منى ابو زيد تكتب: إرهاق نفسي وتعب جماعي..!

هناك فرق..
“التعب ليس موقفاً سياسياً لكنه أحياناً يكون القوة الخفية التي تصنع المواقف”.. الكاتبة..!
تتآكل قدرة الناس على الغضب، وعلى الحلم، وعلى الدفاع عن أفكارهم بنفس الحماسة القديمة عند استمرار الحروب. شيئاً فشيئاً يصبح التعب نفسه قوة سياسية خفية، قوة لا تُعلن نفسها في المؤتمرات ولا تُكتب في البيانات، لكنها تتحرك في الشوارع والبيوت والقلوب بصمت شديد..!
فالحرب، حين تطول، لا تنتج فقط الخراب والدمار، بل تنتج حالة نفسية عامة يمكن أن نسميها التعب الجماعي. وهو تعب يجعل الناس أقل حماسة للنقاش، أقل استعداداً للاصطفاف، وأقل رغبة في خوض معارك جديدة حتى وإن كانت عادلة..!
التعب هنا ليس مجرد إرهاق جسدي، بل حالة عميقة من الإنهاك الوجودي. أن تستيقظ كل يوم على أخبار الحرب، وأن تعيد ترتيب حياتك حول احتمالات الخطر، وأن تواصل القلق على من تحب. هذا كله يستهلك من الروح طاقة هائلة. ومع الوقت يبدأ الإنسان في البحث عن أبسط أشكال السلام، حتى لو كان سلاماً مؤقتاً أو ناقصاً..!
ولهذا السبب تظهر في المجتمعات التي تعيش الحروب الطويلة ظاهرة يمكن تسميتها بسياسة التعب.
فالناس لا يتخذون مواقفهم السياسية دائماً انطلاقاً من قناعات فكرية خالصة، بل أحياناً بدافع بسيط للغاية “الرغبة في أن تتوقف الفوضى، بأي شكل”..!
سياسة التعب لا ترفع شعارات كبرى. هي لا تتحدث كثيراً عن النصر والهزيمة، ولا تدخل في جدالات أيديولوجية معقدة. ما تقوله ببساطة هو كفى. كفى حرباً، كفى نزوحاً، كفى أخباراً ثقيلة على القلب.
لكن المفارقة هي أن هذا التعب يمكن أن يصبح أداة سياسية بحد ذاته..!
معظم القوى المتصارعة في كثير من الأحيان تراهن على إنهاك المجتمع حتى يصل إلى لحظة يرضى فيها بأي مخرج. ليس لأن الناس اقتنعوا به، بل لأن طاقتهم على الرفض قد استُنزفت. وهنا يكمن الخطر. حين يتحول التعب إلى أساس للقرار السياسي، يصبح المجتمع مستعداً لقبول حلول لم يكن ليقبلها في لحظة صفاء وقوة. ليس لأن تلك الحلول عادلة بالضرورة، بل لأن الإنسان المرهق يبحث عن أقرب باب للخروج من الجحيم..!
ومع ذلك، لا ينبغي النظر إلى التعب دائماً بوصفه ضعفاً. فالتعب أيضاً لحظة صدق نادرة. لحظة يتعرى فيها الخطاب السياسي من زخرفته، وتبقى الأسئلة الأساسية فقط “كيف يعيش الناس، وكيف يتوقف هذا الألم الطويل..!
في هذه اللحظة يدرك المجتمع شيئاً مهماً هو أن السياسة ليست فقط صراعاً على السلطة، بل مسؤولية عن حياة البشر العاديين الذين يدفعون ثمن كل شيء.
لذلك فإن المجتمعات التي تمر بتجربة التعب الجماعي تخرج غالباً بنوع مختلف من الوعي.
وعي أقل ضجيجاً، لكنه أكثر حساسية تجاه معنى الاستقرار ومعنى السلام..!
التعب رغم قسوته، يعلّم الناس درساً بسيطاً لكنه عميق “أن الأوطان لا تحتاج فقط إلى الشجاعة في زمن الحرب، بل تحتاج أيضاً إلى الحكمة في اللحظة التي يقرر فيها الجميع أن يتوقفوا عن القتال!.
munaabuzaid2@gmail.com



