الوقود يغيب.. والأسعار “تشتعل” في الخرطوم

الغاز يختفي.. والأسعار "تنفجر"

في قلب العاصمة السودانية الخرطوم، تتصاعد نيران الأزمة لتلتهم معها أبسط مقومات الحياة. فمع شروق كل صباح، تزداد معاناة المواطنين الذين يجدون أنفسهم في مواجهة طوابير طويلة أمام محطات الوقود، بحثًا عن قطرة بنزين أو لتر غاز طهي ضروري لإعداد وجبة بسيطة. أزمة وقود خانقة، طالت المشتقات البترولية من بنزين وجاز، وصولًا إلى غاز الطهي، ألقت بظلالها على كل جوانب الحياة، محولةً أبسط المهام إلى تحديات يومية مرهقة.

في ظل غياب الغاز وارتفاع أسعاره، يضطر الأسر إلى اللجوء إلى بدائل مؤلمة، مثل الفحم والحطب، وهي خيارات ليست فقط مكلفة ماديًا، بل تشكل خطرًا على الصحة العامة. الشوارع تزدحم بالسيارات المتوقفة، والأسعار في ارتفاع مستمر، حيث وصل سعر الجالون في بعض الأحيان إلى أرقام قياسية.

رغم ذلك، أعلن وزير الطاقة عن وجود احتياطيات من البنزين والغاز، ولكن تبقى هناك أسئلة حول ما إذا كانت كافية لتلبية الاحتياجات المتزايدة، ومدى قدرة الناس على تحمل الأعباء المتزايدة؟

الخرطوم – هيام المغربي 

طوابير خانقة

في مشهد يعيد إلى الأذهان أزمات سابقة، عاودت طوابير السيارات الطويلة الظهور أمام محطات الوقود في العاصمة ، في ظل أزمة وقود خانقة تفاقمت مع ارتفاع أسعار البنزين بشكل جنوني.

وفي جولة لموفد “العودة” على عدد من محطات الوقود، بدا واضحاً الازدحام الشديد، حيث اصطفت السيارات في صفوف ممتدة على طول الطرقات، في انتظار الحصول على الوقود. ويعاني المواطنون من طول الانتظار، في ظل نقص المعروض وارتفاع الأسعار.

ولم تسلم أسعار الوقود من موجة الارتفاع، حيث سجل سعر الجالون الواحد من البنزين ارتفاعاً ملحوظاً، حيث وصل إلى 24 ألف جنيه سوداني، مقارنة بـ 17 ألف جنيه سوداني قبل الأزمة.

ومع تفاقم الأزمة، استغل البعض الوضع لتعزيز مكاسبهم، حيث ظهرت سوق سوداء لبيع البنزين في عبوات صغيرة. ووفقاً لمصادر “العودة”، يباع لتران من البنزين بـ 14 ألف جنيه سوداني، بينما يباع اللتر الواحد بـ 7 آلاف جنيه سوداني، على الرغم من حظر بيع الوقود في الجراكن.

ولم يسلم أصحاب “الركشات”من هذه الأزمة، حيث لوحظ قيامهم بتعبئة البنزين بشكل غير قانوني، ومن ثم تفريغه في عبوات صغيرة لبيعه في السوق السوداء.

جولة ميدانية

كشفت جولة ميدانية أجرتها “العودة” في منطقة سوبا شرق بولاية الخرطوم عن أزمة حادة في توفير غاز الطهي، حيث أغلقت معظم المحلات المخصصة لبيع الغاز أبوابها، في ظل نقص حاد في الإمدادات. وتزامنت هذه الأزمة مع ارتفاع ملحوظ في أسعار الأسطوانات، مما فاقم معاناة السكان.

وخلال الجولة، التي أجريت الجمعة الماضية ، وقفت “العودة” على حقيقة الوضع، حيث بدا واضحاً غياب الغاز عن المنطقة. وزارت الصحيفة محل “أولاد الجيلاني” لبيع الغاز، الذي وجد مغلقاً، في إشارة إلى تفاقم الأزمة.

وفي حديثه لـ”العودة”، أعرب المواطن إبراهيم محمد عن استيائه من استمرار أزمة الغاز في المنطقة، مؤكداً على ارتفاع الأسعار بشكل كبير.

وأوضح أن سعر الأسطوانة الواحدة قد ارتفع من( 71) إلى( 81) جنيه مايعادل (30)دولار أمريكي مما يشكل عبئاً إضافياً على كاهل المواطنين في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.

من جانبه، أشار حسين صديق، أحد سكان المنطقة، إلى أن المواطنين يعانون من نقص الغاز منذ فترة طويلة، مما اضطرهم إلى اللجوء إلى بدائل مكلفة وغير صحية مثل الفحم والحطب لتلبية احتياجاتهم اليومية. وأضاف أن هذه البدائل لا توفر الحلول المثالية للطبخ، وتشكل خطراً على الصحة والبيئة.

مراكز خاوية

وتحدث المواطن حسوبة، أحد سكان المنطقة، عن معاناتهم اليومية في الحصول على الغاز، مشيراً إلى أن الكميات المتوفرة “محدودة وتنفد بسرعة”، بالإضافة إلى ارتفاع أسعاره. وأضاف حسوبة أن مراكز التوزيع في المنطقة “خاوية في معظم الأوقات”، مناشداً الجهات المختصة بالتدخل الفوري لإنهاء الأزمة، مؤكداً أنه لم يتمكن من شراء الغاز منذ بداية الشهر الفضيل.

وفي شهادة أخرى لصحيفة “العودة”، أكد مواطن آخر استمرار الأزمة منذ بداية رمضان، موضحاً أن “عربات توزيع الغاز تصل في كثير من الأحيان فارغة”. وأشار إلى “عدم استقرار الأسعار”، مما زاد من الأعباء على الأسر خلال هذا الشهر الكريم. وطالب هذا المواطن المسؤولين بتوضيح أسباب الأزمة والتحرك السريع لإيجاد حلول عاجلة.

وأفاد وكيل الغاز، مهدي عباس، أن منطقة لم تشهد توفر الغاز لمدة تزيد عن سبعة أيام، مشيراً إلى أن السيارات المتواجدة حالياً داخل المحل خالية من الغاز. وأكد أن استمرار هذا الوضع قد أدى إلى معاناة حقيقية للمواطنين، خصوصاً مع تزايد الطلب على الغاز خلال شهر رمضان المبارك.

وفي ظل هذه الأوضاع، ناشد مواطنو سوبا الجهات المختصة بالتدخل العاجل لإيجاد حلول جذرية للأزمة وضمان توفير الغاز بصورة منتظمة للمواطنين. وطالبوا بضرورة اتخاذ الإجراءات اللازمة لضبط الأسعار وتخفيف المعاناة التي يعيشونها.

تأهيل مصفاة الجيلي

وفي تعليق على الأزمة الراهنة، أوضح الخبير الاقتصادي محمد الناير لـ”العودة”،أن الوضع الحالي لا يعكس نقصًا فعليًا في الإمدادات بقدر ما يتعلق بأسلوب إدارة الأزمة. وأشار إلى أن تصريحات وزير الطاقة الأخيرة كانت مطمئنة بشكل كبير فيما يخص حجم المخزونات والسفن التي تصل إلى الموانئ السودانية.

كما أكد الناير أن الموانئ السودانية لم تواجه مشكلات مباشرة في الإمدادات، لافتًا إلى أن التوترات في مضيق هرمز تؤثر على حركة جزء كبير من تجارة النفط والغاز العالمية، حيث يمر عبره نحو 20% من استهلاك النفط على مستوى العالم.

وأضاف أن السودان قادر على استيراد احتياجاته من مصادر بديلة، مثل المملكة العربية السعودية التي أنشأت مسارات تصدير جديدة عبر ميناء ينبع. وأوضح أن البلاد قد لا تتأثر بشكل كبير إذا تم إدارة المرحلة بشكل سليم.

وأشار الناير إلى أن الشائعات واندفاع المواطنين نحو شراء كميات أكبر من احتياجاتهم قد يسفران عن نقص مؤقت في الإمدادات. ودعا الجهات الرسمية إلى ضرورة توفير معلومات واضحة للمواطنين حول حجم المخزون ومستوى الإمدادات.

كما دعا إلى ضرورة إدارة الأزمة بفعالية وتعزيز كفاءة استخدام المخزونات المتاحة. بالإضافة إلى ذلك، شدد على أهمية تسريع خطط إعادة تأهيل مصفاة الجيلي واستعادة مناطق إنتاج النفط التي كانت تسهم سابقاً بنحو 50% من استهلاك البلاد من المشتقات النفطية.

الاستثمار في الأزمات

في الوقت نفسه، يعتبر الخبير الاقتصادي كمال كرار أن نقص الوقود وغاز الطهي في الخرطوم يعد أحد النتائج المترتبة على الأزمات العالمية، وخاصة تلك التي تعاني منها منطقة الخليج والبحر الأحمر. ويشير كرار إلى أن تلك المناطق تلعب دورًا حيويًا كممرات للتجارة العالمية، بما في ذلك تجارة النفط الخام والمنتجات المشتقة منه.

وأوضح كرارلـ”العودة” أن الحرب الدائرة في السودان قد أدت إلى تدهور إنتاج النفط المحلي، وتوقفه في نهاية المطاف. وأشار إلى اعتماد البلاد الكلي على الاستيراد، الذي يواجه تحديات جمة.

“الاستيراد في يد شركات وجماعات هيمنت على سوق النفط، وتمكينها من تحديد الأسعار والتحكم في العرض والمخزون، مما أتاح لها الاستثمار في الأزمات. هذا يفسر ظاهرة الاكتظاظ في محطات الوقود والندرة في المشتقات البترولية”،بحسب كرار.

مخاوف التصعيد

عبر كرار عن قلقه إزاء التوترات المتزايدة في المنطقة، بما في ذلك التهديدات المحتملة بإغلاق مضيق هرمز أو انتقال التهديدات إلى البحر الأحمر. وأكد أن هذه التطورات ستؤدي إلى تفاقم الأوضاع المعيشية وستؤثر سلبًا على تدفق الواردات، وخاصة النفط.

“حتى في حالة توفر النفط، فإن الأسعار سترتفع، مما سيفيد سماسرة النفط”، قال كرار، متوقعًا استمرار الأزمة طالما استمرت التوترات في المنطقة، وربما لفترة طويلة.

الحلول المقترحة:

دعا كرار إلى تدخل عاجل من قبل الدولة – الغائبة حاليًا – لحماية المواطنين والحد من تداعيات الأزمة. واقترح البدء بحصر المخزونات وتحديد آليات واضحة لتنظيم السوق والحد من التلاعب بالأسعار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى