ملح الأرض ..المرتبات والأجور .. امتحان مصداقية القرار الحكومي ..

بقلم: خالد ماسا
اختار السيد/ جبريل إبراهيم وزير المالية الاتحادي، في الاستعراض الذي قدمه لموازنة العام ٢٠٢٦م أمام مجلس الوزراء، وصف “الزيادة التدريجية” في المرتبات والأجور للعاملين في القطاع العام، برأيي، ليتفادى معضلتين أساسيتين متى ما كان الحديث دائراً عن الفصل الأول في موازنة العام ٢٠٢٦م.
الأولى هي محاولة القول بأن وزارته متفطنة لمتلازمة الزيادة في الفصل الأول للموازنة مع “التضخم”، وهي المتلازمة التي ظلت ـ وعلى الدوام ـ تهزم أي إنجاز تحاول وزارة المالية أن تسوق به موازنتها للشعب السوداني عن طريق غول “التضخم” الذي يبتلع هذه الزيادات في الرواتب بطريقة أوتوماتيكية بارتفاع أسعار السوق عشية الإعلان عن زيادة الرواتب والأجور.
والثانية تتمثل في الظن بأن التدرج في زيادة الرواتب قد يبطل، أو يبطئ في أسوأ الفروض، من سرعة تآكل القيمة الشرائية للمرتب، وبالمقابل يقلل من الضغط الاجتماعي على موازنة الوزارة بسبب ارتفاع تكلفة المعيشة.
(*) وعد وزاري …
عندما تتحدث وزارة المالية بلغة الأرقام عند استعراض الموازنة، فإن موظفي الدولة يسحبون الورقة والقلم لتدوين الوعود التي تخصهم، ويقرؤون الموازنة بناء على كفتي الميزان: الراتب في مقابل التزامات المعاش اليومي للأسر. ووزارة المالية في استعراضها الأخير ربطت لسانها بزيادة في الرواتب بنسبة 100% ورفع الحد الأدنى للأجور، مع الالتزام بسداد المتأخرات من الرواتب قبل منتصف شهر مارس الجاري.
وفي ظل الواقع الذي صنعت فيه الموازنة الحالية، فإننا نرى بأن المالية في امتحان صعب أمام العاملين في القطاع العام للوفاء بحزمة الالتزامات المذكورة.
ففي ظل توقف عجلة الإنتاج وتأثيرها الكبير على الإيرادات الحكومية، وتكاليف الحرب التي ضايقت كل بنود الصرف الأخرى في الموازنة ـ إن لم تكن قد أعدمتها ـ يظل الوفاء بالالتزامات المشار إليها ضرباً من المستحيل، وأن الحديث عنها بهذه النسب ما هو إلا تسويق وصناعة سمعة جيدة لموازنة المالية، لأن الرواتب والأجور تمثل البند الأول في الموازنة، وهو بالأساس بند منصرفات ويمثل النسبة الأكبر فيها، وبدون إيرادات حقيقية للموازنة ستجد الوزارة نفسها غارقة في التزامات لا يمكن التراجع عنها، وسيضاف إليها عبء آخر متمثل في المتأخرات.
المجلس الأعلى للأجور ـ وهو الجهة المناط بها حساب نسبة القوة الشرائية للرواتب وإيجاد معادلة منطقية يمكن الدفاع عنها في الموازنة ـ لم يقدم مبررات تتناسب والارتفاع في تكلفة المعيشة الذي حدث في السودان، وأن “الحد الأدنى” المشار إليه في موازنة ٢٠٢٦م لا يحقق مبدأ العيش الكريم وصون كرامة المواطن السوداني الذي أضيفت أعباء جديدة على جدول منصرفاته بسبب الحرب، أدت إلى كل هذا التآكل في القيمة الشرائية للراتب.
(*) فجوة في الأرقام والتوقعات ..
من الواضح أن وزارة المالية مع المجلس الأعلى للأجور قد بنوا هيكل الرواتب والأجور تأسيساً على ما هو متاح لموازنة العام، بينما تُبنى توقعات العاملين والنقابات على واقع يعيشه الناس وتفرضه ظروف الحرب. ويمكن قراءة ذلك بوضوح عندما نقرأ في بيان لجنة المعلمين الصادر تعليقاً على ما جاء في تصريحات وزير المالية، واستخدمت فيه وصفاً حاداً لهذا الإجراء سمته “عدم الاحترام” للعاملين، وأن الوزارة والمجلس الأعلى للأجور كانوا قد ارتكبوا ما يؤكد عدم اهتمامهم بمعالجة حقيقية لما يعانيه العاملون، وأن دور المجلس الأعلى للأجور يجب أن يكون قبل إجازة الموازنة.
الأمر الثاني الذي يكشف عمق الأزمة بين تفكير وزارة المالية والعاملين هو المسافة بين ما هو مذكور في أرقام موازنة الوزير بخصوص الحد الأدنى للأجور، وبين التوقعات التي أشار إليها بيان لجنة المعلمين، والذي حدد انتقال الحد الأدنى من ١٢٠٠٠ إلى ٢١٦٠٠٠ جنيه، وهنا يمكننا أن نرى بأن نسبة ١٠٠% المطروحة كزيادة في نسبة الرواتب لا تتناسب مع تغطية الارتفاع الذي حدث في السوق.
تأخرت الوزارة في الوفاء بالتزاماتها تجاه المعلمين لمدة ١٤ شهراً بحسب بيان لجنة المعلمين، وهذا التأخير عند قراءته بمقاييس السوق التي لا ترحم، فإن قيمتها منذ استحقاقها ظلت تتآكل وتتناقص بحيث يصبح لا قيمة لها حال السداد بعد ١٤ شهراً، وأن التأخر في سداد هذه المتأخرات يخفض جداً من مستوى ثقة العاملين في أي وعود من جانب الوزارة، ويعضد من الاعتقاد بأنهم ليسوا في أعلى سلم الأولويات.
لهذا، ولتجارب سابقة في التاريخ القريب، وعلى أيام حكومة الانتقال التي تم التعامل فيها مع فكرة الزيادة في الرواتب كالطريق الأمثل لكسب رصيد سياسي إضافي للحكومة، رغم تحذيرات الاقتصاديين العارفين بالطريقة الغالبة على “ميكانيزم” الاقتصاد والسوق السوداني، لأن هذه الحلول التي تعبر عن كسل العقل الحكومي في التعامل مع تعقيدات ومشاكل اقتصادية ومالية تواجه موازنة الدولة بشكل متكرر، ومع ذلك ليس هنالك أدنى اجتهاد أو مدارس اقتصادية جديدة تجعل في يد الموازنة الحلول، أكثر من أن تغذي معالجاتها ـ على الدوام ـ معضلة التضخم.
عندما نقرأ في البيانات والأرقام الحكومية ومؤتمرات استعراض الموازنة سنكتشف بأن هنالك اختلالاً في منهجية بناء أرقام الموازنات على أسس إحصائية تعطي الحقيقة. فلو استعنا بالإحصائيات التي تقدمها تقارير البنك الدولي عن القوة العاملة في السودان، والتي تقول بأنها في حدود ١٣.٥ مليون، فإن العقل الحكومي في وزارة المالية لا يبني قراءته للتعديلات على الأجور بناءً على التوزيع الحقيقي للعمالة في السودان، وبالتالي يظل الإعلان السنوي لزيادة الأجور في الموازنة بمثابة إعلان سياسي أكثر من أنه نتاج اجتهاد اقتصادي يقدم حلولاً جذرية لمشكلات العاملين.
النسب التي تتحدث بها موازنة الوزير لا تراعي بأنها تخاطب ١٤% فقط من نسبة العمالة في السودان، بينما يشكل عمال القطاع الخاص نسبة ١٠%، والنسبة الأكبر هي للقطاع غير الرسمي والحر في السودان بحسب تقرير البنك الدولي. ومع ذلك نجد بأن القرارات التي تتخذها وزارة المالية عبر الموازنة تؤثر في الاقتصاد ككل لعدة أسباب، في مقدمتها أن الرواتب هي أحد أهم محركات الطلب في السوق، وأن القطاع الخاص عادة ما يحدد هياكله الراتبية تأسيساً على الهيكل الحكومي فقط، لهشاشة البناء الاقتصادي للدولة.
تستنفذ الدولة طاقتها في التفكير في زيادة أجور العاملين، وفي الأساس هي لا تضع في حساباتها بأن غالبية السودانيين هم خارج نظام الأجور بالأساس.
وكلما استغرقنا النظر في تقارير البنك الدولي فإننا سنصطدم بحقائق أرقام تجعل من امتحان المصداقية في القرار الحكومي صعباً جداً، وفيه من الاختلالات ما يطعن في منهجية البناء الاقتصادي السليمة عموماً. فنسبة ٣٥% من السكان التي يبرزها التقرير لمعدل المشاركة في القوى العاملة في السودان هي نسبة أقل بكثير من المعيار العالمي الذي يضع نسبة ٦٠%، وهذا قياس يعكس ضيق فرص العمل تحت مظلة هيكل الأجور الحكومي، في مقابل العاملين في النشاط الاقتصادي غير المنظم وارتفاع نسبة البطالة.
وبالتالي فإن وزارة المالية تضع إجاباتها في أرقام الموازنة لسوق عمل محدود جداً في بلد يبلغ عدد سكانه ٤٥ مليوناً، بينما لا تتجاوز القوة العاملة حدود ١٤ مليوناً، وأنها لا تعتبر المشغل الأول في سوق العمل بحسب التقرير ذاته، الذي يقول بأنه من أصل ١٣.٥ مليون يمثلون القوة العاملة في السودان، فقط ٠.٧ إلى ١ مليون هم نسبة موظفي الحكومة، أي نسبة كلية لا تتعدى ٨% فقط من الإجمالي.
ومع ذلك تؤثر القرارات الحكومية بخصوص الأجور على الاقتصاد ككل، وبالتالي لا تزال أسئلة قدرة القرار الحكومي على الوفاء بأسئلة الواقع الاقتصادي وتخفيف أعباء المعيشة، وقدرة الحد الأدنى للأجور على توفير حياة كريمة للمواطن السوداني قائمة ومفتوحة.



