ثلاث سنوات من الحرب: السيناريوهات المتوقعة والآفاق المستقبلية

تستقبل السودان العام الثالث من الحرب التي عصفت بالبلاد، بينما يلوح الأفق السياسي قاتماً ومحملًا بمخاطر جمة على الرغم من الإجماع الدولي والإقليمي والشعبي على ضرورة وقف العنف وإحلال السلام، إلا أن الخلافات العميقة والمتجذرة حول سبل تحقيق ذلك، تجعل الوصول إلى حلول توافقية أمرًا يبدو مستحيلاً في الوقت الراهن، تزداد حدة التساؤلات حول مستقبل السودان، وتتوالى التوقعات حول السيناريوهات المحتملة التي قد تشكل مسار البلاد في المرحلة المقبلة. في هذا التقرير، سنحاول استكشاف هذه السيناريوهات، من خلال تحليل شامل للوقائع على الأرض، وتقييم دقيق للعوامل المؤثرة، بما في ذلك: سيناريو السلام والاستقرار والازدهار، سيناريو الصراع المستمر، وسيناريو التقسيم. فهل يلوح في الأفق بصيص أمل يضيء نهاية هذه المأساة؟ أم أن السودان على موعد مع المزيد من المعاناة والدمار؟
تقرير – عماد النظيف
مأساة إنسانية تتفاقم
تسببت الحرب في مأساة إنسانية هائلة، انعكست في الأرقام المفزعة التي كشفت عنها المنظمات الإنسانية نزوح جماعي: أكثر من 16 مليون شخص فقدوا منازلهم، منهم 12 مليون نازح داخلياً و4 ملايين لاجئ في دول الجوار، أزمة غذاء خانقة: يعاني 26.6 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي الحاد، انهيار التعليم: حرم 15.9 مليون طفل من التعليم، بما في ذلك 9 ملايين غير قادرين على العودة إلى المدارس بسبب النزوح أو اللجوء أو إغلاق المدارس خسائر بشرية فادحة: تشير التقديرات إلى وفاة حوالي 40 ألف شخص، فضلاً عن تدمير 124 مستشفى ومؤسسة صحية بشكل كامل أو جزئي.
ثلاثة مسارات
في خضم الأزمة السودانية المأساوية، تبدو فرص الحل السياسي ضئيلة للغاية. فالأطراف المتنازعة متشبثة بمواقفها المتصلبة، وجهود الوساطة باءت بالفشل في تحقيق أي تقدم ملموس.
على الرغم من هذا الواقع المرير، يتفق معظم الفاعلين السودانيين على ضرورة إنهاء الأزمة عبر ثلاثة مسارات رئيسية: وقف القتال، تسهيل وصول المساعدات الإنسانية، وإطلاق عملية سياسية شاملة. غير أنهم يختلفون حول كيفية تحقيق هذه الأهداف.
في هذا السياق، قدمت “الرباعية الدولية” (الولايات المتحدة، مصر، المملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة) مبادرة تهدف إلى إيجاد حل للأزمة السودانية، ووقف نزيف الدماء. وقد حظيت هذه المبادرة بدعم واسع من القوى السياسية والمدنية السودانية.
في بيانها الصادر في 11 سبتمبر الماضي ، دعت “الرباعية” إلى هدنة إنسانية لمدة ثلاثة أشهر، تهدف إلى إتاحة المجال لإيصال المساعدات الإغاثية العاجلة للمدنيين المتضررين. وعقب انتهاء الهدنة، من المقرر أن تبدأ عملية انتقال سياسي سلمي تستغرق تسعة أشهر، وتهدف إلى تشكيل حكومة مدنية شرعية تحظى بثقة الشعب السوداني.
بالمقابل فقد كشف رئيس الوزراء، كامل إدريس، عن خارطة طريق حكومية لإحلال السلام خلال كلمة له في مجلس الأمن نهاية ديسمبر الماضي. وتقوم الخطة على وقف إطلاق نار شامل تحت إشراف الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والجامعة العربية، يتبعه انسحاب للدعم السريع من المدن التي تسيطر عليها، إلى معسكرات يتم الاتفاق عليها تحت رقابة دولية.
على النقيض من ذلك، يعرض تحالف التأسيس، الذي يضم في صفوفه قوات الدعم السريع، والحركة الشعبية- شمال بقيادة عبد العزيز الحلو، والجبهة الثورية، رؤية مختلفة للسلام والاستقرار. فقد أقر التحالف “ميثاق السودان التأسيسي” و”الدستور الانتقالي لعام 2025″ خلال شهري فبراير ومارس الماضيين، اللذين يمثلان رؤية شاملة لبناء سودان علماني ديمقراطي فدرالي، قائم على مبادئ العدالة والمساواة، وتعزيز الوحدة الطوعية بين مكوناته.
هذه الازدواجية في الرؤى تعكس التحديات المعقدة التي تواجه عملية السلام في السودان، وتلقي بظلالها على مستقبل البلاد ومساعي تحقيق الاستقرار المنشود.
سيناريو السلام والاستقرار
مع تصاعد الصراع في السودان، تبرز آمال جديدة نحو تحقيق السلام والاستقرار، حيث يتأكد ضرورة إنهاء الحرب كخطوة أولى نحو بناء مستقبل مزدهر.
وفي هذا السياق، أكد المتحدث الرسمي باسم حركة العدل والمساواة، حسن إبراهيم فضل

، لـ “العودة “على أن “المستقبل المزدهر مرهون بوقف هذه الحرب والكيفية التي وُقفت بها”. وأوضح فضل أن “الاستقرار والتنمية ستتحققان إذا ما انتهت هذه الحرب وفق رؤية وعرضية لا مجال للعودة مرة أخرى للحرب”، مؤكداً على ضرورة “معالجة جذور الأزمة وآثارها وتحقيق العدالة”.
وأشار فضل إلى أن السودان يتمتع بـ”كل أسباب التنمية والتطور، سواء كان على مستوى الموارد البشرية أو الطبيعية وغيرها”، معتبراً أن “وقف الحرب ضرورة، وآليات استدامتها تعتبر رهان مستقبل مشرق للجيل القادم”.
من جانبها، حذرت أستاذة العلاقات الدولية، الدكتورة أسمهان إسماعيل، من التركة الثقيلة التي ستخلفها الحرب، مشددة على أن “ما ستخلفه الحرب سيكون تركة ثقيلة جداً، محتاجة مجهود جبار من الدولة لتحقيق الازدهار والاستقرار المطلوب”.
السودان على مفترق طرق: إصلاحات جذرية لمستقبل مستقر
وترى أسمهان أن توحيد السودان تحت مظلة مشروع وطني شامل هو حجر الزاوية في مسيرة الإصلاحات المنشودة، وأشارت إلى أن المواطنة المتساوية تمثل ضرورة قصوى لمنع نشوب أي صراعات مستقبلية.
وفي سياق حديثها، سلطت أسمهان الضوء على تحدي تعدد الجيوش، مؤكدة على أهمية دمجها جميعًا تحت لواء الجيش القومي السوداني. وأوضحت أن الجيش الموحد يمثل الضمانة الأساسية لأمن واستقرار البلاد، ودرعًا واقيًا ضد التدخلات الخارجية التي لطالما هددت وحدة السودان.
ولم تغفل أسمهان الإشارة إلى العبء الثقيل الذي يمثله تمويل الحرب على الموارد الوطنية، وتأثيره السلبي على الاقتصاد والمواطنين. وأكدت على أن إعادة إعمار البنية التحتية المتضررة، من مستشفيات وطرق وجسور ومدارس وجامعات، بالإضافة إلى إصلاح قطاعي المياه والكهرباء، يمثل تحديًا كبيرًا أمام الدولة.
وشددت اسمهان على ضرورة توفير بيئة آمنة وتقديم الخدمات الأساسية لعودة النازحين والمهجرين إلى ديارهم، مؤكدة على أن إزالة كل التشوهات التي تسببت في نشوب الحرب وتلك التي نجمت عنها تمثل ضرورة حتمية.
وأكدت أن تحقيق التنمية والازدهار يتطلب تضافر جهود جميع الأطراف.

سيناريو الصراع المستمر
في ظل استمرار الحرب المستمرة، تبدو مؤشرات استمرار الصراع واضحة، مع غياب أي أفق للحل في المستقبل القريب. في هذا السياق، يعبر حسن إبراهيم فضل، في حديثه لـ (العودة)، عن قلقه قائلاً: للأسف، لا نرى نهاية قريبة لهذه الحرب بناءً على المعطيات الحالية. ويضيف فضل، مشيراً إلى أن أسباب اندلاعها لا تزال قائمة، إذ يتواصل الانقسام السياسي، وتستمر القوى الداعمة والممولة للمليشيات وأذرعها السياسية في تقديم الدعم وتوفير الملاذات الآمنة.
ويضيف فضل بحزم: “الحرب ستستمر ما لم تتراجع هذه القوى الداعمة، وما لم ترتقِ القوى السياسية لمستوى المسؤولية الوطنية وتدرك خطورة الأزمة، وتقبل بوضع خلافاتها جانباً والدخول في حوار وطني جاد يفضي إلى صيغة تعالج الأزمة وآثارها، وتحقق العدالة، وتتفق على قاعدة لممارسة السلطة بشكل رشيد”.
وفي سياق متصل، حذر الخبير في الشؤون الأفريقية، د-محمد تورشين،من أن استمرار الحرب يأتي في ظل تعثر الجهود الدبلوماسية، مشيراً إلى أن التطورات العسكرية في منطقة الخليج العربي قد تصرف الاهتمام الدولي عن السودان، مما يفاقم الأزمة.
ويوضح تورشين لـ” العودة” أن استمرار الحرب قد يشهد محاولات من قبل الجيش السوداني لاستغلال الظروف الحالية لاستعادة مناطق، بينما تسعى قوات الدعم السريع إلى تثبيت سيطرتها في مناطق مثل دارفور وكردفان.
وفق تورشين، فيتمثل في احتمال انتصار الجيش السوداني في حال تمكن من استغلال انشغال القوى الدولية بالأزمات الإقليمية، وهو ما قد يفتح الباب أمام استعادة المناطق التي فقدها، مع طرح قضية دمج الفصائل المسلحة ضمن جيش وطني موحد، وهي خطوة ستحتاج إلى توافق سياسي واسع في مرحلة ما بعد الحرب.

بالمقابل تؤكد إسمهان إسماعيل أن استمرار الصراع والنزاع المسلح في السودان ليس مجرد أحداث عابرة، بل هو نتيجة مباشرة لسياسات الدولة. وتشير إلى أن حل هذا الصراع يكمن في تطبيق إصلاحات جذرية تشمل دمج الجيوش، وتعديل السياسات الاقتصادية والمؤسسية، وتحقيق عدالة التنمية بين جميع المناطق. وترى أن هذه الخطوات ضرورية لتحقيق الاستقرار والأمن، والقضاء على الأسباب التي تؤدي إلى الحروب.
*سيناريو التقسيم
تتزايد المخاوف حول مستقبل البلاد ووحدتها. ومع استمرار الصراع بين الجيش والدعم السريع، يعتقد بعض المراقبين أن فكرة تقسيم البلاد قد بدأت بالفعل، حتى لو لم يتم الإعلان عنها رسميًا.
ويؤكد الخبير في الشؤون الأفريقية، محمد تورشين، أن “التقسيم الفعلي للأراضي” هو الواقع الحالي، مشيرًا إلى أن هذا لا يعني بالضرورة إعلان دولة جديدة، بل “واقع سياسي وأمني مختلف بين المناطق التي يسيطر عليها الجيش وتلك التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع، مع محاولات من كل طرف لإقامة هياكل حكم وإدارة خاصة به”.
على الجانب الآخر، يرفض المتحدث باسم حركة العدل والمساواة حسن إبراهيم سيناريو التقسيم، مؤكدًا على تمسكه بوحدة السودان. ويستند إبراهيم في رؤيته إلى عدة أسباب جوهرية:
المزاج العام: يرى إبراهيم أن “المزاج العام لدى أغلب الشعب السوداني يميل للوحدة”، وهو ما يمثل عاملًا مهمًا في الحفاظ على وحدة البلاد. عبرة جنوب السودان: يستشهد إبراهيم بما آلت إليه الأوضاع في جنوب السودان بعد استقلالها، مشيرًا إلى أن “الفشل لم يكن وليد صدفة”. ويرى أن ذات الأسباب التي بررت بها استقلال جنوب السودان (إدارة التنوع والعدالة) تواجهها الآن أجزاء أخرى من السودان قد يطمح البعض إلى انفصالها، مما يجعلها عرضة لنفس المشاكل.
شعار الوحدة: يؤكد إبراهيم على أن “جميع المنخرطين في الحرب أو حتى أولئك الذين يتفاعلون فيها بعيدًا يرفعون الوحدة شعارًا”، مما يدل على الإجماع الوطني حول أهمية الحفاظ على وحدة السودان.
وبناءً على هذه الأسباب، يعبر إبراهيم عن “اطمئنانه الشديد على وحدة السودان، على الرغم من استمرار هذه الحرب اللعينة”.
مع ذلك، تحذر إسمهان من أن استمرار الوضع الحالي، مع استمرار النزاعات، يفتح الباب أمام تفتيت الدولة وإضعافها. وتشير إلى أن هذا الضعف يمثل فرصة للدول التي تطمع في موارد السودان الغنية، من معادن وذهب ومياه وأراضٍ وموقع استراتيجي، للتدخل والسيطرة. وتوضح أن هذا التدخل يتجلى في دعم المتمردين بالسلاح والعتاد، وتأسيس حكومات مدنية في المناطق الغنية بالموارد، مما يهدد وحدة البلاد وينذر بتقسيمها. وتختتم بالإشارة إلى فشل مبادرات السلام المتعددة، بسبب تعارض مصالح وأطماع هذه الدول في خيرات السودان، بالإضافة إلى تأكيدها على ضرورة استغلال فرصة انشغال العالم بحرب أخرى لإعادة الاستقرار والوحدة في السودان.وحسم التمرد واعادة البلاد الي مربع الوحدة والاستقرار والاسراع في معالجة ما خربته الحرب من دمار للبني التحتية وتشريد المواطنين وهتك النسيج الاجتماعي..إذا الدولة حققت التنمية والازدهار والإصلاح السياسي والمجتمعي مستقبلا ووحدت الجيوش تحت راية الجيش القومي فبالتاكيد ستمضي الدولة قدما وستكون مستقرة بلا حروب وستقف بقوة أمام التدخلات الخارجية في شانها الداخلي وستكون حصونها منيعة أمام اي تقسيم او تفتيت.



