التعليم.. أزمة تفكير أم أزمة حلول؟بقلم: خالد ماسا

ملح الأرض..

ودون المواقف المسبقة التي تحمل الهواجس من أي قرار بتشكيل “لجنة” في السودان، نريد هنا الوقوف عند الحال والمآل الذي وصلت إليه منظومة التعليم في سودان الحرب، وبعد مضي ٣ سنوات علا فيها صوت الرصاص على صوت الأجراس في المدارس.

في الأسبوع المنصرم انعقد الاجتماع الأول للجنة التي تم تشكيلها بقرار سيادي لإسناد التعليم، برئاسة السيد وزير التربية والتعليم ووكيل الوزارة. وستكون أجندة الاجتماع الأول المتمثلة في مناقشة الأوضاع الاقتصادية للمعلمين، وتحديات التعليم في الولايات المتأثرة بالحرب وتلك التي استقبلت الطلاب الوافدين، والمخرجات المتمثلة في السعي لتوفير الكتاب المدرسي والإجلاس، والتوصية بصيانة المطبعة الحكومية وإشراف الوزارة الاتحادية عليها لتوفير الكتاب المدرسي.

(*) التعليم .. زعازع الأزمات وتنازع الأوتاد ..

وبرأيي فإن الأولى، وهي أزمة التفكير، هي التي تقود إلى الثانية، وهي أزمة الحلول لقضية بها من التعقيدات التي خلقتها الحرب، وجاءت على أكتاف تراكم مشكلات ظلت ملازمة لقضية التعليم في السودان حتى قبل الحرب، ولم تُجدِ معها الحلول المؤقتة والمستعجلة نفعًا، بغير أنها راكمت المشكلات وأقعدت العملية نفسها.

وعلى ضوء ما نقلناه آنفًا عن اجتماع لجنة إسناد التعليم، يتضح جليًا بأن أزمة التفكير لا تزال قائمة، وأن حدود “الشوف” لدى المسؤولين لا تتجاوز فكرة التعامل مع أزمة العام الدراسي، وكيفية “ترقيع” الفتق السنوي المحفوظ في جدول أعمال الوزارة حتى في أوقات السلم. وكان مجرد مشاركة الوزير في قرع جرس بداية العام الدراسي كافيًا لإعطائه الإحساس بالإنجاز في كل عام، وتظل الحلول “الإسعافية” هي خطة العام وسقف ما تنتجه الدولة للتعامل مع أزمة أهم قطاع فيها.

بمرور ثلاثة أعوام على الحرب، وبآثارها الكارثية على قطاع التعليم في السودان، كنا نتوقع أن يرتقي التفكير الوزاري وأفقه لمستوى الأزمة الحقيقي، وهو التفكير في أزمة جيل من الطلاب والتلاميذ، وأنها ليست قضية عام دراسي في الغالب كانت الوزارة تخرج فيه مهزومة على الدوام بسبب الخريف أو انعدام الخبز، فما بالك ونحن الآن في مواجهة أزمة الحرب بكل تداعياتها وأرقامها المخيفة، والتي يبدو أنها لم تكن حاضرة في ذهن المجتمعين، وأنهم فقط كانوا مشغولين بقصيدة “العام الدراسي” المحفوظة.

للتفكير في حلول قد تبدو موضوعية لأزمة قطاع التعليم في السودان الناجمة عن الحرب، يجب النظر إليها بأفق أوسع من مجرد تعرض المواعين التعليمية للضرر بسبب الحرب، بل تعرضت المنظومة التعليمية بكاملها للضرر، وبكامل أركانها المرتبطة ببعضها، ابتداءً من الفقدان الكامل للبيئة المدرسية سواء بالتدمير الكامل أو الجزئي.

١٠٬٤٠٠ مدرسة تم إغلاقها في مناطق النزاع بحسب تقرير اليونيسف، بينما تحولت آلاف المدارس إلى دور لإيواء النازحين في مدن النزوح، وهذه هي بالأساس قبل الحرب كانت في مرحلة انتقالية تشهد المعالجات المطلوبة لاستيعاب التحول في السلم التعليمي وعودة المدارس المتوسطة.

المعلم، وهو الركن الأصيل في منظومة التعليم، والكتف الذي ظل وعلى الدوام تميل عليه الدولة متى جاء تفكيرها في أزمة التعليم، فلا هو في أعلى سلم الرواتب في الدولة، ولم تتمكن ثورة التعليم العالي بكل كليات التربية المفتوحة فيها أن تسد الفراغ الناجم عن إنهاء فكرة معاهد تدريب المعلمين. وعندما جاءت أزمة الحرب كان المعلمون هم في صدارة ضحايا التشرد والنزوح واللجوء، وضحايا عدم تفكير الدولة في مصيرهم بدون رواتب لمدة وصلت ١٤ شهرًا بحسب آخر بيان للجنة المعلمين.

البحث عن الأمان وضع التلاميذ على درب النزوح واللجوء رفقة أسرهم في ظروف بالغة التعقيد، ليكتمل الانهيار الأكبر في العملية التعليمية بالاختلال في التقويم الدراسي والتباينات الكبيرة فيه من ولاية لأخرى، ناهيك عن التقلص الظاهر في عدد أيام الدراسة حتى في الولايات التي تشهد استقرارًا نسبيًا، للحد الذي يخالف المعيار الدولي بحسب يونيسف لعدد أيام الدراسة.

أما جانب المنهج، فإن الحديث يأتي بلا حرج عن أزمة توفيره بالأساس، ناهيك عن الطعن في محتواه وقراءة مخرجاته ومدى استيعابه للتطور في المناهج عالميًا وأهداف التعليم، والاختلال في مقاييس التقييم والتقويم استنادًا إلى الامتحانات القومية المطعون في عدالتها قبل اندلاع الحرب، لاختلاف ظروف التعليم قبل الحرب في البيئات وتدريب الكادر، وبعد الحرب بمعاقبة الآلاف من الطلاب والتلاميذ فقط لأنهم كانوا في مناطق خارج سيطرة الحكومة وولاية وزارة التربية والتعليم.

ومن أراد الاطلاع على أزمة تفكير الدولة حيال أزمات قطاع التعليم، عليه أن يعود للاجتماعات التي عقدتها الوزارة ولجانها، وأوصت فيها كل ولاية بتجهيز رؤيتها لحل ما ضاع من العام الدراسي، وحلول الأزمة التي ستنتج أزمة أكبر بعد أن تفتقت عبقرية أحدهم ابتغاءً لرضا الحكومة وحفاظًا على المقعد الوزاري بحيلة تعيين 5000 من المتعاونين لسد الفراغ الناجم عن فقدان أرقام تساوي أضعاف هذا الرقم من المعلمين الذين اختاروا مهنًا أخرى تحفظ “كرامتهم” من ذل الراتب الضعيف وقهر المعيشة الذي لا تملك له وزارة المالية ولا الدولة سوى تكوين اللجان.

بهذه العبقرية دفعت الوزارة بهذا العدد لحقل التعليم فقط لأن التفكير في حدود إنقاذ العام الدراسي، وهي أكثر من يعلم بأن الجاهزية لهؤلاء من حيث الدربة والكفاءة المهنية أقل بكثير من الذين تخلت عنهم الوزارة بالإجازات “القسرية” بدون راتب، ليفاضل المعلمون بين “عيشة السوق” و**”قم للمعلم ووفه التبجيلا”**.

بهذا الحل ظلمت الوزارة المتعاونين أنفسهم، وظلمت التدرج الطبيعي لدخولهم حقل التربية والتعليم، ومن قبل ذلك ظلمت الطلاب والتلاميذ وحاجتهم للمعلم المدرب والمؤهل، وهذا يعكس إلى أي مدى أن التفكير الرسمي جاهز ومؤهل للتضحية بالمعلم في مقابل تحقيق الأهداف السياسية، ولو كان ثمن ذلك التضحية بجيل كامل من أبناء وبنات السودانيين.

(*) الأرقام أكبر من حدود اللجنة ..

ما هو الحد الذي يمكن أن تصل إليه أفكار لجنة الإسناد وأرقام الطلاب الذين من المفترض أن يجلسوا الشهادة الثانوية قبل الحرب في حدود ٥٠٠ ألف، ولكن الحرب فرضت أرقامًا وواقعًا يختلف تمامًا، بحيث وصل عدد الجالسين للامتحان بالمعالجات ٢٢٦٬٦٤٨ طالبًا وطالبة، وأن ١٥٧ ألف طالب وطالبة فرضت عليهم الحرب الخروج من فرص الجلوس للامتحان، ووصل عدد الطلاب الذين جلسوا للامتحان من خارج السودان إلى ٤٢ ألف طالب وطالبة، ما يعكس حجم الكارثة التي حاقت بقضية التعليم بسبب الحرب، في ظل انعدام أي خطط تستوعب حجم الأزمة وتدرك الآثار المترتبة عن تفاقمها وتراكمها بسبب التفكير والحلول “الفطيرة”.

أزمة اجتماعية، وهو التوصيف الدقيق لفقدان وحرمان كل هذه الأعداد من الجلوس للامتحانات. وإذا أضفنا إليهم إحصاءات اليونيسف للأطفال الذين صاروا محرومين من التعليم بسبب الحرب، والمقدرين بـ ١٩ مليون طفل، فالأمر هنا يصبح أكبر من فكرة إنقاذ عام دراسي ولجان تجتمع وتنفض على أفكار غير خلاقة أمام التوصيف الدولي لأزمة السودان بأنها أكبر أزمات التعليم في العالم.

وارتباط التعليم العالي بمخرجات التعليم العام سيبدو ظاهرًا في انخفاض نسبة المقبولين للجامعات، والفراغ الكبير في عدد من التخصصات، ونحن في دولة تعاني قبل الحرب من ارتفاع نسب البطالة، وستتضاعف أرقامها بعد الحرب وبسبب هذه الأرقام، وسيحدث بسببها اختلال كبير في سوق العمل.

“هجرة” المعلمين إلى خارج السودان، واندماج الطلاب والتلاميذ في منظومات تعليم بالخارج، وفي الغالب أنهم سيفضلون الاستمرار فيها، لأن التفكير والحلول المقترحة داخليًا من قبل الوزارة ولجانها غير مشجعة تمامًا، لا للمعلمين ولا لأولياء الأمور للمجازفة بمستقبل أبنائهم وبناتهم، لأن المشكلة ليست عامًا دراسيًا يمكن إنقاذه بأنبوب أوكسجين في غرفة طوارئ اللجان.

على الوزارة ولجنة إسناد التعليم التفكير خارج صندوق إنقاذ العام الدراسي، والاتجاه عمليًا باتجاه مخاطبة الأزمة بكلياتها وبأركان العملية التعليمية الكاملة، والوضع في الاعتبار بأننا أمام أزمة جيل ورهان على مستقبل البلاد، لا تجدي معه الحلول الإسعافية المؤقتة، والتعاطي مع أزمة التعليم على أساس أنها مسألة أمن قومي، وإلا نعود فيها في السودان إلى النقطة التي غادرناها قبل انطلاق الرصاصة الأولى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى