من صناعة الحرب إلى أزمة الحياد: هل تغيّرت معادلة الخليج بعد حرب إيران؟*
*الجزء الخامس: إعادة تعريف الأمن الخليجي*

*بقلم. صباح المكي*
إذا كان الجزء الرابع قد انشغل بكشف ما أسقطته الحرب من أوهام الحياد والاستقرار والمناعة، فإن الجزء الخامس يبدأ من السؤال الأصعب: ماذا يعني، عمليًا، أن يعيد الخليج بناء قدرته الدفاعية والاستراتيجية في عالم لم تعد فيه الحماية تُشترى بالمال وحده، ولا تُضمن بالتحالفات وحدها؟
*ضرورة إعادة بناء القدرة الدفاعية*
إذا كانت هذه الحرب قد كشفت حدود المظلة الأمريكية، فإنها كشفت أيضًا أن تقليل الهشاشة لم يعد ممكنًا عبر الاعتماد السلبي على الخارج وحده. غير أن البديل هنا ليس استقلالًا دفاعيًا مكتفيًا بذاته بالمعنى الكامل، بل بناء قدرة خليجية أكثر تماسكًا، تقلص فجوة الانكشاف، وتمنح دول الخليج هامشًا أكبر في إدارة التهديد بدل الاكتفاء بانتظار استجابة الحليف الخارجي له.
لقد أظهرت الحرب بالفعل قدرًا معتبرًا من التقدم. فقد أدت الدفاعات الجوية الخليجية أداءً فعالًا في اعتراض قسم كبير من التهديدات الواردة. لكن هذا النجاح نفسه لم يلغِ الحقيقة الأهم: الحجم الكثيف للقصف الإيراني كشف حدود أنظمة الدفاع الوطنية حين تعمل كل دولة بمفردها، وأظهر أن كفاءة الاعتراض لا تعني بالضرورة كفاية البنية الدفاعية إذا كانت التغطية مجزأة، والاستجابة غير موحدة، وسلاسل الإنذار والتنسيق متفاوتة في السرعة والفعالية.
لكن المسألة الأعمق لا تتعلق بالتكامل وحده، بل ببنية الاعتماد نفسها. فمعظم دول الخليج، رغم إنفاقها الدفاعي الضخم، لا تصنع أسلحتها الرئيسية ولا ذخائرها الحيوية، بل تعتمد في ذلك على الولايات المتحدة وأوروبا في التسليح والصيانة والإمداد. وهنا لا تظهر الهشاشة فقط في لحظة الهجوم، بل في لحظة الاستنزاف: حين تتراجع المخزونات، أو تنفد الذخائر الاعتراضية، أو يعاد ترتيب أولويات الحليف الخارجي وفق حساباته هو لا وفق حاجات الخليج. عندها يصبح السؤال ليس فقط: هل نمتلك منظومات دفاع؟ بل: هل نملك القدرة على إبقائها عاملة إذا طالت الحرب؟
وفي هذه النقطة تحديدًا، تنكشف المفارقة بوضوح. فبينما بنت إيران جانبًا مهمًا من قدرتها الردعية على الإنتاج المحلي والتراكم الذاتي، ظلت البنية الخليجية أكثر تطورًا تقنيًا، لكنها أكثر اعتمادًا على الخارج في الاستدامة الطويلة لأي مواجهة. وهذا يعني أن التفوق الدفاعي لا يُقاس فقط بقدرة البطاريات على الاعتراض، بل بقدرة الدولة على تعويض الاستنزاف بسرعة، وضمان تدفق الذخائر، واتخاذ القرار من دون الارتهان الكامل إلى سلاسل توريد خارجية قد تتحول في لحظة الأزمة إلى نقطة ضعف حاسمة.
ومن هنا، لم يعد الحديث عن بنية دفاع جوي خليجية متكاملة مجرد بند نظري في أوراق السياسات، بل صار ضرورة استراتيجية ملحة. فالمطلوب ليس فقط تحسين التسليح، بل بناء درع إقليمي يربط شبكات الرادار، ويؤسس لتبادل استخباراتي لحظي، وينسق بروتوكولات الاعتراض بين دول مجلس التعاون على نحو مؤسسي دائم، لا عبر ترتيبات ظرفية مؤقتة. لقد أثبتت الحرب أن التهديد لا يحترم الحدود الوطنية الضيقة، وأن التعامل معه بالأدوات الوطنية وحدها يترك دائمًا فجوات يمكن للخصم أن ينفذ منها.
غير أن إعادة بناء القدرة الدفاعية لا يمكن أن تبقى مسألة تقنية فقط. فهي تتعلق أيضًا بالعنصر البشري وبالعقد الاجتماعي الذي يحمل عبء الدفاع. فلا يمكن لمنطقة تواجه هذا المستوى من الخطر أن تظل معادلتها قائمة على القواعد الأجنبية والردع المستورد، بينما يبقى المجتمع بعيدًا عن فكرة الخدمة والاحتياط والتعبئة. ذلك أن الأمن المستدام لا يقوم فقط على شراء المنظومات، بل على وجود قاعدة وطنية قادرة على حملها والدفاع عنها والاستمرار في تشغيلها تحت الضغط. وهذا يفتح، بالضرورة، نقاشًا أوسع حول التجنيد، والخدمة الوطنية، وبناء احتياط مؤهل، وربط الرفاه الاجتماعي بفكرة الواجب الدفاعي، لا بفكرة أن الحماية خدمة يمكن استيرادها دائمًا من الخارج.
وفي هذا السياق، لم تعد النماذج التطبيقية بعيدة أو افتراضية. فالتعاون المؤقت الذي ظهر في الدفاعات الإقليمية خلال المواجهات الأخيرة قدّم لمحة عملية عمّا يمكن أن تبدو عليه شبكة إنذار واعتراض أكثر تكاملًا. لكن التحدي لم يعد في إثبات الفكرة، بل في نقلها من التنسيق الظرفي إلى الهيكل الدائم، ومن الترتيب الصامت إلى البناء المؤسسي العميق. فما تفرضه المرحلة المقبلة ليس مجرد تحسين في الكفاءة، بل إعادة تأسيس أوسع لمعنى القدرة الدفاعية الخليجية نفسها: تصنيعًا، وذخيرةً، وتكاملًا، وبشرًا، واستعدادًا طويل الأمد.
*تحوّل نحو الاستقلالية الاستراتيجية*
كل ما سبق يقود إلى استنتاج واحد: الخليج لا ينبغي أن يخرج من هذه الحرب بالعقيدة نفسها التي دخل بها. لقد كشفت الحرب سقوط الصيغة القديمة من التحوّط التي قامت على إبقاء جميع الأبواب مواربة، والموازنة بين القوى الكبرى، وتأجيل الحسم في تعريف الموقع الاستراتيجي. وما تفرضه هذه الحرب، إن قُرئت دروسها كما ينبغي، هو مراجعة خليجية أعمق لحدود الحماية الخارجية، ولمخاطر الارتهان المفرط للحلفاء، ولمعادلات الأمن التي ثبت أنها أكثر هشاشة مما بدا في زمن السلم.
ولا يعني ذلك القطيعة مع الولايات المتحدة، لكنه يعني سقوط الوهم الذي حكم العلاقة معها طويلًا: وهم أن التحالف وحده يكفي، وأن صفقات السلاح، والتعهدات الاستثمارية، ومئات المليارات المتدفقة إلى الاقتصاد الأمريكي، يمكن أن تشتري ضمانة نهائية عند لحظة الخطر. لقد أظهرت هذه الحرب، بقدر لا لبس فيه، أن واشنطن قد تبقى حليفًا، لكنها ليست بالضرورة حارسًا مستعدًا لترتيب أولوياته وفق أمن الخليج أولًا. فحين دفعت العواصم الخليجية نحو التهدئة وحذّرت من الانزلاق إلى حرب أوسع لأنها ستكون أول من يدفع الثمن، مضت الولايات المتحدة في خيارها العسكري، ووجد الخليج نفسه مرة أخرى في موقع المتلقي للكلفة لا الشريك في القرار.
ومن هنا، لا يعود الحديث عن مجرد خيبة عابرة، بل عن تصدّع أعمق في الثقة الاستراتيجية. فالإحساس الذي تسرّب إلى كثير من الحسابات الخليجية ليس فقط أن واشنطن تجاهلت تحذيرات حلفائها، بل أنها أعادت، عند لحظة الاختبار، ترتيب المنطقة وفق أولوياتها هي. وفي الخلفية، بقيت حقيقة أخرى شديدة الدلالة: أن التزام الولايات المتحدة بتفوّق إسرائيل وحمايتها السريعة ظل أكثر ثباتًا ووضوحًا من أي التزام مماثل تجاه حلفائها العرب، وهو ما عمّق الإحساس بأن الخليج، رغم تحالفه الوثيق وإنفاقه الضخم، يظل قابلًا للتقديم في حسابات الأولوية حين تتزاحم الجبهات.
