واحدة من أكثر الفئات تضرراً من الحرب. وتوضح خطة الاستجابة الإنسانية للسودان 2025–2026 الصادرة عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) أن ذوي الإعاقة يشكلون نحو 15٪ من إجمالي المتضررين من النزاع، أي ما يعادل 4.8 مليون شخص بحاجة إلى تدخلات إنسانية متخصصة وعاجلة.

وفي ما يتعلق بالأمن الغذائي، تشير بيانات مصفوفة تتبع النزوح الصادرة عن المنظمة الدولية للهجرة (IOM) – فبراير 2026 إلى أن 90٪ من ذوي الإعاقة في مناطق النزوح يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد، بينما تعذر وصول 95٪ منهم إلى مراكز توزيع الإغاثة بسبب العوائق الحركية وغياب التهيئة المناسبة.

أما على مستوى الإصابات، فقد أظهرت تحديثات الطوارئ الصحية في السودان الصادرة عن منظمة الصحة العالمية (WHO) – يناير 2026 أن 65٪ من الإصابات الناتجة عن القصف المدفعي والجوي انتهت بإعاقات حركية أو بصرية دائمة. كما وثقت المنظمة فقدان أكثر من 15,000 مصاب لأطرافهم منذ بداية النزاع، في ظل توقف 100٪ من مصانع الأطراف الصناعية الحكومية في الخرطوم عن العمل.

وبحسب تقارير حماية الطفل والتعليم الصادرة عن منظمة الأمم المتحدة للطفولة (UNICEF)، فقد تم تدمير أو خروج ما لا يقل عن 120 مركزاً للتأهيل والعلاج الطبيعي عن الخدمة في ولايتي الخرطوم والجزيرة، إلى جانب توقف التعليم بشكل كامل (100٪) للطلاب ذوي الإعاقة السمعية والبصرية بعد تدمير 15 مدرسة تخصصية كبرى في العاصمة.

وفي جانب الإمدادات العلاجية، تشير تقارير الطوارئ الصحية إلى انعدام بنسبة 95٪ للأدوية الخاصة بالصرع والاضطرابات الذهنية، ما أدى إلى وفاة مئات الحالات نتيجة النوبات الحادة داخل مراكز الإيواء.

أما فيما يخص الحماية والمخاطر الميدانية، فقد أكدت تقارير منظمة هيومن رايتس ووتش (HRW) المتعلقة باستهداف المدنيين والفئات الهشة أن ذوي الإعاقة كانوا من “الأكثر عرضة للموت المباشر”، حيث لم يتمكن سوى 12٪ منهم من مغادرة مناطق الاشتباكات العنيفة في الخرطوم ودارفور خلال الساعات الأولى للقصف. كما بيّنت التقارير أن النساء والفتيات ذوات الإعاقة يواجهن خطر التعرض للاعتداء الجنسي بنسبة أربعة أضعاف مقارنة بغيرهن في بيئات النزوح غير الآمنة.

وتعزز هذه المؤشرات ما وثقته مبادرة “نحن قادرون” (We Are Capable) من رصد ميداني محلي، أكد أن فجوة الحماية والدعم المؤسسي عمّقت عزلة ذوي الإعاقة، في ظل انهيار واسع للمنظومة الصحية والتعليمية والخدمية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى