منى ابوزيد تكتب : حافز الحافز..!

هناك فرق ..
“المال العام لا يحتاج إلى حراس بقدر ما يحتاج إلى ضمير جماعي يرى فيه نفسه”.. الكاتبة..!
في مصر، أطلقت وزارة المالية قبل فترة حملة إعلانية طريفة، بشأن تعديلات قانون الضرائب العقارية. بدأ فيها صوت المطرب الشعبي عبد الباسط حمودة وكأنه يوقّع على عقد غير مكتوب بين المواطن والدولة “ادفع وسنرقص لك امتناناً”..!
في الخلفية، بعض النجوم مثل أكرم حسني وهنا الزاهد وهالة صدقي وتامر هجرس ومصطفى غريب، يتشاركون مشهداً غنائياً كوميدياً خفيفاً لكنه ثقيل الدلالة. الإعلان لم يكن عن الضريبة فقط، بل عن فكرة أعمق مفادها أن المال العام ليس غنيمة، بل علاقة، وأن الدولة – في حدها الأدنى الأخلاقي – تحاول أن تُقنعك، لا أن تُجبرك، أن تُغازلك وأن تستميلك لا أن ترهبك وأن تُصادر جيبك..!
في حملة سابقة قبل سنوات، فعلت ذات الوزارة الشيء نفسه “شرحت للمواطن أين تذهب أمواله، وكيف تتحول الضريبة إلى شارع ممهد، أو مستشفى أقل قسوة، أو مدرسة لا تُدرّس الفقر..!
في مصر دفع الضريبة ليس بطولة، لكنه أيضاً ليس حماقة. وفيها تعلّم الفن والإعلام – ولو على مستوى الخطاب – أن التهرب الضريبي ليس مجرد مخالفة، بل سقطة أخلاقية. وهذا ليس لأن المصريين ملائكة، بل لأن الفكرة نفسها مُحرجة “أن تقول أنا لا أدفع بصوت عالٍ، يشبه الاعتراف بأنك تأكل من موائد لا تساهم في كلفة إعدادها”..!
والآن إلى الحكاية التي لا تصلح إعلاناً لأنها لا تُضحك أحداً “فس إحدى المؤسسات الحكومية الشهيرة في السودان، هناك بجاحة وظيفية وبلطجة إدارية إسمها” حافز الخافز”، وهي حادثة استعباط روتينية أبطالها موظفون يجتمعون ليقرروا حوافز زملائهم، ثم بعد ذلك يحصلون هم أنفسهم على حافز مقابل اجتماع الحافز..!
الفكرة هنا لا تحتاج إلى كثير شرح، لأنها تشرح نفسها، الموظف لا يرى نفسه مؤتمناً على المال العام بل مستحقاً له. لا يشعر أنه يدير مالاً يخص الناس، بل يتصرف كأنه يدير فرصة. والمشكلة هنا ليست في حافز الحافز كواقعة استهبال وظيفي، بل كعقيدة غير مكتوبة، في إدارة المال العام..!
الحكومة التي لا تحترم حقوق دافعي الضرائب لا تنتظر من موظفيها أن يخجلوا وهم يمدون أيديهم إلى المال العام، فالمسألة ليست فساداً فردياً، بل خللاً بنيوياً في علاقة السودانيين – شعباً وحكومات – مع المال العام..!
في الدول التي تحاول – حتى وإن شكلياً – أن تحكي لمواطنيها أين تذهب أموالهم، تنشأ علاقة خفية من الحرج المتبادل “الدولة تخجل من إساءة استخدام المال العام، والمواطن يخجل من التفاخر بالتهرب الضريبي”، أما حين تغيب الحكاية ويغيب التبرير، لا يعود حافز الحافز استثناءاً، بل يصبح نتيجة منطقية.
مجرد تفصيلة صغيرة في نظام أكبر، يرى في جيب المواطن مورداً لا شريكاً!.
munaabuzaid2@gmail.com



