“العودة” في حوار التوقعات وإستشراف المستقبل مع الدكتورة سهير صلاح

مشروع حرب السودان كان مخططاً له جيداً ورغم ذلك إستطاع الجيش والمقاومة

الهدف من الحرب كان تهجير الشعب السوداني لتحل مكانه مجموعات عرقية أخرى

كل الخطط تشير لإضعاف وتقسيم السودان لخمسة دول ضعيفة

الجيش الآن يتقدم بوتيرة ثابتة وحقق إنتصارات تعتبر معجزة

قرار تصنيف جماعة الأخوان قد يكون ذريعة لتدخلات قادمة بعد فشل الإمارات والمليشيا في السودان

حوار: الرشيد أحمد

جاء حوارنا مع الدكتورة سهير صلاح بعدة عباءات ، أولها أنها قيادية إسلامية كبيرة ، وترقت في حزبها حتى جلست على الصف الأول في مقاعده وزاحمت رجاله ، وكذلك تعتبر من النساء القلائل اللائي تخصصن في السياسة وضروبها ودروبها وعلاقاتها الداخلية والخارجية وبل أكثر من ذلك حيث عملت على تدريسها في بعض الجامعات السودانية ووصلت فيها لدرجة الكتوراة تحصيلاً ، كما أنها أي الدكتورة سهير آخر من تسنم المواقع الدستورية في حكومة البشير وشهدت الأحداث العاصفة التي أدت لزوالها ، بكل هذه الصفات والمواقع جلسنا إليها تحاوراً وتخابراً وكانت حصيلتنا معها هذه الإفادات التي ربطت الحاضر ونظرت للمستقبل السوداني ومحيطه القريب والبعيد.

*مخطط قديم*
نبدأ معك د. سهير ثلاثة أعوام على إندلاع الحرب ، الآن تتم مطاردة المليشيا في تخوم كردفان، برأيك كيف تسير؟
-ثلاثة أعوام من الحرب الشرسة والتي تعرض فيها السودان لغزو خارجي بأيدي سودانية وغير سودانية وتمويل ودعم لوجستي إماراتي ومرتزقة من (17) دولة ومشروع توطين مواطنين جدد وتغيير ديمغرافي يغير وجه السودان للأبد كما خطط له ، هذا المخطط يشبه ما حدث في أمريكا قبل ما يقارب ثلاثة قرون إذ أختفى المواطن الأمريكي الأصلي وهاجر إلى أمريكا بريطانيين ومطاريد أوربا وإستولوا على الأرض وقتل منهم حوالى ٥٥ مليون شخص وأستوطن الأوروبيون الأمريكا حتى اليوم.
المشروع كان مخطط له جيداً وأُعد له أعداداً متقدماً من حيث التخطيط والإمداد ، ورغم عدم إستعداد الجيش إلا أنه ، ومع المقاومة الشعبية والمشتركة إستطاعوا إخراج هؤلاء من كافة المواقع في ولاية الخرطوم والجزيرة والنيل الأبيض والآن يطاردونهم في تخوم كردفان ، ولن ينتصروا في أي معركة قادمة بالحسابات العسكرية والسياسية والسياقات الإقليمية والدولية التي تقاتل فيها المليشيا، وبإسترداد ما تبقى من كردفان يصبح تحرير دارفور مسألة وقت.

*توسع نوعي*
هنالك من يرى أن هذه الحرب مخططاً قبل مدة كافة من المليشيا ، لذا كنت السيطرة على المدن الكبيرة سهلة وبلا عناء؟
-بعد تواصل الدعم السريع مع الأمارات في عاصفة الحزم بدأت الأخيرة سراَ في رسم خطتها مع حميدتي دقلو، خطة إسرائيل في الحقيقة ، بسلسلة من الإجراءات منها توسيع صف المليشيا وزيادة عددها بعد إسقاط حكومة الإنقاذ، وبدأت في التوسع النوعي أيضاً في إمتلاك منظومات دفاعية وهجومية حديثة ، ووسائل إتصالات وتجسس حديثة أيضاً ، إضافة لمطالبتها بحل قوات العمل الخاص والتي إعتبرتها قوة تشكل خطر على مستقبل الخطة وإحتلال مقراتها وأسلحتها ، وطالبت بحراسة الإذاعة والتلفزيون والقصر الجمهورى والمواقع الإستراتيجية.
وقبيل الحرب بأسابيع أدخلت أعداد كبيرة من جنودها إلى ولاية الخرطوم وإستولت بطريقة ما على المدينة الرياضية ليعسكروا فيها إضافة لمجموعة كبيرة أكثر من أربعة ألف كانوا في معسكر سركاب ، وكذلك توزيع هذه القوات على المواقع الإستراتيجية في العاصمة إستعداداً لساعة الصفر والتي كانت في ١٥ أبريل ٢٠٢٣م، بل أدخلوا حتى اللودر الذي سيهدمون به بيت رئيس مجلس السيادة قبيل أيام قليلة من ساعة الصفر.
وعلى الرغم من ذلك لم يستطيعوا الدخول لمقرات القوات المسلحة والتي تحصنت بها وواجهت المليشيا، وإنتشرت المليشيا في مدن الخرطوم المختلفة بطريقة منظمة وبدأوا في إحتلال البيوت وتمليكها وتوزيعها على القيادات والمرتزقة الأجانب بأعتبارها غنائم حرب، بل إستجلبوا أسر من بواديهم للسكن في البيوت التي أحتلوها، وأتلفوا سجل الأراضي لتؤول البيوت لهم ، اذ لم يكونوا يتوقعون أن يخرجوا من الخرطوم وظلوا يوزعون بيوت المواطنين على منسوبيهم كل حسب درجته وقربه من القيادة ومن الأسرة والقبيلة وبطن البيت.
نعم التحضيرات هذه يسرت لهم الإنتشار والذي لم يكن سيطرة حقيقية وبه قتلوا وإغتصبوا ونهبوا المواطنين الذين خرجوا من بيوتهم لأنهم لا يستطيعون مواجهة سلاح المليشيا في أيدي مرتزقة لا يهمهم سوى القتل والنهب.

*إمتداد خارجي*
أثرت الحرب على السوادنيين بصورة كبيرة على السودانيين إقتصادياً وسياسياً وحتى ديمفرافياً من نزوح ولجوء؟
-نعم الحرب كان لها أثر إقتصادي كبير ، إذ نهبت المليشيا جل مدخرات المواطنيين في البيوت من ذهب وأموال وسيارات ، وكان الهدف إفقار الشعب السوداني وإجباره على النزوج والهجرة واللجوء ليحل محلهم مجموعات عرقية معينة من قبيلة دقلو والقبائل المتحالفة معه وبعض إمتداداتهم التي جاءت من خارج السودان بغرض الإستقرار في محاولة لتغيير ديمغرافي خطط له مسبقاً .

*خطة كبيرة*
تنبأتي في حوار لك قبل عامين بأنه حال نجاح مشوع تدمير السودان ستنتقل الخطة للجوار تحديداً مصر السعودية ، على أي أساس قامت هذه القراءة؟
-هذه القراءة بنيت على الخطة الكلية وأهدافها التي وضعها صهيانة وإسرائليين ، وأبرزها مشروع برنارد لويس والتي تحدث فيه عن الشرق الأوسط الجديد ، وكذلك خطة آفي دختر وزير الأمن الإسرائيلي والتي قدمها في محاضرة في العام 2008 م وترجمت إلى العربية وكل هذه الخطط تقول بأن الهدف هو الإضعاف والتقسيم لكل الدول العربية المحيطة بإسرائيل لتصبح هي الأقوى والأكبر ، وجزء من تفاصيلها تقسيم السودان لخمس دول ضعيفة وكذلك مصر لثلاث، أما السعودية فيرغبون تقسيها لثلاث أو أربعة، إضافة لتدويل الأراضي المقدسة ، وفي الخطة ستختفي دول من الوجود تماماً، وهي مشروع كبير لا يمكن أن تنتاوله في لقاء محدود، وضرب العراق ولبيبيا والصومال كلها أجزاء من الخطة التي نفذت في فترات مختلفة.

*إرتباط مباشر*
هل ما يدور بالسودان من أحداث له علاقة بمشروع الشرق الأوسط الجديد ؟
-نعم مما يدور ببلادنا هو خطوة في إنفاذ البرنامج الذي تحدثت عنه وهو تبع برنارد لويس وآفي دختر ، إذا أنه بعد التخلص من الجيوش القوية والتي من الممكن أن تدعم مصر والسعودية حال حربهم عليها ، يتخصلوا منهما أولاً ، الخطوات في محيط الهدف الأكبر مصر والمملكة حتى دجلة والفرات غرباً ونهر النيل شرقاً ، لذلك يجب أن يتخلصوا من سودان قوي وليبيا قوية وعراق قوي وسوريا قوية حتى ينقضوا على مصر والمملكة بعد تجريدهما من أي دعم محتمل.

*القيادة السودانية*
لا تبدين متفائلة بقراءتك تلك للحرب في السودان ، ولكن حال سارت الأمور بوتيرتها الحالية وتقدم للجيش في محاور القتال ، ألا يمكن أن تختلف هذه التوقعات للأفضل؟
-كنت في البداية بعد تخاذل القريب والبعيد عن السودان أخشى أن تطول الحرب لأكثر من ما هو متوقع ، وأن تستمر كحرب إستنزاف بشري ومادي لإضعاف الدولة السودانية وإيجاد وسائل للتدخل الخارجي ، لكن بحمد الله وحنكة وحكمة القيادة السودانية والتي تبنت إستراتيجية الحرب والتي شكل الزمن والجغرافيا فيها عامل حاسم إضافة للإستنفار الشعبي الكبير الذي ساهم مع الجيش والقوة المشتركة في قلب ميزان القوى لصالح السودان ، وعلى الرغم من ضلوع بيوت خبرة وتخطيط خارجي قوي ، ودعم لوجستي غير محدود مع دبلوماسية الإمارات التي إستطاعت أن تجند وتشتري وتبتز وترهب كثير من قيادات دول الجوار التي لعبت دوراً كبيراً في الحرب في السودان وإمدادها بالمرتزقة والسلاح والسماح للإمارات بإستخدام أراضيها لإيصال الدعم العسكري.
توقعت منذ البداية النصر للجيش الذي أعرفه جيداً ، لكني كنت أخشى من إطالة أمد الحرب ، الآن الجيش يتقدم بوتيرة ثابتة ، وحقق إنتصارات تعتبر معجزة ، بعد إنتصارات كردفان ، فإن مسألة دارفور ستكون قضية وقت وترتيبات عسكرية ، كما أني متفائلة جداً بأن السودان سيحقق نصراً حاسماً وسينهض يأسرع مما توقع أكثر المتفائلين.

*وحدة الأمة*
هل ثمة علاقة بصفقة القرن وهندسة شرق الأوسط جديد بالحرب الإيرانبة الإسرائيلية الأمريكية؟
-كل الذي يجري منذ أربعة أو خمسة عقود مرتبط تماماً بهندسة الشرق الأوسط الجديد منذ الحرب الإيرانية العراقية وغزو العراق والصومال ، حتى ثورات الريبيع العربي كلها مراحل وخطوات في تنفيذ خطة الشرق الأوسط الجديد، وللأسف أسهمت الإمارات بصورة كبيرة في مراحل المشروع في العقود الأخيرة الماضية ، ولم تعمل مؤسساتنا العربية كجامعة الدول العربية أو المؤسسات الإسلامية في وحدة الأمة وتوجهاتها لمجابهة مشروع يتم التخطيط له ودعمه بواسطة دول كبرى ومؤسسات دولية مسيطر عليها، بل كانت كثير من دولنا تثق في الولايات المتحدة والتي كانت تستنزف في مواردها وتتموضع على أراضيها لتحقيق هذا المشروع.
وهي خطة صهيوماسونية مسيحية وظهرت أبعادها العقدية خلال الفترة الماضية وعبر تصريحات قيادات عسكرية وسياسية، تستدعي أساطير للمواجهة بينهم وبين المسلمين لتحقق افكار لاهوتية محددة بعودة المسيح.

*هيكلة جديدة*
كيف ترين مسار الحرب الدائرة بين إيران وإسرائيل وأمريكا؟
-مسار الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران سينتهي بإنتصار إيران ، لكن سيتشكل نظام دولي جديد لن تكون فيه الولايات المتحدة هي الأقوى ، أتوقع إنهيار الدولار وتحول التجارة العالمية لعملات أخرى ، وقد يعود الذهب ليكون الإحتياطي ثانية كما أن ميزان القوة يتجه شرقاً ، أما إسرائيل فأتوقع أنها لن تكون كما كانت من قبل بل ستضعف للحد الذي سيجعل كثيراً من الدول التي طبعت بالإكراه التراجع عن ذلك ، وأن يتجرأ الرأي العام العالمي في إنتقاد إسرائيل ومهاجمتها في الإعلام شرقاً وغرباً ، سترتفع اسعار الوقود والغاز بصورة غير مسبوقة، كما أن مسارات التجارة العالمية ستتحول وسينتعش طريق الحرير ، ستقوم مدن وستموت أخرى وكذلك الموانيء بعضها سيصبح مراكز تجارية ضخمة وبعضها سيموت، أعتقد أيضاً أن خارطة الدول العربية سيتغير بعضها بتحالفات كبيرة وهامة، سيعود السودان إلى واجهة الدول الهامة بموارده ، كما أتوقع أن عدم الثقة في الأمم المتحدة قد يؤدي لبداية التفكير في بديل أو تغيير في هيكلتها.

*آثار كبيرة*
هنالك من يرى أن آثار هذه الحرب ستمتد لتشمل كل المنطقة حولنا؟
-آثار الحرب ستصل كل الدول العالم وليس المنطقة فحسب، فمن لم تصله الصورايخ مباشرة سيعاني من إرتفاع اسعار الوقود والطاقة التي سيكون لها أثراً كبيراً على إقتصاد أوربا وأمريكا، كذلك الحركات الإنفصالية في ليبيا واليمن التي كانت مدعومة من الإمارات ومن ورائها إسرائيل وأمريكا لن يكون لها أثر كبير في التوزانات السياسية، أتوقع ظهور المملكة العربية السعودية كفاعل إقليمي ودولي هام.
أضف لذلك أن البحر الأحمر ومضيق هرمز تعتبر ممرات لكيبلات الأنترنت التي تربط ىسيا وأفريقيا وأوربا ، ومن الممكن أن تتأثر بالحرب أو أن تقصد إيران إستهدافها وسيكون لها تأثير كبير على تبادل المعلومات والتواصل بين هذه المواقع.
إن مصير المنطقة يتوقف على التكامل والوحدة بين دولها، من ناحية عسكرية وإقتصادية وسياسية في شكل تحالف كونفدرالي أو إتحاد مثل الإتحاد الأوربي وهذه الدول تمتلك الأدوات التي تجعلها صاحبة نفوذ قوي وحال توسع التحالف ليشمل دول الخليج والسودان ومصر يصبح مركز إقتصادي يتميز بموقع جغرافي وموارد إقتصادية هائلة مع توازن سكاني.

*فشل المشروع*
تأثيرات قرار الإدارة الأمريكية بتصنيف الأخوان المسلمين والبراء بن مالك بإعتبارهم تنظيمات إرهابية على ما يجري في الداخل من حرب ووضع سياسي معقد؟
-القرار ليس أمريكياً خالصاً، وإنما عمل جماعة ضغط محددة كانت ترى أن هذا القرار قد يساهم في إضعاف وتيرة الإنتصارات التي يحققها الجيش، وكذلك أيضاً وسيلة ضغط على الجيش والشعب السوداني، صحيح أنه قد يعقد المشهد على المتابع والمراقب، ولكن داخلياً لن يكون له أثر مباشر على الوضع في الميدان أو السودانيين، وقد يكون ذريعة لتدخلات تالية بعد فشل مشروع الإمارات والمليشيا في السودان.

*إتخاذ القرار*
*هل لهذا التصنيف أثر على إمتداد جماعة الأخوان في محيط السودان، وهل يمكن أن يلي ذلك إجراءات مثله أو قريبة منه؟
-جماعة الضغط التي قدمت هذا المشروع أصرت على إسم الأخوان المسلمين، لأن الولايات المتحدة قد صنفتها بذات الإسم بإعتبارها جماعة إرهابية وهذا ييسر ويسرع إتخاذ القرار بتصنيف ذات الأسم في السودان، ربما لا يعلمون أن جماعة الأخوان المسلمين في السودان هي مجموعة محدودة الأثر ولا علاقة للبراؤون بها ولعل جماعة الضغط هذه أرادت ضجة إعلامية وإحداث ضغوط على الحكومة السودانية والقوات المسلحة.
وربما الخطوة تقود أيضاَ لمضايقات لأفراد وأسماء أعمال وشركات مملوكة لأفراد بإعتبارهم أعضاء في هذه الجماعة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى