منى أبوزيد تكتب : بين الدولة والناس..!

هناك فرق
“في البلدان المنهكة من الحروب، يصبح النطق الرسمي بالمعلومة الصحيحة عملاً إنسانياً”.. الكاتبة..!
في الدول المستقرة أمنياً وسياسياً يبدو منصب الناطق الرسمي وكأنه وظيفة إدارية بسيطة، شخص يقف أمام الكاميرا ليشرح ما فعلته الحكومة، أو يجيب على أسئلة الصحفيين. لكن في البلدان التي تمر عبر جسور من النيران، مثل السودان اليوم، يتحول هذا المنصب إلى شيء آخر تماماً “اختبار أخلاقي، وامتحان للصدق، ومهمة شاقة تشبه المشي على حبل مشدود بين الحقيقة والأمل”..!
الخبر الذي نشرته صحيفة “العودة” بشأن عزم رئيس الوزراء على تعيين ناطق رسمي – باسم الحكومة في الأيام القادمة – بدا مقتضباً في ظاهره، عادياً في مضمونه، لكنه في الحقيقة يفتح باباً واسعاً للأسئلة. لأن السودان الآن ليس مجرد دولة تبحث عن صوت رسمي، بل وطن يبحث عن لغة تليق بجراحه..!
الناطق الرسمي في هذه اللحظة ليس مجرد ناقل أخبار حكومية، بل هو صلة الوصل بين دولة تحدُّها المعارك والمؤامرات من جميع الجهات، وشعب متعب. هو الشخص الذي يقف يومياً في منطقة حساسة بين السياسة والناس، بين ما تقرره الحكومة وما يشعر به المواطن. لذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتحول هذا المنصب إلى مجرد وظيفة علاقات عامة، بينما البلد يحتاج إلى ضمير يتكلم..!
الأخبار تنتقل اليوم أسرع من الحقيقة، والتكهنات تكبر ككرة ثلج في فضاء وسائل التواصل الاجتماعي. وفي مثل هذا المناخ، يصبح الناطق الرسمي حارساً للحقيقة من الفوضى. فكل فراغ في المعلومة تملؤه الشائعة، وكل صمت رسمي يفسره الناس بطريقتهم الخاصة..!
لكن التحدي الأكبر لا يكمن في سرعة الرد، بل في صدق الخطاب. لأن الشعوب التي تمر بتجارب قاسية، تطور حاسة دقيقة تجاه اللغة السياسية. المواطن الذي خرج من بيته أو مدينته أو قريته لا يريد بيانات باردة، ولا يريد جُملاً مصقولة تخفي الواقع. ما يريده ببساطة هو أن يشعر بأن الدولة لا تكذب عليه..!
هنا تحديداً تبدأ صعوبة الدور. فالناطق الرسمي ليس صحفياً حراً يقول كل ما يعرف، وليس سياسياً يملك حرية القرار. هو يقف في المنطقة الرمادية بين المعرفة والالتزام. يعرف أحياناً أكثر مما يستطيع قوله، ويُطلب منه أحياناً أن يقول أقل مما يعرف. ولذلك فإن التوازن بين الصراحة والمسؤولية هو أصعب امتحان في هذه المهمة..!
هنالك أيضاً تحدٍ آخر لا يقل أهمية “استعادة الثقة. فالثقة بين المواطن والدولة مرت بتجارب قاسية خلال السنوات الأخيرة وتعرضت لكثير من التآكل. والناطق الرسمي، شاء أم أبى، سيجد نفسه في الصف الأول من معركة استعادة هذه الثقة. ليس عبر الخطابات الكبيرة، بل عبر عادة صغيرة لكنها جوهرية “قول الحقيقة، حتى عندما تكون غير مريحة”..!
الناطق الرسمي الناجح يفهم أن الاعتراف بالخطأ أحياناً أكثر قوة من إنكاره. لأن اللغة التي تحاول دائماً أن تبدو مثالية تفقد مصداقيتها بسرعة في بلد يعرف مواطنوه جيداً أن الواقع أبعد ما يكون عن الكمال..!
ثم هنالك مسألة أخرى قد تبدو تقنية لكنها في الحقيقة سياسية “القدرة على ترجمة لغة السلطة إلى لغة الناس”، الحكومات غالباً ما تتحدث بلغة القرارات والإجراءات، بينما الناس يفكرون بلغة الحياة اليومية “الأمن، الخبز، العودة إلى البيوت، ومستقبل الأبناء”. والناطق الرسمي الجيد هو الذي يستطيع أن يعبر هذا الجسر بين اللغتين دون أن يفقد المعنى في الطريق..!
السودان اليوم لا يحتاج إلى صوت رسمي مرتفع، بل إلى صوت موثوق. صوت يفهم أن الكلمات في زمن الحرب ليست مجرد كلمات، بل يمكن أن تكون ضمادات لجراح الناس أو ملحاً عليها. لهذا فإن تعيين ناطق رسمي ليس مجرد خطوة إدارية في هيكل الحكومة، بل هو اختيار لنبرة الدولة نفسها. هل ستكون نبرة دفاعية متوترة، أم ستكون نبرة صادقة تحاول أن تشرح، حتى عندما لا تملك كل الإجابات..!
في النهاية، لا يستطيع الناطق الرسمي أن يغير مجرى الأحداث الكبيرة، لكن يمكنه أن يفعل شيئاً مهماً جداً “أن يمنع ضياع الحقيقة وسط الضجيج”، وفي بلد مثل السودان، هذا وحده ليس دوراً عادياً!.
munaabuzaid2@gmail.com



