إرهاصات ما قبل الطامة (٣-٧): بوحُ “الحكّائين” ونُذر الصدام

بقلم: مهندس محمد عبد اللطيف هارون

​أعلمُ يقيناً أنَّ زمننا هذا يضيق بالكلمات الطوال، وأنَّ البعض قد ترهقه هوامش الذاكرة، ولكنني أكتب تجربتي الشخصية؛ أدوّنها قبل أن تعبث بها رياح النسيان، أو يبهت بريق تفاصيلها الحية. ربما ورثتُ عن جداتي “شهوة الحكي”، تلك الموهبة التي جعلتني – رغم انتمائي لعالم الرياضيات والهندسة الجاف – أتنفسُ أدباً وتاريخاً.

​نحن “الحكّائين” العاديين، من دكاترة ومهندسين، لا نكتبُ بعيون الخبراء الاستراتيجيين المرتهنين لمصالح النخب، بل نكتبُ لأنَّ الكتابة رئةٌ ثالثة، لا نتقيد بقوالب البديع، بل نسرد الحقيقة كما هي، عاريةً ودافئة، طمعاً في بصائركم النافذة التي تقرأ الوجع ما بين السطور.

في ​رحلة العودة.. إلى الصفيح الساخن ​في رحلتي الأخيرة، حِدْتُ عن عادتي في السفر عبر “طيران بدر”، واختارت لي ابنتنا المجتهدة “أروى عصمت” تذكرةً على “تاركو”، لأغادر الخرطوم في الثامن من رمضان (٣١ مارس)، وأقضي عشرة أيام في كنف الأسرة بالقاهرة. عدتُ فجر العاشر من أبريل (١٨ رمضان)، والقلبُ ملهوفٌ لبرش الفطور وجلسات الونسة، لكنني وجدتُ الخرطوم ليست كما تركتها.. كانت البلادُ تمورُ موراً فوق “صفيحٍ ساخن”.

​بينما كانت قحت تضبط ساعتها على الحادي عشر من أبريل موعداً لتشكيل الحكومة، كان “البرهان” قد بدأ ينسحبُ من تفاهمات ديسمبر بعد أن أدرك خطورة ما سيحدث ، وانطلقت حرب التصريحات تنهش في جسد الاستقرار الهش. وفي غمرة هذا الضجيج، كان “الدعم السريع” يغزلُ خيوط تحركاته المريبة، حتى وصل الأمر لاستئجار “المدينة الرياضية” في مشهدٍ سريالي جعل وزيرة الشباب والرياضة في مرمى نيران الصحافة والدهشة معاً.

الى أن أفقنا فجر الحادي عشر من ابريل على ​زلزالُ مروي.. ليلجمنا و يصيبنا الوجوم الحزين ..

​ استيقظنا على وقعِ طبول الحرب الحقيقية؛ رتلٌ عسكريّ ضخم من (١٢٠) عربة “تاتشر” يمم شطر “مروي”. وفي ذلك المساء، خيّم الوجومُ على برش فطورنا، فمعظم الرفاق والجيران من أهالي “نوري ومروي والبركل”، فصار التهديدُ شخصياً يمسُّ الديار والأهل والذكريات.

​تطايرت الأسئلة في فضاء جلستنا: هل يستهدف الدعم السريع قاعدة مروي لوجود طيرانٍ مصريّ كما يُشاع؟ وإن كان الأمرُ مجرد “تنسيق”، فلماذا خرج الناطق الرسمي للجيش، العميد نبيل، ببيانٍ تلفزيوني يُدين فيه تلك الحشود ويصفها بالتحرك المنفرد؟

​ذلك البيان كان بمثابة “شهادة وفاة” للسلام الهش، وإعلاناً ضمنياً بأنَّ تمرداً قد بدأ يتشكل. لم نملك الإجابات، لكننا ملكنا القلق كله. وفي ختام تلك الجلسة، وكعادته التي لم تعد غريبة، أطلق البروفيسور الساعوري رصاصة تحذيره الأخيرة، وهو يلمم أطراف حديثه:

“يا جماعة.. الحاجة للدرب التحت أصبحت وشيكة جداً”.

​ولم نكن نعلم أنَّ “الدرب التحت” سيصبح مخرجنا الوحيد من جحيمٍ لم يترك لنا مخرجاً فوق الأرض.

في ذلك “السبت” الذي انشقت فيه السماء عن الجحيم.

نواصل

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى