الطاقة وأزمة الوقود.. سوء التصريحات وغياب الرؤية

الوزير لم يقل كل الحقيقة !!
توفير الإمدادات في الأوضاع الحالية مسؤولية سيادية
اكتملت الصورة.. الأزمة الحقيقية في الوزير والوزارة
هل يتحرك رئيس الوزراء لتصحيح الوضع المختل؟
تقرير: معاوية الجاك
تصريحان متضاربان لوزارة الطاقة والنفط السودانية خلال (24) ساعة فقط عن الموقف العام للمواد البترولية في السودان، في ظل الوضع السياسي العالمي بإندلاع حرب أمريكا وإسرائيل ضد إيران وما شكلته من تأثير سالب للغاية على انتاج المواد البترولية بكل مشتقاتها (بنزين، جازولين وغاز)، فالدول المنتجة لهذه السلع الاستراتيجية المهمة توقف بعضها عن الإنتاج بصورة كاملة، مثل قطر التي تعتبر من أكبر دول العالم في إنتاج َتصدير الغاز وهناك دولة الإمارات العربية الإتحادية المعروف عمها انتاج المواد البترولية.
التصريح الأول:
أكد وزير الطاقة والنفط السوداني أن البلاد تمتلك احتياطياً من البنزين يكفي لمدة (16) يومًا، والجازولين لمدة (21) يومًا، ووقود الطائرات لمدة (17) يوما.. جاء ذلك خلال مؤتمر صحفي عقده الوزير، مشددا على أن موقف إمداد المواد البترولية مطمئن، وأوضح الوزير أن هناك) (4) بواخر بنزين في الانتظار، تحمل ما يقدر بـ (155) ألف طن، بالإضافة إلى ناقلتين للجاز أويل.
وأشار الوزير إلى أن معظم إمدادات المواد البترولية للسودان لا تعتمد على منطقة الخليج، بل يتم توفيرها عبر البحر الأحمر والبحر المتوسط والبحر الأسود، بالإضافة إلى الناقلات في عرض البحر.
وفيما يتعلق بتأثير الحرب على قطاع الطاقة، لفت الوزير إلى أن التأثير يظهر بشكل أساسي في أسعار المواد البترولية وليس في الإمداد.
التصريح الثاني:
على عكس ما قاله وزير الطاقة والنفط المستشار معتصم ابراهيم عن موقف الوقود المتوفر في البلاد الثلاثاء الماضي، كشف بيان صادر عن وزارة الطاقة عن موقف جديد، وأشارت الوزارة إلى أن إجمالي الكميات المتوفرة من البنزين تبلغ (191.883) طناً مترياً، ومقارنة بالإستهلاك اليومي الذي يبلغ (2.175) طنا متريا، فإن الكمية الموجودة تكفي لمدة (88) يوما.. وأضافت بشكل تفصيلي أكثر، أن مخزون الجاوزلين بالمستودعات يبلغ (88.909) طنا مترياً، إضافة إلى باخرتين قيد التفريغ بحمولة تبلغ (86.273) طنا مترياً ليصل إجمالي الكميات المتوفرة إلى (175.82) طنا مترياً، ومع معدل استهلاك يومي يبلغ (3.235) طناً مترياً، فإن مخزون الجازولين يكفي لمدة (54) يوما، دون حساب البواخر التي جرى التعاقد معها ضمن سلسلة الإمداد التي تصل تباعاً
الأزمة الحقيقية في الوزير والوزارة
تصريحان كشفا أن حجم الأزمة أكبر من ازمة وقود، ما الطريقة التي تتعامل بها الوزارة ووزيرها حيث يشكلان الأزمة الأكبر ويؤكدان ان القادم سيكون أشد قسوة على الشعب السودان بسبب التخبط الإداري وسوء السياسات خاصة في ظل الظروف المحيطة بالسودان حتى قبل إندلاع حرب إيران لا تتحمل مزيداً من المعاناة في ظل الحرب الداخلية.
توقف محطات الوقود
أجرت صحيفة (العودة) استطلاعات وسط المواطنين وسط المواطنين بالعاصمة الخرطوم أكدوا ان معظم محطات الوقود مغلقة وان تصريحات وزير الطاقة لا تعبر عن الواقع ولا يستبعدون دخول العاصمة في أزمة وقود طويلة قبل الموعد الذي قطعته الوزارة.
تقرير صادم وعودة طوابير السيارات
تقرير (العودة) يكشف عودة طوابير السيارات الطويلة للظهور أمام محطات الوقود في العاصمة، في ظل أزمة وقود خانقة تفاقمت مع ارتفاع أسعار البنزين بشكل جنوني.
ولم تسلم أسعار الوقود من موجة الارتفاع، حيث سجل سعر الجالون الواحد من البنزين ارتفاعاً ملحوظاً، حيث وثل سعر الجالون إلى (24) ألف جنيه سوداني، مقارنة بـ (17) ألف جنيه سوداني قبل الأزمة.
(العودة) تحصلت على معلومات صادمة تؤكد بأن ما قاله السيد الوزير معتصم ابراهيم عن وجود مخزون كاف لأكثر من (88) يوماً سوف يتبخر في الهواء ما لم تحدث معجزة بوصول بواخر الوقود إلى مدينة بورتسودان وتوزيعها بشكل عاجل، وأكد مصدر بأن اليوم الاثنين سيشهد غياب الوقود من السودان بالكامل.
الوزير واخفاء الحقيقة
مما تقدم تتضح الصورة بأن السيد وزير الطاقة والنفط لم يقل كل الحقيقة، بل اخفى الجزء الأكبر منها وهو يطبق تصريحات التطمين التي عرّاعا بيان وزاوته الذي كان في ظاهره يقول إن حديث الوزير لم يُفهم بطريقته الصحيحة، وفي داخله يقول إن الوزير ارتكز في تصريحه على (التخدير) ولم يقل الحقيقة كاملة لمجلس للوزراء والشعب السوداني حتى يستعد.. بل يعتبر سلوك الوزير بتغييب الحقيقة عن حكومته نهجاً غريباً يستوجب المحاسبة الحاسمة والسريعة لأن إخفاء الحقيقة قذف في قلب بحكومة (تطميناً مزيفاً) سريعاً ما كشفته شمس اليوم التالي وصفوف السيارات الطويلة المتراصة وأخرج الحكومة مع مواطنها المرهق، فلو كان للوزير واضحاً صريخاً اتحركت الحكومة وتداركت الموقف سريعاً، ولكن ما حدث زاد من ججم المعاناة ووضع الحكومة في موقف الحرج مع المواطن، وخسارة الحكومة هنا مزدوجة والكل يعلم أثر ان يفقد المواطن الثقة في حكومته.
أين رئيس الوزراء ؟
السؤال الذي يقفز إلى مخيلة الكثيرين هو: أين رئيس الوزراء من حالة التخبط الضارة التي تسيطر على المشهد؟ فهل يعلم رئيس الوزراء أن وزارته ووزيره منحوا الشركات الحكومية ما لا يقل عن (50%) من حجم استيراد البترول، وفشلت في الوفاء بهذا بالتزامها في هذا الجانب حتى وهي تبيع الوقود للشركات الخاصة وبنسبة ربح عالية جداً ؟ مع ملاحظة أن البواخر التي تبيع الوقود موجودة في عرض البحر الأحمر قبل اشتعال حرب أمريكا وإسرائيل ضد العراق.
الطاقة وغياب الكياسة
التوضيح الذي صدر عن وزارة الطاقة والنفط يكشف غياب الكياسة وعدم الإدراك الكامل لمعنى تأمين الإمدادات البترولية في مثل هذه الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد.. فالشركات والمجموعات التي أشارت إليها الوزارة، بما في ذلك الشركات الحكومية، هي في الأصل شركات تجارية تعمل وفق اعتبارات الربح والخسارة، وليس من مهامها السيادية تأمين الإمدادات من الخارج.. فمسؤولية ضمان توفير الإمدادات في مثل هذه الأوضاع مسؤولية سيادية تقع في المقام الأول على عاتق الحكومة ممثلة في وزارة الطاقة، (المؤسسة السودانية للنفط)، وهنا يبرز التساؤل المشروع: ماذا لو عجزت هذه الشركات عن تأمين الإمدادات في ظل هذه الظروف الاستثنائية؟ وهو أمر وارد، فهل يعفي ذلك الوزارة من مسؤوليتها ؟ بالطبع الإجابة لا.
قُصور دور الوزارة
لقد بدأ وكأن الوزارة قد أدت واجبها بمجرد تقسيم الشركات إلى مجموعات لتتولى مهمة تأمين الإمدادات نيابة عنها، في حين أن هذه المسؤولية تقع أساساً على عاتق الوزارة نفسها، وفقًا لما ينص عليه قانون الثروة النفطية لعام 1998.. هل تساءلت الوزارة مع هذه الشركات التي قُسِّمت إلى مجموعات عن مدى قدرتها على استيراد المشتقات البترولية ؟
تنظيم العلاقة بين الشركات الحكومية والخاصة
وبحسب مصادر (العودة)، فمثل هذا الأمر ينبغي أن يكون واضحاً ومعلوماً، عبر الإجراءات الرسمية من خلال استمارات وزارة التجارة وبنك السودان، أو بخطابات معتمدة منهما،
وإن كانت هذه الشركات تعتمد على حصائل الصادر، فإن الدولة قد حررت هذه السلعة، على أن تتولى الوزارة عملية الرقابة وليس من مهامها الاستيراد.
يحدث في السودان فقط
من الملاحظات علي العدد الكبير للشركات الخاصة في السودان أنه لا يوجد مثيل لها في أيٍ من دول العالم، فحتى الدول الكبرى مثل الصين وروسيا وألمانيا والهند لا تضم هذا الكم من الشركات، وكذلك الحال في الدول المصدرة للنفط مثل المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة وليبيا. وفي السودان كانت هناك أربع شركات فقط هي (أجيب، شل، موبيل وتوتال).
حالة من الفوضى
ما يحدث في السودان اليوم، يوحي بوجود حالة من الفوضى الكبيرة التي تحتاج إلى مراجعة وتنظيم بما يحقق المصلحة العامة ويحفظ استقرار هذا القطاع الحيوي المهم، ومعروف أن معظم دول العالم تتعامل مع ملف إمدادات الطاقة بحذر وذكاء شديدين خاصة في ظل الظروف الاستثنائية وغير الطبيعية كالتي يعيشها العالم اليوم، وتجتهد في وضع سياسات وخطط محكمة لمواجهتها للخروج ببلادها إلى بر الأمان.



