ارهاصات ما قبل الطامة(١-٧): مرافئ الذاكرة وقارعة الطريق

بقلم: مهندس محمد عبد اللطيف هارون

​أغرتني يوميات الحرب التي ينثرها الأصدقاء هنا وهناك و نحن على اعتاب الذكرى الثالثة للنازلة التي غيرت تاريخنا المعاصر ، بضرورة استرجاع ماقبل وقوع الطامة ، فقررتُ أن أفتح دفاتر الذاكرة، وأخطَّ على حائط الزمان حكايات ما قبل وما بعد ذلك “السبت الحزين”. سأدون ما تجود به النفس من تفاصيل سكنت الروح قبل أن تسكن البيوت، في حلقاتٍ أستعيد فيها نبض الحياة و الذي كان.

​يظل شهر رمضان المعظم هو الميقات الأحب إلى قلبي، أنتظره بلهفة العام كله، ولا تكتمل طقوس صبابة الروح إلا بصيامه في السودان، بين الأهل والأحباب والجيران. ومنذ أن استقر بي المقام في منزلي الحالي في يناير ٢٠٠٥، نذرتُ نفسي لإحياء سُنة “إفطار الشارع”. بدأتُ بتهيئة الساحة وتجهيز الحصائر أمام منزلي، لتمتد المائدة شيئاً فشيئاً ويتحلق حولي الجيران؛ من دكتور مهندس أحمد عبد الكريم وأبنائه، إلى البروفيسور حسن الساعوري وعائلته، والصادق، ودكتور حسن محمد صالح وأبنائه.

​في عام ٢٠١٧، ومع تشييد الساحة أمام منزلي، انتقل “برشُنا” العامر ليحط رحاله أمام منزل دكتور حسن محمد صالح، وانضم لركبنا الجنرال علي كلم وأبناؤه وهيثم. لم تكن مائدتنا مجرد طعام، بل كانت ملاذاً لعابري السبيل، لعمال السوق المركزي الكادحين، ولسائقي الحافلات الذين يدركهم النداء في الطريق. كانت تلك اللحظات فوق ذلك البساط المنسوج من المودة هي “أجمل لحظات العمر” بلا مبالغة. ثمانية عشر عاماً من الوصل لم يقطعها إلا حصار “كورونا”، حتى جاءت هذه الحرب اللعينة ونحن في يومنا الثالث والعشرين من رمضان.

​كانت قهوة “البروف الساعوري” هي قطب الرحى في جلستنا، أدمنّا مذاقها حتى ألزمناه بإحضارها ولو غاب، رغم أننا كنا نضيق بآداب “العزومات الخارجية” التي قد تسرق أحداً منا. شخصياً، كنت أعتذر عن أي دعوة تُخرجني من دفء هذا الجمع؛ ولأن أهلي وأصدقائي يعلمون أنني وحيد ، اذ جميع افراد أسرتي خارج السودان ، ولأنهم يعلمون أني لا أحبذ مبارحة “برش الفطور” ، فقد صاروا يأتون بموائدهم إلى تجمعنا الميمون هذا . فعلها شقيقا زوجتي (وداعة وخالد)، وشقيقي أيمن الذي كان ركناً في البرش قبل زواجه ، الجميع ذابوا في تفاصيل هذا المكان، وأصبحوا جزءاً من ذاكرة الجيران.

​كنا نصلي خلف إمامنا الراتب البروف الساعوري، أو م. أحمد عبد الكريم، وأحياناً علي كلم، ثم تبدأ طقوس “المنتدى البهيج”. الشباب (أيمن ومحمد الساعوري وقبلهم معاذ هارون) في حلقتهم يصبون الشاي والقهوة، ونحن الكبار في حلقتنا المركزية نغزل الحديث حول شؤون السياسة والاقتصاد.

و لسنوات مرت ظلت ​نبوءة “الدرب التحت” التي أطلقها بروف الساعوري نذير الانفجار الذي لم نحسب حسابه ،

​قبل الحرب بأيام، كان القلق يفوح مع رائحة البُن. تحدثنا عن أرتال “الدعم السريع” المتحركة نحو مروي، وحشود المدينة الرياضية، وخلافات “الاتفاق الإطاري” حول الدمج والتبعية. في تلك الجلسة التي تضم عقولاً وازنة كدكتور الاقتصاد حسن محمد صالح وبروفيسور العلوم السياسية حسن الساعوري، بدأت تتكشف لنا حقيقة الأمر و لاحت على الأفق نذر الكارثة.

​منذ فض الاعتصام، كان الساعوري يباغتني بنبوءة العارف بسؤال ثابت و مستمر : “جاهزين للدرب التحت؟”. كان يقصد بـ “الدرب التحت” تجهيز وسيلة للخروج عبر النيل حين يضيق الخناق على الخرطوم وتُسدُّ في وجوهنا الطرق. كانت ثمة إرهاصاتٍ تنذر بزلزال، ورغم أن البوادر كانت تطل برأسها، إلا أن أحداً لم يتخيل أن الطامة ستنفجر بكل تلك القسوة والبشاعة..

​نواصل..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى