رسالة في بريد رئيس حكومه الامل : الاستقرار الإداري.. الشرط الأول للنجاح

بقلم: يحيى محمد خير احمد

منذ ما سُمِّي بالتغيير في عام 2019، شهدت الدولة موجة متلاحقة من التعيينات والإعفاءات في الوظائف العليا. لم تقتصر هذه التغييرات على الوزارات فحسب، بل امتدت إلى الولايات، ومجالس إدارات الشركات الكبرى، والبنوك، وشركات التأمين مجالس ادارات الجامعات. ثم جاءت مرحلة جديدة بعد اتفاق جوبا للسلام التي فرضت واقعًا سياسيًا وإداريًا مختلفًا، أعادت من خلاله موازين القوى داخل مؤسسات الدولة.

ومع اندلاع الحرب في السودان 2023، تعرّضت الدولة لهزة عميقة انعكست على مؤسساتها، فغابت حكومات، وتعطلت إدارات، وتبدلت مواقع قيادية في فترة زمنية قصيرة. وفي ظل هذه الظروف جاء اختيار كامل إدريس رئيسًا للوزراء، فباشر تشكيل حكومة جديدة حملت آمالًا واسعة لدى المواطنين الباحثين عن الاستقرار بعد سنوات من الاضطراب.

غير أن المشهد الإداري ما زال يشهد قرارات متلاحقة من التعيين والإعفاء. فقد صدر مؤخرًا قرار بإعفاء وزيرة مجلس الوزراء الدكتورة لميا عبد الغفار، ومعها مستشاران، أحدهما لم يكمل شهرًا واحدًا منذ تعيينه. مثل هذه الوقائع تعيد طرح السؤال الجوهري: كيف يمكن لمؤسسات الدولة أن تخطط وتعمل وتنجح في ظل هذا القدر من التبدل المستمر في مواقع القيادة؟

إن الإدارة الحديثة تقوم على مبدأ واضح: الاستقرار الإداري شرط أساسي لنجاح المؤسسات. فالمؤسسة لا تُبنى بالقرارات المتقلبة، ولا تتقدم بتغيير القيادات على فترات قصيرة، لأن كل إدارة تحتاج إلى وقت كافٍ لتفهم الملفات، وتضع الخطط، وتبدأ التنفيذ، ثم تقيم النتائج.

والتجارب العالمية تؤكد أن الدول التي نجحت في بناء مؤسسات قوية لم تفعل ذلك بكثرة التعيينات، بل بحسن الاختيار أولًا، ثم بإتاحة الفرصة للقيادات كي تعمل ضمن رؤية واضحة وأهداف محددة. فالتخطيط الاستراتيجي يحتاج إلى استقرار، والاستثمار يحتاج إلى ثقة، والثقة لا تنمو في بيئة إدارية مضطربة.

المقلق في واقعنا أن بعض القوى السياسية ما زالت تنظر إلى المناصب باعتبارها غنيمة سياسية أو وسيلة لتوزيع “الكعكة”، بينما الأصل أن تكون الوظائف العليا مسؤولية وطنية تُمنح لأصحاب الكفاءة والخبرة والقدرة على الإنجاز.

إن المطلوب اليوم ليس فقط تغيير الأشخاص، بل تغيير منهج الاختيار.

وهذا يقتضي عدة خطوات واضحة:

اعتماد معايير مهنية صارمة في اختيار القيادات العليا، تقوم على الكفاءة والخبرة والسجل العملي.

إبعاد المناصب التنفيذية عن الصراعات السياسية قدر الإمكان، حتى تعمل المؤسسات بعقل الدولة لا بعقل الأحزاب.

وضع مدة زمنية معقولة لتقييم الأداء قبل اتخاذ قرارات الإعفاء أو التغيير.

بناء نظام مؤسسي للتخطيط والمتابعة يضمن استمرار السياسات حتى مع تغير الأشخاص.

إن الاستقرار الإداري ليس مجرد شعار، بل هو الطريق الأقصر للوصول إلى الغايات وتحقيق النجاحات. فالمؤسسات القوية لا تُبنى بالعجلة، بل بالصبر، والرؤية الواضحة، والاختيار الصحيح.

واليوم تتجه الأنظار إلى رئيس الوزراء كامل إدريس وحكومته التي سُمِّيت بـ “حكومة الأمل”. والأمل الحقيقي لا يتحقق بكثرة القرارات، بل ببناء مؤسسات مستقرة وقادرة على العمل والإنتاج.

فإذا نجحت الحكومة في ترسيخ مبدأ الاختيار على أساس الكفاءة والاستقرار في الإدارة، فإنها تكون قد وضعت حجر الأساس لدولة قوية ومؤسسات فاعلة. أما إذا استمر مسلسل التغييرات المتعاقبة، فإن الدولة ستظل تدور في حلقة مفرغة من القرارات دون أن تصل إلى النتائج التي ينتظرها الشعب.

فالدول تُبنى بالمؤسسات… والمؤسسات لا تُبنى إلا بالاستقرار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى