حين تختلط الجبهات: حرج المواقف في زمن الحروب الكبرى

بقلم: الفريق أول يحي محمد خير احمد
لم تعد الحروب في عالم اليوم مجرد مواجهة عسكرية واضحة المعالم بين طرفين متقابلين. لقد أصبحت شبكة معقدة من المصالح والتحالفات والخصومات المتداخلة، بحيث يصعب أحيانًا على المراقب أن يحدد بدقة من يقف مع من، ومن يعارض من. فالحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى لم تبقَ محصورة في حدودها العسكرية، بل امتدت تداعياتها لتصيب بنية العلاقات السياسية في المنطقة كلها.
هذه الحرب خلقت واقعًا سياسيًا شديد التعقيد، ووضعت كثيرًا من الدول في مواقف محرجة، بل أحيانًا متناقضة. فالمصالح المتشابكة والصراعات المحلية تجعل بعض المواقف تبدو غريبة أو غير مفهومة عند تحليلها.
ولعل ما يجري في اليمن مثال واضح على هذا التعقيد. فالحكومة في عدن تقاتل جماعة الحوثي المقربة من إيران، في معركة طويلة ومؤلمة. لكن في الوقت نفسه هناك اتهامات متزايدة لدولة الإمارات بالسعي إلى بسط نفوذها على بعض الموانئ والجزر اليمنية. وهنا تظهر المفارقة: فبينما يقاتل اليمنيون الحوثيين المدعومين من إيران، قد يشعر بعضهم بالارتياح عندما تتعرض الإمارات لضربات إيرانية، ليس حبًا في إيران، بل رفضًا لما يرونه تدخلاً في شؤون بلدهم.
أما في السودان، فالمشهد لا يقل تعقيدًا. فقد تعرضت البلاد لأضرار جسيمة نتيجة دعم الإمارات لمليشيات مسلحة، وهو أمر تقول الحكومة السودانية إن الأدلة عليه أصبحت واضحة. وفي المقابل أعاد السودان علاقاته الدبلوماسية مع إيران بعد سنوات من القطيعة. وهنا يبرز سؤال سياسي حساس: كيف يمكن للسودان أن يوازن بين موقفه من الإمارات وبين علاقاته الجديدة مع إيران، خاصة إذا تعرضت الإمارات لهجوم صاروخي إيراني؟
وقد بدا هذا الحرج واضحًا في البيان الرسمي الذي أصدره السودان، حيث أعلن دعمه للدول العربية، لكنه لم يذكر الإمارات بالاسم. وربما كان ذلك محاولة للسير بحذر وسط حقل ألغام سياسي شديد الحساسية.
وفي لبنان نجد نموذجًا آخر لهذا التشابك، حيث يقف حزب الله المدعوم من إيران في مواجهة إسرائيل، بينما يجد لبنان نفسه دائمًا في قلب صراع إقليمي يتجاوز قدرته وحدوده. فالدولة اللبنانية كثيرًا ما تضطر إلى التعامل مع واقع معقد تتداخل فيه حسابات الداخل مع صراعات الإقليم.
وسط كل هذه التعقيدات قد يتذكر البعض تلك النكتة الشهيرة للفنان المصري عادل إمام عندما قال ساخرًا:
“والله إحنا مش عارفين… إحنا مرة مع دول ومرة مع دول!”
ورغم أن العبارة جاءت في سياق كوميدي، فإنها تعكس بدقة حالة الارتباك السياسي التي تعيشها بعض الدول في زمن الصراعات الكبرى، حيث تصبح المواقف أحيانًا رهينة للظروف والضغوط والمصالح المتغيرة.
إن الحروب الكبرى لا تعيد رسم خرائط المعارك فقط، بل تعيد أيضًا تشكيل التحالفات والعلاقات بين الدول. وفي كثير من الأحيان تضع الحكومات أمام خيارات صعبة، حيث تحاول الحفاظ على توازن دقيق بين المبادئ السياسية والمصالح الوطنية.
وفي نهاية المطاف تبقى الحقيقة الأكثر إيلامًا أن الشعوب غالبًا ما تدفع الثمن الأكبر لهذه الصراعات، بينما تستمر لعبة المصالح في رسم ملامح السياسة الدولية. وربما يكون السؤال الأهم اليوم ليس فقط من يقف مع من، بل إلى أين يقود هذا العالم المتشابك من الصراعات والتحالفات المتبدلة.



