من صناعة الحرب إلى أزمة الحياد: هل تغيّرت معادلة الخليج بعد حرب إيران؟
*الجزء الرابع: حين سقط وهم الحماية: انكشاف الهشاشة الخليجية*

*بقلم. صباح المكي*
إذا كان الجزء الثالث قد انتهى إلى أن الحياد الخليجي سقط تحت النار، فإن الجزء الرابع يبدأ من سؤال آخر: ماذا يحدث لدولة، ولمجالٍ إقليمي كامل، حين تسقط الفرضيات التي نظّمت أمنه وازدهاره لعقود؟
ولعلّ أكثر ما يفضح طبيعة هذه اللحظة أن عُمان، الدولة التي كرّست موقعها وسيطًا وعنوانًا للتهدئة، خرجت لتقول بوضوح، على لسان وزير خارجيتها بدر البوسعيدي، إن الحرب على إيران غير مشروعة، وإن منطقها يتجاوز الذريعة النووية إلى إعادة تشكيل الإقليم نفسه. وهذه ليست ملاحظة عابرة. ففكرة تفكيك العالم العربي، والخليج ضمنه، إلى كيانات أصغر، أو إلى وحدات مرسومة على أسس طائفية وإثنية، ليست غريبة عن الأدبيات التي عرفتها المنطقة: من نص أوديد ينون عام 1982، إلى خرائط رالف بيترز في «حدود الدم»، إلى ما يُتداول سياسيًا تحت مسميات مثل «خطة برنارد لويس» أو «خريطة الشرق الأوسط الجديد». وقد تتفاوت درجة التوثيق بين هذه النماذج، لكن القاسم المشترك بينها واحد: النظر إلى المنطقة لا بوصفها كيانات مستقرة ذات سيادة، بل بوصفها جغرافيا قابلة لإعادة التشكيل كلما اقتضت موازين القوة ذلك.
ومن هذا المنظور، لا تبدو الحرب مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل لحظة كاشفة لهشاشة بنية إقليمية ظلّ يُنظر إليها بوصفها قابلة دائمًا لإعادة الصياغة من الخارج. ولذلك، فإن قلق الخليج اليوم لا يتعلق فقط بالصواريخ والقواعد والتحالفات، بل أيضًا بالسؤال الأعمق: كيف يتفادى أن يتحول، في خرائط الآخرين، إلى مادة لإعادة التقسيم، أو إلى مسرح لإدارة التوازنات على حساب وحدته واستقراره؟
*ما بعد الحياد*
مع انقشاع الدخان، لم تجد دول الخليج نفسها أمام أزمة عابرة، بل أمام نهاية مرحلة كاملة. فالحرب التي سعت طويلًا إلى تأجيلها أو تحييد نفسها عنها وصلت إلى أبوابها، وكسرت الفرضيات التي قام عليها تموضعها لعقود: أن التحوّط يحمي، وأن الغموض ينفع، وأن الازدهار يمكن عزله عن الجغرافيا السياسية، وأن المظلة الأمنية كافية لردع النار أو إبقائها على مسافة.
هذه المرة، كُتب الدرس باللهب والحطام.
اكتشفت الإمارات والبحرين أن اتفاقيات إبراهام لم تكن حصانة، بل مصدر انكشاف إضافي. واكتشفت الكويت أن الحياد الصارم، وغياب التطبيع، والحذر الدبلوماسي، لا يصنع ملاذًا آمنًا حين تدخل إيران منطق التهديد الوجودي. أما الخليج كله، فقد واجه الحقيقة الأكثر قسوة: لا يوجد مكان آمن للوقوف.
لقد انهارت استراتيجية التحوّط التي قامت على إبقاء جميع القنوات مفتوحة، وتأجيل الحسم في التموضع، والاعتقاد بأن الوقوف في المنتصف يكفي لتفادي العاصفة. لكن في زمن القوة الصلبة، لم يعد هذا المنتصف قائمًا أصلًا. وعندما يُعاد تشكيل الإقليم بلغة الصواريخ والقواعد والردع، لا يعود الغموض حماية، ولا يعود الحياد سياسة قابلة للحياة.
وما انتهى في هذه الحرب لم يكن مجرد وهم الأمان، بل الصيغة الخليجية نفسها كما تشكلت خلال العقدين الماضيين: صيغة حاولت الجمع بين الشراكة والإنكار، وبين الاستضافة العسكرية وتجنب كلفتها، وبين الازدهار والاعتقاد بإمكان الاستثناء من الصراع. وقد ثبت الآن أن هذه المعادلة فقدت قابليتها للاستمرار.
فالحياد، في الخليج، لم يعد استراتيجية. لقد أصبح بقايا مفهوم سقط تحت النار.
*عدو عدوي ليس صديقي*
غير أن هذه الحاجة الدفاعية نفسها وضعت دول الخليج أمام مفارقة شديدة الإحراج. فمع تصاعد المواجهة، بدا واضحًا أن الولايات المتحدة وإسرائيل تدفعان، كلٌّ بطريقتها، نحو توسيع دائرة الاصطفاف الإقليمي في مواجهة إيران. لكن العواصم الخليجية، بدل أن تنخرط بسهولة في هذا المسار، بدت أكثر ميلًا إلى احتواء الحرب لا الالتحاق بها، وأكثر حرصًا على تجنب التحول إلى طرف مباشر في مواجهة مفتوحة قد ترتد عليها قبل غيرها.
بهذا المعنى، لم تكشف الحرب عن تحالف مريح بقدر ما كشفت عن فجوة في الحسابات. فواشنطن وتل أبيب نظرتا إلى الخليج بوصفه عمقًا استراتيجيًا ينبغي أن يكون جزءًا من معادلة الردع، بينما نظرت دول الخليج إلى المشهد من زاوية مختلفة تمامًا: كيف تتفادى أن تصبح ساحةً للحرب، أو منصةً لها، أو هدفًا من أهدافها.
ومن هنا، لا يعود السؤال ما إذا كان عدو العدو قد أصبح صديقًا، بل ما إذا كانت لحظة الخطر قد تُستخدم لفرض اصطفافات لا تريدها العواصم الخليجية أصلًا. فإسرائيل، مهما تقاطعت معها بعض المصالح الظرفية في مواجهة إيران، لا تتحول تلقائيًا إلى شريك سياسي مريح أو مقبول. ذلك أن كلفة الاقتراب منها علنًا تبقى مرتفعة، لا سيما في ظل الغضب الشعبي العربي من الحرب على غزة ومن السياسات الإسرائيلية في المنطقة.
لذلك، قد تخلق الحرب ضغوطًا باتجاه التلاقي أو الاصطفاف، لكنها لا تلغي التناقضات، ولا تنتج ثقة، ولا تمنح شرعية. وقد يكون عدو العدو مفروضًا في حسابات التهديد، لكنه لا يصبح بالضرورة صديقًا في السياسة.
*هشاشة المعجزة الاقتصادية*
ولم يتوقف أثر هذا الانكشاف عند حدود التموضع السياسي والعسكري، بل امتد إلى الأساس الاقتصادي الذي بُنيت عليه صورة الخليج الحديثة. فالحرب لم تكشف فقط هشاشة الحياد الخليجي، بل كشفت أيضًا هشاشة النموذج الاقتصادي الذي استند إليه. فعلى مدى سنوات، عملت السعودية والإمارات وقطر على إعادة تعريف نفسها، لا بوصفها مجرد دول مصدّرة للطاقة، بل باعتبارها مراكز عالمية للسياحة والمال، والطيران، والاستثمار والخدمات. غير أن هذا التحول كله كان يفترض شرطًا سابقًا غير معلن: أن يبقى الإقليم قابلًا للإدارة، وأن تبقى الحرب بعيدة عن صورة المدينة الخليجية اللامعة. بعبارة أخرى، كان هذا النموذج يعتمد، في جوهره، على غياب الحرب.
فعندما تتعرض مطارات دبي للتهديد، وعندما يتعطل إنتاج الغاز الطبيعي المسال في قطر، وعندما تضاء سماء الرياض بآثار الصواريخ الاعتراضية، لا تكون المسألة مجرد أضرار مادية أو اضطرابات عابرة، بل ضربة مباشرة للفكرة التي قامت عليها هذه المعجزة الاقتصادية نفسها: فكرة الاستقرار المضمون داخل إقليم مضطرب. هنا يبدأ رأس المال في إعادة الحساب، وترتفع تكاليف التأمين، وتتآكل صورة “الملاذ الآمن” التي استثمرت فيها هذه الدول لسنوات بوصفها أصلًا سياديًا لا يقل أهمية عن النفط نفسه.
بهذا المعنى، لم تكن الحرب مجرد تهديد أمني للاقتصاد الخليجي، بل اختبارًا قاسيًا للأساس الجيوسياسي الذي يقوم عليه مشروع ما بعد النفط. فما بُني على فرضية الفصل بين الاقتصاد والجغرافيا السياسية، اكتشف فجأة أن هذا الفصل كان مؤقتًا أكثر منه حقيقيًا. وحين يصبح الأمن المادي نفسه موضع شك، تنكشف هشاشة الأبراج والموانئ وشبكات الطيران ومشاريع الاستثمار الكبرى، لا باعتبارها إنجازات مكتفية بذاتها، بل باعتبارها بنى شديدة الحساسية لأي اختلال استراتيجي واسع. لقد انتهى وهم أن الازدهار يمكن أن يُدار بمعزل عن توازنات الحرب.
*العقد الاجتماعي المتغير*
لم تتوقف آثار هذه الحرب عند حدود القواعد والمنشآت والمطارات، بل وصلت إلى المنازل وإلى وعي المواطن الخليجي نفسه. فبالنسبة إلى جيل نشأ داخل معادلة مختلفة تمامًا، معادلة الاستقرار والرفاه والانفتاح والثقة بقدرة الدولة على إبقاء الفوضى الإقليمية خارج المجال الداخلي، لم يكن مشهد الصواريخ في السماء وصفارات الإنذار مجرد تطور أمني عابر، بل صدمة نفسية وسياسية عميقة. لقد انكسر فجأة ذلك الافتراض الصامت الذي حكم العلاقة بين الدولة والمجتمع: أن الاضطراب يمكن دائمًا احتواؤه على مسافة آمنة.
ومن هنا، لم تعد المسألة محصورة في حسابات الأمن والدفاع، بل امتدت إلى أسئلة أكثر جوهرية داخل المجال الاجتماعي نفسه: لماذا أصبح بلدنا هدفًا؟ هل تستطيع الدولة حمايتنا فعلًا؟ وما قيمة التحالفات الأمنية إذا كانت لا تمنع وصول الحرب إلى الداخل؟ هذه الأسئلة ليست تفصيلًا طارئًا، بل مؤشر على أن الحرب مست البنية النفسية للعقد الاجتماعي الخليجي، ذلك العقد الذي قام طويلًا على تبادل واضح: الهدوء السياسي في مقابل الاستقرار، والرفاه والخدمات والأمان.
وقد تقود هذه التجربة إلى تعزيز التماسك الداخلي وإحياء حسّ جماعي أقوى بفكرة الدفاع الوطني والمصير المشترك. لكنها قد تفتح أيضًا، ولو تدريجيًا ومحسوبًا، بابًا جديدًا للنقاش حول أولويات الإنفاق، وحدود السياسات الخارجية، ومعنى الأمن نفسه: هل يُقاس فقط بامتلاك السلاح والتحالفات، أم بقدرة الدولة على تجنيب مجتمعها كلفة الانخراط في بيئة إقليمية شديدة الاشتعال؟ بهذا المعنى، لم تُختبر المنظومة الأمنية وحدها، بل اختُبر معها أيضًا أساس الشرعية الهادئة التي قامت عليها الدولة الخليجية الحديثة.
*المنعطف الأصعب: حين يسقط وهم الحماية*
لكن انكشاف الهشاشة لا يكفي وحده. فالكشف، مهما كان قاسيًا، لا يتحول تلقائيًا إلى مراجعة، والصدمة، مهما بلغت، لا تنتج وحدها عقيدة جديدة. وهنا تحديدًا يبدأ المنعطف الأصعب: ليس في الاعتراف بأن النموذج السابق انكشف، بل في قبول ما يترتب على هذا الانكشاف من كلفة سياسية واستراتيجية ومؤسسية.
لقد أظهرت الحرب أن الاعتماد على المظلات الخارجية لا يضمن دائمًا أولوية الحماية، وأن الغموض في التموضع لا يمنع وصول النار، وأن الرفاه الاقتصادي لا يعزل المجتمعات عن ارتدادات الجغرافيا السياسية. لكن إدراك هذه الحقائق شيء، وإعادة بناء السياسات على أساسها شيء آخر أكثر صعوبة وتعقيدًا. فالدول لا تغيّر عاداتها الاستراتيجية بسهولة، خصوصًا حين تكون هذه العادات قد ارتبطت لعقود بمعادلة بدت ناجحة: أمن مستورد، وازدهار سريع، وتكلفة داخلية محدودة.
ومن هنا، لا يعود السؤال فقط كيف يخرج الخليج من صدمة الحرب، بل كيف يترجم هذه الصدمة إلى مراجعة فعلية لا إلى ترميم مؤقت. كيف يعيد بناء القدرة من دون الوقوع في أوهام الاكتفاء الذاتي الكامل؟ كيف يقلل الارتهان من دون أن يستبدل تبعية بأخرى؟ وكيف يصوغ أمنًا أقل هشاشة، لا يقوم على انتظار قرار الحليف الخارجي، ولا على الافتراض بأن الأسواق والاستثمارات والتحالفات كافية وحدها لشراء الطمأنينة؟
هذا هو التحدي الحقيقي الذي يبدأ بعد انقشاع الدخان. *فالجزء الخامس* لا ينشغل بمجرد تحسين الأدوات، بل بالسؤال الأعمق: كيف يعيد الخليج تعريف أمنه كله بعد سقوط وهم الحماية، من معنى القدرة وحدود الاعتماد، إلى طبيعة التحالف والردع والموقع في الإقليم؟
bitalmakki@gmail.com



