الخبير الاستراتيجي والعسكري ​اللواء “م” دكتور أمين إسماعيل مجذوب لـ (العودة):

الميليشيا تحتضر عسكرياً.. والحرب الكونية في المنطقة "هدية استراتيجية" للجيش السوداني

 المتمردون يستهلكون “آخر رصاصة” من مسيراتهم.. والصناعات الدفاعية السودانية تحسم معركة الأجواء

 “دويلة الإمارات” في فخ الانكشاف.. وإغلاق أجوائها يعني “شهادة وفاة” لإمدادات المليشيا

 بعد إغلاق “هرمز” موانئنا ستكون قلب العالم الجديد ومطمع القوى العظمى

انشغال العالم بإيران منحنا فرصة ذهبية لفرض “الحل الوطني” بالنار

 البحر الأحمر سيتحول لـ “بؤرة صراع دولي”.. والسودان يملك مفاتيح اللعبة

 السودان في “عين العاصفة” الاقتصادية والرهان على “الخارج” انتحار

الجيش السوداني كسب 60% من رهان الحرب الإقليمية قبل أن تبدأ

حاوره: رمضان محجوب

​وسط غبار المعارك الإقليمية المتصاعد، وفي وقت تتجه فيه أنظار العالم صوب “المواجهة الكونية” بين المحور الأمريكي الإسرائيلي وإيران، تبرز تساؤلات ملحة حول موقع السودان من هذا المخاض العسير. (صحيفة العودة) وضعت هذه الملفات الشائكة على طاولة الخبير العسكري والاستراتيجي المرموق، اللواء “م” دكتور أمين إسماعيل مجذوب، الذي غاص في أعماق المشهد، محللاً انعكاسات استهداف مفاصل الدولة الإيرانية على “معركة الكرامة” في الداخل السوداني. بذكاء القائد ورؤية الخبير، يشرح لنا اللواء مجذوب كيف تحول انشغال “الممول الإقليمي” للميليشيا إلى ميزة استراتيجية للجيش السوداني، وكيف يمكن للبحر الأحمر أن يعيد رسم خارطة النفوذ الدولي انطلاقاً من السواحل السودانية. حوار يجمع بين التكتيك العسكري، والمناورة الدبلوماسية، والتحذير الاقتصادي الشفاف.. إلى نص الحوار:

​■ مع دخول الحرب يومها الحادي عشر واستهداف مفاصل حيوية في إيران، كيف تقرأ التحول في موازين القوى الإقليمية، وأين يجد السودان نفسه في هذا المشهد الجديد؟

= طبعاً هذه الحرب “الكونية” الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران هي الآن حرب فرض نفوذ؛ فالمواجهات السابقة لم تحقق أهدافها كاملة، والآن تحاول أمريكا وإسرائيل فرض نفوذ في المنطقة بإضعاف إيران ومنع أي دولة من الخروج عن “بيت الطاعة”. السودان يتأثر بدخوله في أحلاف إقليمية تعاني حالياً من الضعف، لكن انشغال الممول والداعم الإقليمي لمليشيا الدعم السريع بالصراع يجعل تأثير المشهد على حرب السودان إيجابياً بنسبة تتجاوز 60%، مقابل 40% من التأثيرات الاقتصادية المرتبطة بالوقود وارتباطات منطقة الخليج.

​■ برزت تقارير عن انقطاع سلاسل الإمداد لبعض الأسلحة النوعية (مثل المسيرات)؛ كيف سيؤثر التعثر العسكري الإيراني الحالي على قدرات القوات المسلحة السودانية في جبهات القتال الداخلية؟

= تأثير سلاسل الإمداد على الحرب السودانية قد يكون متكافئاً، بل وفيه نوع من التفوق للجيش السوداني؛ فالمسيرات التي كانت تصل من الخارج تقلصت، والميليشيا كانت تشتري مسيراتها من السوق الحر بأموال “الدويلة” الممولِة، بينما القوات المسلحة السودانية تمتلك ميزة “التصنيع المحلي” عبر منظومة الصناعات الدفاعية، كما أن إمداداتها من المنتج التركي مضمونة. التعثر الإيراني أثّر على الميليشيا التي بدأت تطلق آخر مخزونها في كردفان والأبيض، مما سيجبرها على خوض حرب صحراوية مفتوحة تختلف عن حرب المدن التي خاضتها سابقاً.

​■ في حال استمر إغلاق الأجواء في دول الجوار الإقليمي (مثل الإمارات) بسبب الرشقات الصاروخية المتبادلة، هل تتوقع تراجعاً في وتيرة إمدادات الأطراف المناوئة للجيش السوداني؟

= كما أسلفتُ سابقاً، فإن دولة الإمارات هي الممول لمليشيا الدعم السريع، وبالتالي فإن إغلاق مجالها الجوي أو انخفاض التحويلات المالية أو حتى الانكشاف السياسي لهذا التعامل سيخنق سلاسل إمداد الميليشيا حتماً، خاصة مع وجود إدانات دولية سابقة من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة ومجلس الأمن ضد قادة الميليشيا ومموليهم.

​■ هل يمكن أن يتحول ساحل البحر الأحمر السوداني إلى “نقطة ارتكاز” بديلة للقوى الدولية في حال توسع الصراع ليشمل مضيق هرمز بشكل كامل؟

= لا شك أن البحر الأحمر سيمثل البديل الاستراتيجي لمضيق هرمز وباب المندب؛ فتعثر الإمدادات وتصدير النفط عبر الخليج سيحول الأنظار إلى موانئ الساحل السعودي وموانئ السودان وإريتريا. هذا التحول يعطي السودان دفعة معنوية لإقامة تحالفات قوية واكتساب موارد جديدة، ولكنه في ذات الوقت يجعل الساحل السوداني منطقة نفوذ وبؤرة صراع دولي متوقعة.

​■ كيف سيؤثر “انشغال” القوى الإقليمية بالحرب الكبرى على وتيرة المبادرات السلمية في السودان، مثل مبادرة “الرباعية”؟

= الانشغال الإقليمي سيؤدي بالضرورة إلى تراجع وتيرة الضغوط التي كانت تمارسها بعض الأطراف عبر المبادرات الخارجية، مما يمنح الدولة السودانية مساحة أكبر للتحرك وفق رؤيتها الوطنية وفرض واقع ميداني جديد بعيداً عن الإملاءات التي قد تفرضها القوى المنشغلة حالياً بجبهات صراع أخرى.

​■ هل هناك مخاوف حقيقية من تحول السودان إلى “ساحة لتصفية الحسابات” عبر وكلاء دوليين في ظل حالة السيولة الأمنية الحالية؟

= السودان لديه القدرة على تجنب هذا المنزلق طالما حافظت القوات المسلحة على سيطرتها وسلاسل إمدادها الذاتية؛ فالقوة الدولية التي كانت تتمركز في مناطق كالصومال قد تتحول نحو السودان وإريتريا، وهو ما يتطلب حذراً استراتيجياً لضمان عدم تحول هذه التحولات لساحة صراع بديلة للوكلاء.

​■ كيف سيؤثر تصنيف المواقف الدولية تجاه الحرب على علاقات السودان الخارجية، خاصة مع الولايات المتحدة التي تقود العمليات العسكرية؟

= السودان يراقب التحولات بدقة؛ فالمواقف من المحور الإيراني قد يغيّر موازين القوى، لكن السيادة الوطنية تظل هي المعيار. إضعاف الأطراف المموِلة للميليشيا دولياً قد يفتح باباً لتحسن العلاقات مع القوى الكبرى التي بدأت تدرك خطورة الميليشيا على استقرار المنطقة.

​■ مع قفز أسعار النفط عالمياً وتضرر مصفاة طهران، كيف سيواجه السودان أزمة الوقود المتفاقمة أصلاً، وما هو أثر ذلك على تكلفة السلع الأساسية؟

= السودان تأثر سابقاً بالحرب الروسية الأوكرانية التي سببت تضخماً عالمياً، وارتفاع أسعار النفط الآن سيزيد من الضغط على المواطن السوداني ويرفع تكلفة المعيشة فوق طاقته، خاصة في ظل الاعتماد الكبير على الاستيراد وانقطاع سلاسل الإمداد العالمية التي تسببت في فجوة في الأمن الغذائي السوداني.

​■ ذكر وزير الطاقة السوداني أن التأثير “محدود”، لكن مع احتمال استمرار الحرب لأسابيع؛ ما هي السيناريوهات الأسوأ التي يجب على الخزينة العامة الاستعداد لها؟

= السيناريو الأسوأ هو استمرار تدمير البنية التحتية الداخلية وتعطل الطرق القومية التي تربط الموانئ بمناطق الاستهلاك. يجب على الخزينة العامة الاستعداد عبر البحث عن بدائل لتنويع مصادر الاستيراد ومعالجة الضعف في منظومة التخزين الاستراتيجي والصوامع لتوفير احتياجات البلاد لفترات طويلة.

​■ هل تتوقع تراجعاً في المساعدات الإنسانية الدولية الموجهة للسودان مع تحول بوصلة الاهتمام والتمويل العالمي نحو “إعادة إعمار” أو “إغاثة” المتضررين في الشرق الأوسط؟

= هذا خطر حقيقي؛ فالمجتمع الدولي مطالب بفتح ممرات آمنة، واستمرار تعطل سلاسل الإمداد وانشغال العالم قد يؤدي إلى كارثة إنسانية في السودان. انعدام الأمن الغذائي الحاد يتطلب تحركاً دولياً عاجلاً لا يصرفه الصراع الإقليمي عن المأساة السودانية.

​■ ما هو مصير الاستثمارات الإقليمية في السودان التي قد تنسحب أو تتجمد بسبب حالة “عدم اليقين” الجيوسياسي التي تفرضها الحرب؟

= حالة عدم اليقين تجعل الاستثمارات في حالة ترقب، خاصة تلك المرتبطة بدول المحاور. السودان يحتاج لبناء ضمانات داخلية وتشجيع الإنتاج الوطني لتعويض أي تراجع في الاستثمارات الإقليمية التي قد تتأثر بتغيرات موازين القوى.

​■ إذا نجحت واشنطن في فرض “تغيير نظام” أو إضعاف حاد لإيران، كيف سيغير ذلك من تحالفات السودان الاستراتيجية في منطقة القرن الإفريقي؟

= إضعاف إيران سيغير تمركز القوى الدولية؛ فالتمركز الذي كان في بلدان أخرى قد يتحول إلى السودان وإريتريا، مما يمنح السودان فرصة لإقامة تحالفات جديدة وقوية واكتساب موارد جديدة تعزز من موقفه الاستراتيجي في القرن الإفريقي.

​■ في ظل الخلاف الأمريكي الأوروبي حول الحرب، هل يمتلك السودان مساحة للمناورة الدبلوماسية لانتزاع مكاسب سياسية تخص قضيته الوطنية؟

= نعم، الخلافات الدولية تفتح دائماً مساحات للمناورة. السودان يمكنه استثمار موقعه الحيوي على البحر الأحمر ككرت ضغط ودبلوماسية لانتزاع اعترافات ودعم أكبر لمؤسسات الدولة الشرعية في مواجهة التمرد.

​■ ما هو مصير الصادرات السودانية في ظل هذا الاضطراب؟

= الصادرات السودانية مثل الصمغ العربي والسمسم والماشية واجهت صعوبات كبيرة في الوصول للموانئ العالمية، مما أفقد الدولة موارد ضخمة من العملات الصعبة. استعادة هذه الموارد تتطلب تأمين الطرق الحيوية وحماية سلاسل الإنتاج الداخلية.

​■ ختاماً، ما هي “الروشتة” العاجلة التي تنصح بها القيادة السودانية لتجنب الانزلاق في أتون هذا الصراع الإقليمي والحفاظ على السيادة الوطنية؟

= الروشتة الحقيقية هي “العودة للإنتاج”؛ فالسودان يمتلك أراضٍ وموارد مائية ضخمة قادرة على تأمين احتياجاته بل وتأمين الإقليم. كما يجب تقوية الدفاع الذاتي وسلاسل الإمداد العسكرية المحلية، وبناء تحالفات استراتيجية ذكية تستفيد من أهمية البحر الأحمر دون الانخراط كطرف مباشر في صراعات المحاور.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى