“اقتصاد بنكك”.. كيف حطمت الحرب “أسطورة الكاش” في السودان؟

​تقرير: أمين محمد الأمين

​لم تكن الحرب الدائرة في السودان مجرد صراع عسكري، بل كانت “هزة عنيفة” أعادت تشكيل السلوك المالي للسودانيين؛ فبين ليلة وضحاها، تحولت التطبيقات المصرفية من “رفاهية تقنية” إلى “الرئة الوحيدة” التي يتنفس بها الاقتصاد المنهك. وفي إفادات صحفية خاصة، أكد خبراء أن هذا التحول أحدث “انقلاباً جذرياً” في بنية النظام المالي؛ حيث هجر المواطنون “رزم الورق” ليعتمدوا كلياً على “الشاشات”، في “قطيعة أبدية” مع نمط الاقتصاد التقليدي فرضتها مرارة تجربة النهب الواسعة للمدخرات.

​حبل نجاة

​يرى البروفيسور الأكاديمي، عصام الدين بوب، أن لجوء السودانيين للتطبيقات المصرفية لم يكن يوماً “رفاهية”، بل محاولة للالتحاق بالعالم وتجاوز عقود من “التخلف المالي” الذي فرضته العقوبات الأمريكية. ويصف بوب الاعتماد الحالي على التطبيقات بأنه “حبل نجاة” أعاد الحركة للدورة الاقتصادية بعد تدمير ونهب المصارف، مؤكداً أن أزمات السيولة السابقة مهدت الطريق لهذا التحول الذي أصبح اليوم أساساً للحياة اليومية وللمشتريات الصغيرة قبل الكبيرة.

قرارات اقتصادية

​وينتقد البروفيسور بوب الارتهان للأنظمة الغربية التي تحجم اقتصاد السودان عبر فرض “الوسيط التجاري” (Broker)، مستغرباً عدم اللجوء لكتل اقتصادية أخرى أثبتت تفوقها التقني مثل الصين، معتبراً أن الانفتاح المالي الحقيقي يحتاج لقرارات اقتصادية “ذكية” تفتقدها الساحة حالياً.

​تشوه هيكلي

​ومن زاوية أخرى، يشخص الخبير الاقتصادي، الدكتور محمد الناير، الواقع المالي ما قبل الحرب بوصفه “معادلة مشوهة”؛ حيث كانت 90% من الكتلة النقدية تتداول خارج المظلة المصرفية (لدى الجمهور)، مقابل 10% فقط داخل البنوك. ويرى الناير أن تجربة النهب المريرة التي تعرض لها المواطنون في منازلهم، مثلت “نقطة تحول” دفعت الجميع قسراً نحو تفعيل التطبيقات المصرفية، مما مكن الدولة أخيراً من استعادة جزء كبير من الكتلة النقدية إلى أحضان المصارف.

​وداعاً للرصيد

​وفي نقطة جوهرية، يستبعد الناير عودة ظاهرة “استبدال الرصيد” (تحويل رصيد المكالمات مقابل الكاش)؛ معللاً ذلك بأن الأنظمة المستحدثة الآن لا تتطلب هواتف ذكية بالضرورة، بل يمكن عبر “الرسائل النصية” من الهواتف العادية إجراء العمليات البنكية بكل سهولة ويسر، ما جعل الحاجة لاستبدال الكاش بتطبيقات البنوك تتلاشى تدريجياً في المدن الرئيسية مثل بورتسودان ومدني، وإن وجدت في بعض المناطق النائية فهي في طريقها للزوال.

​ثقافة بديلة

​ويختتم الخبير الاقتصادي الناير إفادته بالإشارة إلى “تأقلم” المجتمع السوداني مع الواقع الجديد؛ فبرغم تحديات جودة الشبكة أو أعطال التطبيقات أحياناً، إلا أن المواطن السوداني بات اليوم يسير في الشوارع “بجيوب خالية من النقد”، مكتفياً بهاتفه المحمول لإتمام كافة عمليات الشراء والبيع، معتبراً أنه تحول ثقافي واقتصادي من الصعب التراجع عنه مستقبلاً.

​صراع التطبيقات

​وفي سياق المنافسة والتقنية، يجزم الخبير الاقتصادي، الدكتور الفاتح عثمان محجوب، بأن العودة لنمط “الكاش” باتت مستحيلة، مستدلاً بظاهرة “المصارف الخالية” من العملاء. ويتوقع محجوب أن “يُسحب البساط” من التطبيقات المهيمنة حالياً إذا ما ظهر منافس ينجح في تقديم خدمة تحويل “عابرة للبنوك” تتسم بسرعة فائقة وأمان أعلى مما هو موجود حالياً، رغم القوانين الصارمة التي تحمي النظام الحالي من الانهيار.

​الثغرة الأمنية

​بالمقابل، يدق الدكتور الفاتح محجوب ناقوس الخطر بشأن “القرصنة والتزوير”، معتبراً أن الضعف الحالي في أنظمة الأمان يمثل التحدي الأكبر لاستدامة هذا التحول الرقمي، مطالباً باستعانة عاجلة بشركات عالمية متخصصة لزيادة حزم الأمان ومكافحة الاحتيال.

​خلاصة المشهد

​بين رؤية البروفيسور بوب للتحول كضرورة للالتحاق بالعالم وتجاوز الحصار، وتفاؤل الدكتور الناير باستعادة الكتلة النقدية، وتحذيرات الدكتور الفاتح محجوب من ثغرات الأمان، يبقى التحدي الأكبر هو تحويل هذا “الاضطرار” إلى “استدامة”؛ في وطن أصبح فيه “الموبايل” هو المحفظة والبنك والسوق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى