ملح الأرض .. الوقود.. أزمة الخطاب الرسمي ..

بقلم: خالد ماسا
“السودان يمتلك احتياطيًا من المواد البترولية يكفي لأسابيع، وأن الحرب في الشرق الأوسط تؤثر على السودان من ناحية أسعار الوقود فقط، دون أن تهدد توفر المواد البترولية”.. وما بين الأقواس كان هو ما جاء على لسان السيد/ المعتصم إبراهيم وزير الطاقة والنفط عبر مؤتمر صحفي الأسبوع المنصرم، ومن هنا يمكننا أن نتخيل مسؤوليات الوزارة نفسها في هذا التوقيت، وهل هي بصدد التعامل حقيقة مع وفرة الوقود من عدمها، أم إنها لم تبدأ البداية الصحيحة في تعاملها مع واقع كان يحتاج لتقديرات أكبر من الذي جاء في تصريحات الوزير.
المدرسة “الرسمية” في السودان ظلت وعلى الدوام تستلف من منطق كرة القدم خطة “الهجوم خير وسيلة للدفاع”، وكلما فتحت الصحافة عيون المواطن على الواقع الماثل أمامها رأت بأنها محتاجة لتكذيب هذا الواقع واللعب في خانة الهجوم ضد الصحافة، لصالح أن تدفع عن نفسها مسؤولية واقع لو تعاملت معه بمنطق الأشياء لا يوجد فيه ما يعيبها. فالسودان الآن ليس تلك الدولة “المنتجة” للنفط بما يحقق لها الكفاية، ولا هي تملك أدوات التحكم في سعر البرميل في ظل هذا الاضطراب بسبب الحرب وتداعياتها، وأول مؤشرات سوء إدارة الأزمة هو إنكارها.
(*) الوقود يكذب “الغطاس”..
والكثير من المواطنين الذين تنقل الصحافة واقع الحال إليهم لا يعطون المؤتمرات الصحفية للوزراء الاهتمام الكبير، لإدراكهم بأن “الميكروفون” الرسمي في العادة لا يخاطبهم، بل يرسل رسائل تخدم أغراضًا أخرى غير طمأنته على واقعه المعاش، وأن “بلاستيك” التصريحات المحشوة بغير ما هو موجود على أرض الواقع لن يصمد لدقائق أمام ما تراه العيون في الشارع العام.
وهنا، وقبل النقاش حول الفشل في إدارة الأزمة، دعونا نقول بأن هذه الطريقة الرسمية تخلق “أزمة ثقة” مطلقة بين لسان الوزارة و**”أضان”** المواطن. وتجربة الغطس في أزمة الوقود الحالية توضح إلى أي مدى كانت التطمينات الوزارية في مكانها أم إنها “غرقت” في بحر الصفوف التي تشهدها محطات التزود بالوقود في العاصمة الخرطوم، بل وتوقف معظمها عن العمل بحجج مختلفة، سواء بانعدام الوقود نفسه أو التوقف لانتظار “تسعيرة” جديدة تتناسب وتوقيت الأزمة.
إضافة إلى أن بورصة الأزمات في السودان لديها مؤشر لا تخيب توقعاته ولا يمكن “المكابرة” أمامه، ألا وهو مؤشر “السوق الموازي”. فبمجرد اختفاء الوقود في المحطات وظهوره في السوق الموازي بأسعار تفرضها الندرة يُفهم بأن هذه هي القراءة الواضحة للأزمة، وهذا ما حدث بالضبط ردًا على التطمينات التي أراد بها السيد الوزير طمأنة من استمعوا إليه، فأصاب حديثه موضع القلق.
(*) قرارات بدون دراسة ..
و**”البصمة”** التي عُرف بها القرار الرسمي في الغالب تقول بأن القرار يُتخذ، ومن بعد ذلك تبحث الجهة التي أصدرته عن قرارات أخرى لمعالجة ما نجم من مشكلات بسبب القرار الأول. وهذا عين ما حدث عندما أعلنت الوزارة عن سياسات جديدة بينها وبين شركات القطاع الخاص، قالت بأنها تهدف إلى ضمان توفر سلعة الوقود وتفادي أي نقص محتمل فيها وفق ترتيبات تنظيمية وفنية وضعتها الوزارة مع الجهات المعنية، وسمت في تصريحاتها 30 شركة تمكنت – كما قالت – من استكمال هذه الترتيبات.
القرار في عمومه أرادت به الوزارة فرض مسار استيراد شركات القطاع الحكومي نصف احتياجات البلاد من الوقود، وتتكفل الشركات الخاصة بالباقي. وبمنطق “عضل” القرار الحكومي أصرت الوزارة على قرارها ورأت بأن فيه “الصاح المطلق”، مع أن قرارات بهذه الشاكلة تتطلب قدرة على تحليل واقع الأزمة وارتباطاتها الداخلية والخارجية.
في ظل مستجد خارجي هو اشتعال الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، ودخول المنطقة والإقليم إلى دائرة التأثر المباشر في حركة نقل واستيراد النفط وارتفاع التكاليف، إضافة إلى ضرورة الإلمام الكافي بمخاطبة القرار للواقع الداخلي ومسؤولياته، والتي من المفترض أن يطلع بها حسب ما صدر من قرارات.
وأن أي اختلال في “حسبة” القرار سينتهي بقرار وسياسات الوزارة المعلنة للاصطدام بحائط الواقع الصلب، والذي يقول بأن الحاجة الشهرية للبلاد تتراوح بين 60 – 70 ألف طن متري من الوقود.
لم تُجب الوزارة على سؤال: هل سوق استيراد الوقود منظم بالأساس ولا يحتاج لسياسات جديدة كالتي أعلنتها الوزارة؟ أم أن به اختلالًا يستوجب ترتيباتها الجديدة؟ ولأن بيت الحكمة يقول بأن “العبرة بالنهايات”، فإن ما يحدث الآن وتراه العين رأي العيان يكذب كل “الحكاوي” وونسة المؤتمرات الصحفية.
الوزارة بقراراتها هذه هل تريد فعلًا أن تحقق الأهداف التي أعلنت عنها، أم تريد أن تقول بأنها فقط موجودة وأن اللوم على غيرها فيما يحدث من تسرب للوقود في السوق خارج القنوات الرسمية؟
(*) الوزارة تعرض خارج حلبة الأزمة ..
مطاردة هذا الملف في قضايا كُوِّنت آلياتها وتمت تجربتها ولم يحدث أي اختلال كالذي يحدث حاليًا تبدو معارك انصرافية. فالدولة تعلم علم اليقين بأن الحرب دمرت غالب البنية التحتية لهذا القطاع، ومن المفترض أن السؤال الذي يشغل بالها هو: في حال توفر الوقود بالطرق والوسائل المتعارف عليها، أو حتى عبر آليتها الجديدة، هل البنية التحتية المتوفرة كافية لتأمينه أو تخزينه؟
على أي أساس هدى تفكير الوزارة وعبقريتها بأن الحل في تعدد الشركات المستوردة، وأن هذا لن يكون جزءًا من المشكلة كما هو واضح الآن، وأن الوزارة ضاعت في التفاصيل قبل أن تحسم العموميات.
المصيبة ستكون في أن الوزارة لا تضع في بالها بأن الوقود – وفي زمن السلم – يمثل سلعة استراتيجية وذات تأثير على الأمن القومي، ناهيك عن ذلك أوان الحرب وارتباطها بأهم سلاسل الإمداد وقطاع النقل والتخزين. وبالتالي فإن عملية التحكم في الوقود تعني التحكم في عملية الاقتصاد اليومي.
بدلًا عن إدخال الكل في هذا المعمعان، كان الأولى للوزارة الاهتمام بالتغيرات التي حدثت في الجغرافيا النفطية في السودان بسبب الحرب، وأهمها توقف مصفاة الخرطوم وهي أكبر منشأة لتكرير النفط، إضافة إلى أعباء جديدة على هذا القطاع بانتقال مركز الإمداد النفطي إلى مدينة بورتسودان، والاعتماد كليًا في إمداد الوقود على الاستيراد عبر الموانئ. وبالتالي تتأثر عمليات الإمداد بطول وهشاشة سلاسل الإمداد بسبب ما فرضته الحرب.
وكل ما ذكرناه يوجه الإجابة على سؤال: هل أزمة الوقود الحالية هي أزمة وفرة أم هي أزمة إدارة بالمقام الأول؟ إلى تأكيد أن الأمر يمضي باتجاه عدم وجود تصورات واضحة لإدارة أزمة تكررت كثيرًا أوان السلم، وأوان الحرب باتت اختناقات الوقود معروفة.
وطالما أن الوزارة حتى الآن غير قادرة على توفير الوقود – بدليل الصفوف في المحطات – وغير قادرة على تنفيذ سياسات توزيع تحقق الكفاية وتمنع السوق الموازي، فإن تكرار البيانات الصحفية والقرارات لن يجدي نفعًا مع أزمة من هذا النوع.
ووزارة غير قادرة على ضبط الأرقام على مستوى الورق، فيكون الاحتياطي في مقام كفاية أسبوعين وفي مقام آخر أكثر من 3 شهور، الشيء الذي يعطي انطباعًا بأنه ليس هنالك تقدير مضبوط لمخزون البلاد من سلعة استراتيجية كالوقود.
أيضًا لم يستطع الخطاب الرسمي الصادر من وزارة المالية السودانية من جهة ووزارة الطاقة والنفط السودانية من جهة أخرى، بالتضارب الواضح بينهما حول حالة استقرار الإمداد وتوفر المخزون، أن يزيل المخاوف من حدوث أزمة حقيقية وتأثير فعلي للمتغيرات الدولية والإقليمية على السودان.
في الغالب ظل الخطاب الرسمي لمؤسسات الدولة في حالة احتياج دائم للسمكرة والترقيع ليتناسب والمشكلات والأزمات التي طرأت بسبب الحرب، إن لم يكن الخطاب في حد ذاته هو الأزمة بعينها، وما أزمة الوقود الحالية إلا مظهر من تمظهرات أزمة في بنية الخطاب الرسمي وصياغته.