لهذا، فإن المطلوب ليس استبدال واشنطن بشريك آخر، بل تقليل كلفة الاعتماد الأحادي عليها. فإعادة تركيب منظومة الأمن الخليجي على أسس أقل هشاشة تعني توسيع هامش المناورة، وتنويع الشراكات الدولية، وتعميق عناصر القوة المحلية والإقليمية التي تمنح الخليج قدرة أكبر على الصمود والردع والتأثير. فالدول التي اكتشفت أن أموالها لا تكفي لشراء الحماية، وأن تحالفاتها لا تمنع عنها النار، لم يعد أمامها ترف الاستمرار في التفكير القديم.
لكن العنصر الحاسم لن يكون في الأدوات وحدها، بل في الرؤية السياسية التي تنظّم استخدامها. فالحفاظ على القنوات الدبلوماسية مع طهران سيظل ضرورة، غير أنه لن يعود قادرًا على حمل الوهم القديم نفسه: أن الحوار وحده يمكن أن يؤسس للحماية. ما تفرضه المرحلة المقبلة هو الجمع بين الانفتاح الدبلوماسي والصلابة الاستراتيجية، بين إبقاء باب التفاوض مفتوحًا، وبناء موقع تفاوضي أقل انكشافًا وأكثر قدرة على فرض الكلفة.
والأهم من ذلك كله أن دول الخليج باتت بحاجة إلى تصور موحد وطويل الأمد لكيفية التعامل مع إيران ما بعد الحرب. لم يعد ممكنًا الاكتفاء بدور المراقب القلق لما يجري على الضفة الأخرى من الخليج. فالتحدي الحقيقي لم يعد في إدارة الأزمات عند وقوعها، بل في الاستعداد المسبق لنتائجها، ومحاولة التأثير في مساراتها قبل أن تتحول إلى وقائع مفروضة. وهذا يعني الاتفاق على خطوط حمراء واضحة، وتنسيق الردود، وبناء خطط قائمة على السيناريوهات لمستقبل الإقليم بعد هذه الحرب، لا على افتراض أن المظلة الخارجية ستتكفل دائمًا بسدّ الفجوات.
*الدرس الأخير*
في نهاية المطاف، فعلت هذه الحرب شيئًا واحدًا بقدر عالٍ من القسوة والوضوح: جرّدت الخليج من واجهته الأكثر طمأنينة، تلك القائمة على افتراض المناعة. لقد كشفت المنطقة كما هي حقًا: غنية، وطموحة، وديناميكية، وقادرة على إنتاج نماذج تنموية لافتة، لكنها في الوقت نفسه شديدة الانكشاف، ومربوطة على نحو عميق بصراعات لا تملك السيطرة الكاملة عليها.
والدرس قاسٍ، لكنه حاسم: المستقبل لا يُشترى، والأمن لا يمكن الاستعانة بمصادر خارجية لتأمينه إلى ما لا نهاية. لا الثروة وحدها تكفي، ولا التحالفات وحدها تكفي، ولا الغموض الدبلوماسي وحده يكفي. ومن الآن فصاعدًا، سيكون على دول الخليج أن تبني أمنها بقدر أكبر من الوعي الذاتي، وأن تقلل هشاشتها بأدواتها وقدراتها، وأن تعيد تعريف موقعها في الإقليم لا بوصفها ساحة محتملة لصراعات الآخرين، بل بوصفها فاعلًا يعمل على منع تشكّل تلك الصراعات على حسابه.
ولهذا، فإن السؤال الذي ستتركه هذه الحرب ليس فقط كيف يرد الخليج على الضربة الحالية، بل أي موقع يريد أن يشغله في النظام الإقليمي المقبل. هل سيواصل الرهان على الحماة الخارجيين بصيغ معدّلة، أم يبدأ أخيرًا في الإمساك الجاد بزمام مصيره الاستراتيجي؟ هنا تحديدًا تتجاوز القضية حدود الخليج نفسه، لأن الإجابة عن هذا السؤال لن ترسم مستقبله وحده، بل ستسهم في رسم مستقبل الشرق الأوسط كله.
bitalmakki@gmail.com



