هناك فرق // منى ابوزيد  (نفس الأخطاء..!) 

“ارتقاء الوعي هو المقص الذي يقطع دورة الأخطاء”.. الكاتبة..!

الإنسان يميل إلى تكرار أخطائه، وكأن الزمن يضع له نسخة جديدة من نفسه في كل مرة، فيعيد تجربة ما يعرفه، رغم أنه يعرف النتيجة مسبقاً. يختار الأشخاص، ويقرر الخيارات، ويقف في نفس الزوايا، ثم يدهش لأن النهاية مألوفة..!

التكرار هنا ليس سذاجة، بل نوع من الالتصاق المألوف، فالخطأ الذي اعتدناه يمنحنا شعوراً مؤقتاً بالأمان، ولو كان الألم جزءاً منه. الأخطاء تصبح مأوىً غريباً، كمن يعود إلى بيت مهجور لأنه وحده يعرف كيف يتصرف داخله، رغم أنه محطم من الداخل..!

الغريب أننا نكرر هذه الأخطاء بوجوه مختلفة، لنخدع أنفسنا قليلاً نعتقد أننا نسلك طرقاً جديدة، بينما الروح تعيش نفس المعاناة القديمة. الوجه الجديد قد يكون صديقاً، علاقة، قراراً، وظيفة، أو أي شكل من أشكال الحياة اليومية، لكنه يعكس في جوهره نفس الثغرات ونفس المخاوف ونفس الحاجة إلى التأكيد على الذات..!

تكرار الأخطاء ليس مجرد سلوك عفوي، بل ظاهرة تمتد إلى أعماق النفس البشرية. تحدث فرويد عن “تكرار الإكراه”، ذلك الميل اللاواعي لإعادة أحداث مؤلمة من الماضي، كأن الروح تبحث عن فرصة لإصلاح ما لم يُصلح، بينما العقل الواعي يشاهد نفسه تعود إلى نفس الفخ مرة أخرى..!

كارل يونغ يسمي هذا جزء النفس المكبوت “الظل” الذي يظهر في حياتنا كل مرة في صورة جديدة، ويجعلنا نكرر المواقف نفسها، والعلاقات نفسها، كأننا نحاول مواجهة ما نفقد القدرة على مواجهته في داخلنا..!

من منظور فلسفي يذكرنا نيتشه بفكرة الأبدية المتكررة، التي تقول إن الحياة تعيد نفسها في حلقات لا تنتهي، وأن كل تجربة، كل خطأ، سيعود ليعيد نفسه، ليس لتزيدنا عذاباً، بل لتمنحنا فرصة الوعي والخروج من دائرة المألوف. وحتى شوبنهاور يرى أن الإنسان يتبع رغباته نفسها بلا وعي، ليجد نفسه عاجزاً عن كسر دورة المعاناة إلا حين يختار التوقف والتأمل في إرادته الداخلية..!

في هذا التكرار تكمن مفارقة الإنسان الذي يشكو من النتائج نفسها التي صنعها بنفسه. كل خطأ يمر كدرس لم يُستوعب، وكل صدمة تُنسى بسرعة، كما لو أن ذاكرة الروح تختار أن تنسى ألم الماضي لتعيده مرة أخرى. هذه الدورة تبدو بلا نهاية، إلا إذا استيقظ الإنسان وبدأ بالوعي الحقيقي، بالنظر بعمق إلى سبب كل خطأ، وبالتساؤل عن مكان الخوف الحقيقي الذي يدفعه إلى العودة إلى المألوف..!

الذين يكررون الأخطاء ليسوا عاجزين عن التغيير، بل يفتقرون إلى الشجاعة لمواجهة الحقيقة الصامتة التي مفادها أن الأخطاء ليست أحداثاً منفصلة، بل انعكاسات لمعتقداتهم الخفية، لمخاوفهم، للطريقة التي يحمون بها أنفسهم. حين يدرك الإنسان هذا، يصبح قادراً على كسر الحلقة، على اختيار الطريق الواعي، على رؤية الحياة كما هي، لا كما اعتاد أن يراها من خلال مرآة المألوف..!

مواجهة الأخطاء بوعي ليست مجرد تصحيح للماضي، بل اكتشاف لطبيعة الإنسان نفسها. أن تفهم لماذا تكرر، وأن ترى كيف تصنع من الألم مرشداً لحياتك، هو بداية أن تصبح شخصاً مختلفاً في كل مرة، حتى لو بدا العالم كما هو..!

وهنا تتكشف القدرة الحقيقية، ليس في تجنب الخطأ، بل في تحويله إلى فرصة للحرية الداخلية، وللعيش بوعي أكبر، وللتحرر من دورة المألوف التي كانت على الدوام قيداً صامتاً!.

munaabuzaid2@gmail.com

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى