ملح الأرض .. الخسائر غير المادية للحرب… ما لا تُحصيه الأرقام

بقلم: خالد ماسا
وحيث إن السودان، وحتى أبريل الحرب في العام ٢٠٢٣م، لم يكن قد شُفي تمامًا من “الندوب” التي تركتها الحرب على جسد النسيج الاجتماعي السوداني، وأن كفكف الجنوب أطرافه الجغرافية من سودان المليون ميل مربع تحت لافتة “تقرير المصير”، ليقيم دولته المستقلة بعد حرب دامت لعقود؛ اجتهد الكثيرون في تقديم إحصاءات وأرقام للتكلفة المادية لها منذ اندلاعها وحتى توقيع اتفاق السلام بين المتحاربين. عاد كل طرف منهم يلعق جراحه بفقدان آلاف البشر، وورثة دولتين مثقلتين بأوضاع اقتصادية غاية في التعقيد. ورُصدت أرقام وُضعت على طاولات مؤتمرات المانحين لجبر الضرر الذي تسببت فيه الحرب، ولم يختلف المشهد كثيرًا عن هذا عندما نزفت دارفور وولايتي النيل الأزرق وجنوب كردفان. وها نحن ذا نقف على عتبات العام الرابع من حرب أبريل، ويتقافز مبكرًا مصطلح “إعادة الإعمار”، القائم بالأساس على “الأرقام” سهلة التدوين والتجميع في كراسة الخسائر لإغلاق ملف آثار الحرب المستمرة حتى الآن.
(*) حصاد الشك
في مدينة كالخرطوم، والتي تشكّلت كعاصمة للبلاد كنتاج طبيعي لحسبة سياسية واقتصادية، وكنتاج لحروب اشتعلت في الأطراف ولقسمة “ضيزى” في السلطة والثروة، نشأ مجتمع الخرطوم بتعدده الذي يأخذ من كل منطقة في السودان وقبيلة تعددها الثقافي والإثني والديني ليصنع وجهًا اسمه وجه مجتمع الخرطوم. علّمته “العِشرة” والسنين الطوال أن يبني جدارًا من “الثقة” على الرغم من كل معاول “الهدم” التي ورثتها السياسة، ولطالما سعت لاستخدامها لضرب هذا النسيج المتماسك بالتصاهر والتزاوج وحسن الجوار.
الروايات التي خرجت من تحت ركام الحرب حتى الآن، ولم تكتمل فصولها بعد، على لسان الضحايا والمتضررين في أرواحهم وممتلكاتهم، تضرب عميقًا في نسيج الثقة وترفع من تكاليف الحرب إلى مستويات أعلى من الحسابات المادية لإعادة الإعمار.
سُمّ “خطاب الكراهية” الزعاف، بقدر ما أنه كان جزءًا من أسلحة الحرب ذات التأثير الشامل في الدمار على مستوى المشهد السياسي، فإن آثار استخدامه امتدت اجتماعيًا لتعزف على أوتار “الغبن” القائم على ردّة فعل المجتمع إلى تصنيفات القبيلة والعرق. وصارت خارطة المواقف من الحرب تعتمد على “الكنتور” الإثني والقبلي، وصار الانتماء القبلي والإثني هو وحده الذي يمثل بطاقة وجواز المرور والحركة من نقطة البراءة إلى نقطة الشك والاتهام.
الخسائر التي تكبدناها ولا نزال بسبب الاستخدام المفرط لخطاب الكراهية لا يمكن أن نجد أرقامها في ترتيبات “العودة الطوعية” والزينة “الزائفة” لاستعادة الحياة في مدن الحرب، واحتفالات إعادة افتتاح المستشفيات والطرق وعودة الوزراء والمسؤولين، بما يشبه خياطة جرح المدينة على “صديد” الكراهية الذي لم يُبقِ على الود الذي كان بين الناس قائمًا على التوادد والتراحم وحسن الظن.
الخرطوم المدينة بطابعها “الريفي”، الذي لا يخفى على كل من عاش تفاصيل حركتها الاجتماعية والثقافية، أخذت من خصال الريف ثقافة البيوت المفتوحة والتداخل العفوي، وصنعت لنفسها ذلك المزيج الخاص القائم على الثقة التي قتلها الرصاص والتجارب التي عاشها الكل في أيام الحرب.
(*) الحواضن الاجتماعية
المدارس والمعسكرات الداعمة لاستمرار الحرب لا ترى بأن في السلاح كفاية لاستمرار الحرب لأطول فترة ممكنة، لتحقيق غايات أبعد من النصر العسكري المجرد إلى غايات متعلقة بضرورة ضمان عدم توقف حريقها بسكوت صوت الرصاص.
صعد نجم مصطلح “الحواضن الاجتماعية” واستخداماته بعناية لخدمة الخسائر غير المادية لحرب أبريل، وتعريفه في حده الأدنى يقصد به البيئة المجتمعية التي تمنح طرفًا مسلحًا من أطراف الحرب نوعًا من الدعم أو الشرعية، سواء كان هذا الدعم دعمًا سياسيًا أو اقتصاديًا أو حتى دعمًا قبليًا.
قد لا ينتبه الكثيرون لخطورة الخسائر التي يسببها هذا الاستخدام لتعبير “الحواضن الاجتماعية” في سياق حرب كالحرب التي اشتعلت في السودان، وأن هناك من المحللين والمتابعين للحرب يتساهل بإفراط مع تبرير الانتهاكات القائمة على أساس تصنيف الحواضن الاجتماعية. وصارت منصة الأحكام الجماعية هي الأسهل بناءً على خارطة توزيع الحواضن الاجتماعية، لتكون بعد ذلك ردات الفعل قائمة على الموقف الجمعي الذي لا يستثني الفرد من مسؤولية ما ارتكبته الجماعة.
وعلى ضوء ذلك صارت التركيبة الاجتماعية في السودان تخسر يومًا بعد يوم كل ما من شأنه أن يعزز تماسكها الذي كان آخذًا في البناء، ولو بوتيرة بطيئة، لولا انقطاعه لعوامل متعلقة بالسياسة والحرب. ولم يعد خافيًا على أحد بأن الحل في ذهن العجز السياسي، في كثير من الأحوال، صار مرتبطًا بإعادة ترسيم جغرافيا السودان وفقًا لخطوط عرض وطول الحواضن الاجتماعية وتخيّلات دولة “النقاء العرقي”.
حتى الدعوات التي كان فيها مدعاة للخجل من ذكرها على الملأ وفي المنصات العامة لفقدانها لمعايير الأخلاق والاتساق المعرفي والديني، كان في حرب أبريل الباب لدخولها لدعوات النادي السياسي ومنصات التحريض القائم على فكرة الحواضن الاجتماعية لإشباع شهوات العنصرية والتغابن الاجتماعي وتغذية مخازن وقود الحرب لتكون قابلة للاشتعال متى ما فكّر الناس في إطفائها.
للأسف لم يتوقف الاستخدام السيّئ لفكرة الحواضن الاجتماعية في حدود التحشيد والدعم المعنوي، بل امتد إلى رسم صورة عن بيئات داعمة للتجنيد وتوفير شبكات الإمداد وخلق نوع من الشرعية الرمزية وتشكيل الرأي العام بناءً على هذه الأفكار، بحيث لم يعد بالإمكان الحديث عن المجتمع السوداني بعيدًا عن خارطة الشر التي كان أساسها نظريًا قائمًا على ما ذكرناه من مستجدات في استخدام فكرة الحواضن الاجتماعية أثناء الحرب.
هناك حقائق لا يمكن القفز فوقها، وهي أن بعض الروابط القبلية في السودان لعبت دورًا ظاهرًا في توفير الإسناد وتوفير المقاتلين والحماية وتعبئة خطاب الحرب، وهذا في أصوله يرجع لتراجع خطاب الوعي والتنوير وانتشار الجهل المساعد على النعرات. وما حدث بالضرورة يجب ألا يحمل الناس على أحكام بأن القبيلة أو المجتمع المحدد يجب أن يؤخذ بجريرة الآخرين.
وإن كانت المحاكم والقضاء السوداني قادرين على أن يدفعا عن نفسيهما تهمة سنّ ما تم تداوله تحت اسم “قانون الوجوه الغريبة”، إلا أن الوقائع أثناء الحرب تقول بأن هناك سلوكًا عدائيًا صار آخذًا في الانتشار في المجتمعات السودانية التي عرفت الحرب بسبب قانون “غير مكتوب”، ولم يتم النص عليه في التشريع، إلا أن أحكامه صارت نافذة، إن لم تكن جنائيًا فهي كالوصمة الأخلاقية في المجتمع؛ الشيء الذي دفع الكثيرين لدفع تكاليف الحرب دون ذنب جنوه سوى أنهم تحت تصنيف اجتماعي قائم على فكرة الوجوه الغريبة. وحتى بعد الحرب لن ينتهي تأثير هذا القانون بين المجتمعات، ولن تكفي كل الأموال المرصودة لإعادة الإعمار لرتق النسيج الذي تمزق بسبب هذه الأفكار.
وبسبب هذا كله فإننا سنجد أنفسنا أمام خسائر كثيرة قد لا تظهر في قائمة إحصاءات خسائر حرب السودان، وفي مقدمتها التآكل في فكرة الدولة نفسها بمفهومها الحديث والمتطور، والتراجع لصالح مفهوم القبيلة والمجتمعات المحلية وشبكات الحماية غير الرسمية، والاستعاضة بها عن المؤسسات الوطنية.
(*) الحرب ذاكرة المدن
والأثر المادي للحرب يمكن تحسس مواضعه في آثار القصف والرصاص ودخان الحرائق التي طالت المباني، والتي يمكن لأموال إعادة الإعمار بناؤها وإعادة طلائها بألوان تتناسب ومرحلة ما بعد الحرب. إلا أن ما ضاع بسبب الحرب من الذاكرة الاجتماعية التي خلقتها الشعوب في المقاهي والشوارع والمناسبات المشتركة، وفي ملاعب كرة القدم والمسارح والأغنيات، ليس من السهل إعادة صناعته في اليوم التالي للحرب والأيام التي تتلو مؤتمرات المانحين؛ لأن هذا النوع من ذاكرة المدن والمجتمعات كان نتاج تراكم وتداخل بنته سنوات السلم حيث التطور الطبيعي لذاكرة الشعوب.
دخان الحرب الكثيف يخلق ذاكرة مشوشة يصعب معها التئام جديد لمكونات المجتمع وإنشاء وجدان جديد للشعب السوداني تطربه كلمات الأغنيات ويرقص على أنغام إيقاعات طابعها التنوع الثر، وتعبر عن عادات وتقاليد وقيم يشترك المجتمع في احترامها. فالحرب منذ اندلاعها عملت على تجريف الحياة من كل مظاهرها وتماسكها ودلائل صحة المجتمع فيها.
لتجارب “النزوح” و”اللجوء” بسبب الحرب ركن خاص في “دولاب” ذاكرة الشعب السوداني، ومتى ما أراد أن يتزيأ للأيام سيجد جلباب وثوب التجارب المريرة والقاسية، وألوان الحرب هي التي تسيطر على مزاجه العام لتعلو فوق المواقف المضيئة في ذات أحوال النزوح واللجوء.
جيل بأكمله ستنمو أسنان ذاكرته في هذه الحرب؛ اسمه جيل الحرب، بتجاربها العنيفة وتجارب ومآسي النزوح واللجوء والفقدان والخوف المستمر والتعرض لجرعات الكراهية المسمومة وأمراض الحرب وشلل التفكير المنطقي أثناء الحروب، وفوق ذلك فقدان التعليم، ليصبح مؤهلًا لأن يكون أحد أكبر خسائرنا غير المحسوسة في حرب أبريل المستمرة لأعوام.
قد يظن البعض بأن نجاة الأرواح من الموت بسبب الحرب هو سدرة منتهاهم، إلا أن الحرب في السودان أصابت منتهاها عندما تفرقت الأسرة الواحدة بين مدن النزوح واللجوء وهجرات البحث عن مصادر للرزق والوطن البديل، لا تجمعهم مائدة طعام ولا سرادق عزاء. يُدفن العزيز منهم بلا معزين وبلا شواهد على القبور.
الخسائر في حرب السودان سنتعرف عليها حال اطلاعنا على أحوال المشهد الثقافي وسيادة ثقافة الحرب في المشهد ولغتها، وانحسار دور صحافة الوعي والتنوير لصالح انتشار المحتوى الركيك والسطحي والخالي من كل ما هو مفيد للمتلقي، وصعود نجوم مسرح الابتذال في كافة مناحي الحياة على حساب المحتوى الجاد والهادف، واستبدال كل أدوات الوعي في الحياة العامة من مسرح وموسيقى وندوات وقراءات شعرية وثقافية ودينية بأدوات تتناسب والوعي المطلوب لاستمرار الحرب.
(*) فقدان الشعور بالأمان
والأمان هو “بوصلة” الشعوب التي تعاني من ويلات الحرب عند البحث عنه في مدن “النزوح” أو في منافي “اللجوء”، وهو أول شيء تسقطه الحرب ويحل محله الخوف والصدمة الاجتماعية. ويبقى الخوف ليس شعورًا لحظيًا مرتبطًا بسماع صوت المدافع والرصاص، بل هو متلازمة يصعب التخلص منها بسهولة أو في وقت قريب بعد انتهاء الحرب. ولا يمكن وضع قيمة مادية تقابل خسارة الإحساس الداخلي بالأمان لدى المواطنين، وإن توفرت مظاهره المادية.
الخسائر غير المادية جراء الحرب هي التي تظل آثارها مستمرة، ولا يمكن بالأساس حساب تكاليفها عند الشروع في خطط إعادة الإعمار. وبالضرورة لا تستقيم المباني بدون استقامة المعاني التي قام عليها المجتمع السوداني. ولابد، وبقدر ما أن التفكير مشغول الآن بمشروعات العودة الطوعية وتشييد ما دمرته الحرب، أن نولي خسائرنا المذكورة تلك الاهتمام اللازم، وأن نضع في الاعتبار بأنها الخسائر ذات التكلفة العالية والمستمرة. وإنه بجبر الكسور المركبة في الخاطر والوجدان السوداني يتعافى السودان ويتعافى شعبه من آثار حرب دخلت في اللحم الحي.



