إرهاصات ما قبل الطامة (٥-٧): فجرُ الرصاص.. وذاكرة “العهود الموؤودة”

بقلم: م. محمد عبد اللطيف هارون
استيقظنا في الخامس عشر من أبريل على إيقاعٍ لم تألفه أسماعنا؛ لم يكن نداء الأذان وحده المشقشق في الفضاء، بل انشق السكون عن أزيز الطائرات الحربية، وهدير المدافع، وصراخ مضادات الطيران التي بدأت ترسم في سماء الخرطوم خطوط الموت. استيقظ الجميع على “الطامة” التي كانت تنضج على نارٍ هادئة، فما حدث في ذلك الفجر لم يكن صدفة، بل كان تتويجاً لسلسلة من الاحداث التي جعلت “الدرب التحت” هو المآل الوحيد.
لو عدنا بذاكرتنا إلى ٢٤ يناير ٢٠٢٣، سنجد المظاهرات تملأ وسط الخرطوم، لا ضد العسكر فحسب، بل ضد “الاتفاق الإطاري” نفسه. كانت كيانات وازنة – من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين – ترى في هذا الاتفاق “فخاً” أو “إقصاءً”. هذا الغليان الشعبي انعكس فوراً على المكون العسكري، وبدأت التصريحات تشتعل كعود ثقاب في مخزن بارود.
من كادقلي، أطلق الفريق الكباشي صرخته: “القوات المسلحة لن تحمي دستوراً غير متوافق عليه”. كانت رسالة واضحة بأنَّ الجيش لن يكون “خفيراً” لاتفاقٍ يعزل القوى الحية. وبعد ساعات، خرج “حميدتي” محذراً من الفوضى، ومجدداً تأييده المطلق للإطاري بوصفه “المخرج الوحيد”.
و في واحدة من أكثر لحظاته إثارة للجدل، نفى حميدتي محاولات نسبة “الإطاري” له، زاعماً أنه وجده “جاهزاً وحبيس الأدراج” حين عاد من الجنينة. سخر من استمرار انقلاب ٢٥ أكتوبر، وقال بمرارة: “كيف تستمر في الحكم وأنت عاجز عن تلبية متطلباته؟”. كان يتحدث بلغة “المنقذ” المدعوم دولياً وإقليمياً، محاولاً إغراء الناس بالدعم الخليجي والأفريقي الموعود، ومردداً عبارته الشهيرة: “أنا وصاحبي (البرهان) خرجنا من الحكم”.
لكنَّ “الخروج” الذي كان يضمره حميدتي لم يكن نحو الظل، بل كان قفزة نحو “الكرسي” عبر مطية “قحت” .
أثار تمسك حميدتي بـ”الإطاري” تساؤلات مشروعة؛ فالرجل الذي لم يُعرف عنه يوماً الوفاء بالعهود، وجد في نصوص الاتفاق “ضالته المنشودة”. كانت القوى المدنية قد قدمت له هديةً من ذهب: عشر سنوات لدمج قواته، وتبعيتها لـرئيس الوزراء مباشرة بدلاً من القائد العام.
هنا، تلاقت المصالح المستترة؛ عقود الذهب الآجلة، إملاءات الكفلاء، والطموح الشخصي الجامح. أراد حميدتي أن يكون “الظهير الأمني” لقوى الثورة، مقابل أن تكون هي “ظهيره السياسي” الذي يمتطيه للوصول إلى سدة السيادة، في فترة انتقالية هشة يملك هو فيها القوة، ويملكون هم فيها “الشرعية الورقية”.
في المقابل، كان موقف الجيش صخرةً تحطمت عليها تلك الأطماع. استندت قيادة الجيش إلى نقطتين لا مساومة فيهما:
١. لا جيشان في بلاد واحدة: الدمج يجب أن يكون فورياً وحاسماً.
٢. لا دستور بـ”المحاصصة”: الجيش لا يوقع عقداً مع فصيل سياسي واحد مع إقصاء الآخرين.
أيقن حميدتي أنَّ بوابات الجيش موصدة، فحاول في ١٨ مارس ٢٠٢٣ الالتفاف على الأمر بدعوة الأطراف غير الموقعة على “الاطاري” لمكتبه بالقصر الجمهوري، محاولاً إظهار “مرونة” مصطنعة. كان البرهان يراقب المشهد، مؤكداً أنَّ مشروعية أي اتفاق تأتي من شموله للجميع، وأنَّ “الجيش الواحد” هو حجر الزاوية لأي استقرار.
كانت كل تلك المناورات هي الرقصة الأخيرة قبل السقوط العظيم. كان الجميع يشد الحبل من طرف، حتى انقطع الحبل في فجر الخامس عشر من أبريل، لتجد الخرطوم نفسها في جوف الجحيم..
نواصل..



