إرهاصات ما قبل الطامة (٤-٧): “إفطاراتٌ القصور”.. وأحجار الشطرنج الأخيرة

بقلم: مهندس محمد عبد اللطيف هارون

​أجدني في كل حلقةٍ أقف طويلاً عند العتبات، أمهد الطريق للقارئ قبل الولوج إلى صلب الفاجعة. سألني صديقٌ عن ذلك “الإطاري” الذي ملأ الدنيا وشغل الناس، ولأنَّ البعض لا يعرف عنه سوى صدى اسمه، رأيتُ من واجبي – كحكاءٍ يتقصى الحقيقة – أن أجمل بنوده التي كانت تُبشر بـ”دولة المؤسسات”؛ من جيشٍ مهني موحد، وحكومة مدنية تختارها قوى الثورة، وعدالةٍ تحاسب المجرمين، واقتصادٍ يكبح جماح الانهيار.

​لو قرأت هذه البنود بتجرد، لوجدتها نصوصاً لا غبار عليها، ولكن العلة كانت في “النخب”؛ تلك التي اعتادت منهج (يا فيها يا أخفيها). ناضلوا طويلاً من أجل الحرية، وعندما لاحت بوادرها ، نسوا أنَّ الديمقراطية هي إدارة “أدب الاختلاف” قبل أن تكون “صراع كراسي”. كان الواجب يملي على الحكماء و هم يصيغون بنود الاطاري ، التريث لجمع الشتات، فالبلاد كانت “شذر مذر”، تحتاج إلى جسور ثقةٍ تُبنى بالإقناع، لا بفرض الإرادات فوق فوهات المدافع.

و من الغريب جدا ، ​بينما كان الجيش يصدر البيانات المحذرة، كان القادة يتبادلون الابتسامات في الإفطارات الجماعية. فجر الاثنين ١٠ أبريل، يوم عودتي من القاهرة، كان “حميدتي” يستضيف “الصديق حفتر” ولفيفاً من نجوم المجتمع. تدثرت الزيارة بعباءة الرياضة، حيث نُصّب ابن حفتر رئيساً فخرياً لنادي المريخ، لكن العيون البصيرة كانت تقرأ ما وراء “الصورة”.

​لم تكد تمضي سويعات حتى تحركت قوات الدعم السريع نحو مروي، لتربط الصحافة العالمية – ومنها “الغارديان” – بين هذا التحرك وأمراء الحرب في ليبيا. كان المقال يهمس في أذن العالم بأنَّ “كابوساً” طويلاً يُطبخ على نارٍ هادئة، وأنَّ صراع الوكلاء قد يغرق السودان في ظلامٍ دامغ. كانت العلاقة بين حميدتي وحفتر، الممتدة لسنوات من تبادل المرتزقة والخدمات، تشير إلى أنَّ المعركة القادمة قد أُعدَّ لها بعناية خلف الستار.

​وصل التوتر ذروته في الأيام التي تلت رحلة مروي. نشطت الوساطات، وحاولت قحت لملمة الشظايا قبل الانفجار. روى لي صديقٌ ينتمي لقحت ، حضر الإفطار الأخير مساء الجمعة ١٤ أبريل، الذي أقامه الفريق الكباشي بنادي النيل؛ كان “البرهان” هناك، يحفه الدبلوماسيون ورموز المجتمع، بينما غاب “حميدتي” وشقيقه. لم يمثل الدعم السريع سوى اللواء “عثمان عمليات”، الذي شوهد وهو ينسحب باكراً من المأدبة، في إشارةٍ لم يفهمها الحضور إلا لاحقاً.

​وفي ركنٍ آخر من العاصمة، كانت قيادات “قحت” تنتظر حميدتي في حديقة منزله، يرجون منه طمأنةً على اجتماع الغد المزمع بين حميدتي و البرهان (السبت ١٥ أبريل) عند الحادية عشرة صباحاً.. لكنَّ “حميدتي” رفض مقابلتهم.

​كل المؤشرات كانت تصرخ: “الحرب غداً”. لم يعد الأمر بحاجة لتحليل؛ فالنية المبيتة للانقلاب على الجيش السوداني كانت قد اكتملت فصولها في مخيلة حميدتي. كان الجميع ينتظرون “اجتماع السبت” لترميم ما انكسر، بينما كان الطرف الآخر يجهز “ساعة الصفر” لكسر الوطن كله.

​غاب القمر في تلك الليلة، وحبست الخرطوم أنفاسها، وهي لا تدري أنَّ شمس السبت لن تشرق بالنور، بل بلهيب الحريق.

​نواصل..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى