تسريبات السياسيين.. (الشينة منكورة)
المستهدفون يرددون جهراً: (كذب المسربون ولو صدقوا)

تصريحات الساسة بين أزمة المصداقية، وصناعة الرأي العام
من أغراض التسريبات (تشويه الصورة) و(إختبار الرأي العام)
المعارضون يستغلون الموقف، والذكاء الاصطناعي (الحيطة القصيرة)
الظاهرة تعكس تعقيدات العمل بين المكونات
هل تنجح بيانات النفي في إصلاح ما افسده المسربون؟
تقرير: معاوية الجاك
في الحياة السياسية الحديثة أصبحت ظاهرة التسريبات الإعلامية واحدة من أكثر الظواهر حضوراً وتأثيراً في تشكيل الرأي العام، فكثيراً ما تتداول وسائل الإعلام أو منصات التواصل الاجتماعي تصريحات منسوبة إلى سياسيين أو شخصيات مشهورة في أيٍ من المجالات، وتكون هذه التسريبات تصويراً للقاءات في اجتماعات مغلقة أو تسجيلاً لمكالمات خاصة، ليتحول هذا المحتوى إلى مادة تثير جدلاً كبيراً يسيطر على حديث المجالس، قبل أن يخرج أصحابه لاحقاً فيجتهدون للتحرك في كل الاتجاهات للنفي بصورة سريعة.
هذه الظاهرة تعكس تعقيدات العمل السياسي والثقافي والاجتماعي والرياضي، وتطرح تساؤلات جوهرية حول الشفافية والمصداقية وإدارة الخطاب العام أمام المواطنين.
سرعة الانتشار
أول ما يلفت الإنتباه في هذه الظاهرة هو سرعة انتشار التسريبات في العصر التفنية الحديثة مع النشاط الواسع لمواقع التواصل الاجتماعي، فالملاحظ أنه مع ظهور أيٍ تصريح منسوب لمسؤول سياسي، تنتشر الأخبار خلال زمن وجيز للغاية عبر المنصات الإعلامية ومواقع التواصل الاجتماعي، ويتحول الأمر إلى موضوع نقاش وتحليل واسع، غالباً ما يحدث ذلك قبل التحقق من صحة المعلومات أو معرفة السياق الكامل للتصريح، وهنا يستغل البعض هذه التسريبات للنيل من صاحبه سريعاً لتصفية حسابات قديمة قبل أن يتم نفيه.
أما السياسي فيجد نفسه أمام ضغط إعلامي وجماهيري كبير، مما يدفعه في كثير من الأحيان إلى إصدار بيان نفي أو توضيح.
فشل بيانات النفي
أول ما يفعله الشخص المتهم بالتسريب هو إصدار بيان لإقناع الرأي العام بعدم صحة مضمون التسريب، وفي بعض الحالات قد يفشل في إقناع الرأي العام، كما في حالة عثمان كبر نائب رئيس الجمهورية السابق ورئيس مجلس شورى المؤتمر الوطني، وحاكم شمال دارفور الاسبق، حيث اتجهت الغالبية الغالبة لتصديق التسريب رغم اجتهاد الرجل في النفي عبر إصدار بيان عسى ولعل يُنهي حالة الجدل الدائر.
وفي بعض المرات ينقسم الرأي العام بين مصدق ومشكك، فهناك من يعتقد أن التسريب يعكس الحقيقة، وأحياناً يكون النفي محاولة لاحتواء الضرر السياسي أو تجنب تبعات قد تترتب على التصريح، خاصة إذا كان يتعلق بقضايا سياسية مهمة أو تتعلق بقضايا أمنية، ففي هذه الحالة تتعقد الأمور كثيراً.
مدى الصحة
من ناحية أخرى، لا يمكن تجاهل احتمال أن بعض التسريبات قد تكون غير دقيقة أو حتى مفبركة، فالصراع السياسي والإعلامي قد يدفع بعض الجهات إلى نشر معلومات منسوبة إلى خصومها بهدف إحراجهم أو التأثير على صورتهم أمام الجمهور، وفي هذه الحالة يصبح النفي محاولة للدفاع عن السمعة السياسية أكثر من كونه تراجعاً عن موقف حقيقي.
تسريبات بغرض الإختبار
هناك حالات يكون فيها التسريب مقصوداً من داخل الدائرة السياسية نفسها، فبعض السياسيين أو مستشاريهم قد يلجأون إلى تسريب تصريحات أو مواقف بشكل غير رسمي لاختبار ردود فعل الجمهور أو القوى السياسية الأخرى، فإذا كانت ردود الفعل إيجابية يمكن تبني الفكرة رسمياً، وإذا كانت سلبية يمكن التراجع عنها بسهولة عبر النفي أو الادعاء بأن التصريح مفبرك ولغرض ما.
إضعاف الثقة في المسؤولين
عطفاً على ما تقدم، فهذه الممارسات تؤدي في النهاية إلى إضعاف الثقة بين الجمهور والسياسيين، فعندما تتكرر حالات التسريب والنفي، يصبح المواطن أقل قدرة على التمييز بين الحقيقة والمناورة السياسية، وقد يؤدي ذلك إلى حالة من الشك العام في الخطاب السياسي، حيث يُنظر إلى التصريحات الرسمية على أنها قد لا تعكس المواقف الحقيقية التي تُناقش خلف الأبواب المغلقة.
أدوار عديدة للتسريبات
هذه التسريبات قد تلعب دوراً مهماً في كشف ما يدور داخل مراكز القرار، خاصة في الأنظمة السياسية التي تفتقر إلى الشفافية، فالتسريبات قد تكشف عن توجهات أو صراعات داخلية أو قرارات يتم اتخاذها بعيداً عن أعين الرأي العام، ومن هذا المنظور يمكن اعتبارها أداة غير رسمية للمساءلة السياسية، رغم ما قد يحيط بها من إشكالات تتعلق بالدقة والموثوقية،
وفي النهاية، تبقى ظاهرة التصريحات المسرَّبة ثم نفيها جزءاً من المشهد السياسي المعاصر، وهي تعكس حالة التوتر الدائم بين السرية التي تحكم بعض جوانب العمل السياسي وحق الجمهور في معرفة الحقيقة، ومع استمرار تطور وسائل الإعلام.
نماذج لتسريبات سابقة:
تسريبات لوزير المعادن، كِبِر، أردول والجكومي
محلياً حدثت بعض التسريبات كان آخرها لعثمان يوسف كبر والي شمال دارفور الأسبق ونائب رئيس الجمهورية ايام نظام الانقاذ، والذي وجه نقداً قاسياً للفريق اول ركن عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة، وخطورة حديثه أنه جاء في توفيت بالغ الحساسية ويفتح جراحاً قد يصعب معالجتها، حيث تعرض لعلاقة البرهان بالإسلاميين عقب اجتهاد العالم في ابعادهم من المشهد السياسي، وهناك التسريب الشهير بين وزير المعادن الحالي نور الدائم طه والسياسي الشاب مبارك اردول ومن خلاله تعرض اردول بالحديث عن البرهان بصورة عنيفة، وقبل فترة كان تسريب المكالمة التي تردد أنها كانت بين وزير المعادن الحالي نور الدائم طه والجكومي وتعرض فيه الثنائي للبرهان وبعض التغييرات للوجوه السياسية، وتلاحظ أن وزير المعادن الحالي والبرهان هم القاسم المشترك في التسريبات والتي إجتهد أصحابها في نفيها بججة أنها ذكاء إصطناعي وقد تم التلاعب في الأصوات.
تسريبات القادة العرب في وثائق ويكيليكس
يعتبر موقع Wiki)(Leaks المشهور من المواقع التي نشرت تسريبات مكتبات سياسيين على مستوى العالم وقد هزت تلك التسريبات وقتها صورة الكثيرين وكانت قد تضمنت آلاف البرقيات الدبلوماسية الأمريكية في العام 2010، ظهرت تصريحات منسوبة إلى عدد كبير من القادة العرب في اجتماعات خاصة مع مسؤولين أمريكيين.
بعض هذه التصريحات كان مختلفاً عن المواقف المعلنة في الإعلام، مما أثار جدلاً سياسياً كبيراً، وفي عدة حالات فضلت الحكومات العربية عدم التعليق، وبعضها اكتفى بالتعليق أن هذه الوثائق لا تعكس بدقة ما قيل في تلك الاجتماعات.
الغرض من التسريبات
التسريبات لا تتم صدفةً أو بحسن نية، غالباً من ورائها عرض محدد، فمثلاً بعض التسريبات أصبحت جزءًا من الصراع السياسي والإعلامي في كل دول العالم ومنها العربي. فهي قد تكشف أحيانًا ما يدور خلف الأبواب المغلقة، لكنها في الوقت نفسه قد تُستخدم كأداة للتأثير السياسي أو التشويه الإعلامي. ولهذا غالباً ما يتبعها نفي أو توضيح من السياسيين، في محاولة لاحتواء الأثر السياسي للتصريحات المسربة.
من المتعارف أن التسريبات تُنشر عبر قنوات إعلامية معارضة مثل نشر الاجتماعات المغلقة لقيادات المؤتمر الوطني قبل سنوات وعقب سقوط نظام الإنقاذ عبر قنوات معارضة للنظام السياسي، كما حدث في حالة تسريبات اجتماعات ايام حكم الوطني وقتها بقيادة البشير وتعتبر تلك التسريبات هي الاخطر والاشهر لأنها ضمت كل قيادات الإسلاميين وكان الحديث فيها بشفافية َصراحة غير معهودة وكشف العديد من أسرار الإسلاميين صاحبت فترة حكمهم، وتضمنت معلومات مسربة من اجتماعات مغلقة داخل الحزب الحاكم ومع قيادات عسكرية.
بعض هذه التسريبات نُشر في وسائل الإعلام أو عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وتضمنت آراء أو توجيهات سياسية حساسة. وفي أحيان كثيرة كانت الجهات الرسمية تنفي صحة هذه التسريبات أو تقول إنها أُخرجت من سياقها، بينما يرى معارضون أنها تعكس حقيقة ما كان يُقال داخل دوائر السلطة، واستغل البعض مضمون تلك التسريبات بصورة مكثفة وتم تنظيم حملات إغتيال معنوية لشخصية نظام الإسلاميين وتشويه صورته أمام الرأي العام داخلياً وخارجياً وما زال أثر تلك التسريبات موجوداً
المعارضون واستغلال الموقف
تسريبات الاخبار الخاصة للعالم الخارجي لمواقع التواصل الاجتماعي والفضائيات الإعلامية العالمية أو الإقليمية، غالبا ما تحدث بواسطة أشخاص من داخل المجموعة ويجي التسريب لعدة اسباب منها تصفية حسابات شخصية مع فرد أو جماعة وفي بعض المرات يتم التسريب من باب التكسب ببيع التسجيلات لجنى المال مقابل بيعها دون وجود اعتبار لتأثير تسريبها، وفي مرات قليلة يكون التسجيل قد تسرب من باب الإهمال ولكن الغالب يكون التسريب من باب القصد ووفقاً لما ذكرنا اعلاه
الشينة منكورة
في الغالب أو المؤكد أن التسريبات تتعرض للنفي بواسطة أصحابها الذين يظهرون (صورة أو صوت) ويجتهدون بقوة لنفي التسريب فيتجهون إلى التركيز على فرضية أن التسجيل مفبرك وغير حقيقي، ويجتهدون بشدة في نفيه عبر إصدار بيانات كما هي حالة عثمان يوسف كبر أو يكون النفي عبر مواقع التواصل الاجتماعي التي اصبحت نشطة بصورة مكثفة وتتحكم في تشكيل الرأي العام، وبديلاً للصحافة المقروءة، كما يتم النفي عبر أشخاص مقربين من صاحب التسريب، وتجد لسان حال المستهدَفين يقول: (كذب المسربون ولو صدقوا) .
الذكاء الاصطناعي المغلوب على أمره
تطور تقنية الذكاء الاصطناعي بصورة متقدمة جداً، شكلت ازعاجاً كبيراً للبعض، وفي ذات الوقت استغلها البعض لنفي التسريبات بالاتجاه مباشرة لرميها على الذكاء الاصطناعي والذي من فرط تطوره أصبح الكثيرون يصدقون تبرير صاحب التسريب فيما يشكك آخرون فتجدهم ما بين التصديق والتكذيب وفي هذه الحالة المستفيد هو صاحب التسريب.
البروفيسور نعمات:
الإنكار يحدث نتيجة لاضطرابات نفسية، أو إدمان، أو من تضخيم للذات
من جانبها فسرت البروفيسور نعمات الزبير، الخبير في علم النفس حالة إنكار الشخص لما يتم تسريبه من حديث ذكره بنفسه، ما هي إلا آلية دفاعية لعدم الاعتراف بالحقيقة، أوالهروب من تجارب، أو حديث غير صحيح ادلى به، او غير مصرح له الحديث عنه.
واضافت البروفيسور نعمات: يحدث الإنكار للحماية من الشعور بالقلق أو تجنُب التعامل مع التوتر والمشاعر المؤلمة، وذلك من خلال رفض الاعتراف بوجود خطأ أو خلل ما، ولذلك يخدم الإنكار أغراضه ومنها أنه غير مضطر للاعتراف بوجود مشكلة، أو ليسمح لنفسه بتقليل العواقب المحتملة التي تنتج من التصرف أو السلوك والهروب من المساءلة، أو لعدم استعداده لتحمل مسؤلية سلوكه مع إلقاء اللوم علي الآخرين، والتأكيد علي البراءة واقناع الآخرين وبذل المجهود في ذلك.
واصلت البروفيسور نعممات الزبير حديثها ل(العودة) وقالت إن البعض يلجأ للانكار بسبب تدني احترام الذات، وأن الاعتراف بالحقيقة يسبب الشعور بالخزي والعار بسبب وصمة العار التي قد تلحق بالشخص نتيجة لتهوره او كذبه او تسببه في تورط آخرين بقصد او بجهل منه.
ولفتت البروف الزبير الإنتباه إلى أن اكثر الطرق شيوعاً في إنكار مايحدث هي اقناع الفرد لنفسه بأن الأشياء ليست بهذه الخطورة أو السوء الذي يعتقده البعض وأن الآخرين هم من يشككون فيه، ويزايدون عليه بسبب الغيرة أو الحسد، أو استخدام اسلوب بأن هناك من يتآمرون عليه ويحاولون ايقاعه، وهذا هو (توهم الأهمية أو نظرية المؤامرة) وتشتيت الانتباه.
وختمت البروفيسور نعمات حديثها ل(العودة) بأن الإنكار يمنع من الاعتراف أو مواجهة الحقيقةك، وقد يحدث الإنكار نتيجة لاضطرابات نفسية او إدمان أو من تضخيم الذات والحقيقة، او لكل ما ذكر من أسباب.



