المهندس محمد عبد اللطيف هارون يكتب: المخاض الاستراتيجي للنظام العالمي

هل للصين دور - أملته المستجدات الأخيرة - في تقريب وجهات النظر و كسر جمود التعنت بين طهران و واشنطن ؟

​يشهد العالم مرحلة انتقالية حرجة تتجاوز مجرد الصراعات الإقليمية لتصل إلى محاولة صينية جادة لكسر الهيمنة الأمريكية وتجريد واشنطن من ميزة التفوق التكنولوجي، فبينما فرضت الولايات المتحدة حصاراً بحرياً خانقاً على الموانئ الإيرانية اعتراضاً للتجارة، تحركت بكين في كواليس الحرب لتقديم دعم سياسي وعسكري غير مسبوق لطهران، تجسد في استخدام “الفيتو” بمجلس الأمن لصالحها، وهو صدام لم يقتصر على الأروقة الدبلوماسية بل انتقل إلى الميدان عبر مناورات عسكرية ضخمة قادتها أمريكا بمشاركة حلفائها بالقرب من الحدود الصينية في رسالة ردع مباشرة تزامنت مع عودة اليابان للمشاركة القوية في التدريبات القتالية لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية، مما أثار قلقاً بالغاً في بكين حول مستقبل التوازنات في شرق آسيا.
​هذه العلاقة الصينية الإيرانية تتمحور حول معاهدة التعاون الاستراتيجي الممتدة لـ 25 عاماً، والتي تحولت من إطار نظري إلى واقع عملياتي يُعرف بـ “فخ التنين”، فبرغم النفي الرسمي الصيني لتقديم دعم استخباراتي، تشير التسريبات إلى حصول الحرس الثوري الإيراني على بيانات أقمار صناعية صينية وأنظمة توجيه بديلة لنظام (GPS) التقليدي مما عزز دقة الصواريخ الباليستية، والأخطر هو “الحقن التكنولوجي” الذي تم تحت غطاء المساعدات الإنسانية وشمل صواريخ ذكية قادرة على تجاوز تمويه الطائرات الأمريكية المتطورة، ومع ذلك تبقى الصين حذرة من تحول هذه المقامرة إلى انتحار اقتصادي خاصة أن صواريخ إيران قد تهدد استثمارات صينية ضخمة في دول الخليج تتجاوز 270 مليار دولار.
​وفي خضم هذا التوتر أصبح مضيق هرمز ساحة لاختبار القوة الإرادية بين القوى العظمى، فبينما أعلن القائد الأمريكي توقف التجارة من وإلى إيران عبر البحر تماماً واعتراض 8 ناقلات نفط، سجلت العدسات عبور ناقلة صينية تحمل الميثانول دون اعتراض أمريكي وهو ما فُسر بوجود قنوات اتصال سرية لتجنب الصدام المباشر، وفي المقابل حذرت منظمة “الفاو” ووزير المالية القطري من كارثة غذاء وطاقة عالمية واصفين الارتفاع الحالي في التكاليف بأنه قمة جبل الجليد، مما دفع بدول المنطقة وعلى رأسها السعودية للضغط على إدارة ترامب لرفع الحصار وإيجاد حلول دبلوماسية لحماية الاقتصاد الإقليمي من الانهيار وسط أنباء عن تفاهمات سرية لتهدئة الأوضاع في البحر الأحمر.
​وبينما يستعر الصراع العسكري برزت نقطة ضعف استراتيجية صينية لم تكن في الحسبان وهي غاز “الهيليوم”، حيث كشفت التقارير أن الصين تعتمد على الاستيراد بنسبة 83% لتأمين هذا الغاز الضروري لصناعة الرقائق الإلكترونية وأجهزة الرنين المغناطيسي، ومع اضطراب الإمدادات بسبب الحرب ارتفعت الأسعار بنسبة 120% مما هدد بتعطل مصانع التكنولوجيا الفائقة وتأخير الفحوصات الطبية عالمياً، وهذه الأزمة وضعت بكين في مأزق حقيقي فبينما تعد أمريكا أكبر منتج للهيليوم تجد الصين نفسها مضطرة للبحث عن بدائل لدى روسيا أو قطر وهو ما قد يستغرق سنوات مما يجعل أمن الطاقة الصيني رهينة للاستقرار في الممرات المائية الدولية.
​وعلى الصعيد الدبلوماسي تحولت باكستان إلى الوسيط الوحيد والمحوري في الأزمة حيث استضافت مفاوضات مباشرة وصفتها واشنطن بالمنتجة بينما اعتبرتها طهران لعبة استنزاف للوقت، وبرغم انهيار الجولة الأولى بعد 21 ساعة من النقاش حول تخصيب اليورانيوم تبرز زيارة قائد الجيش الباكستاني إلى طهران بزيّه العسكري كخطوة حاسمة لنقل رسائل وضمانات أمريكية تتعلق برفع العقوبات مقابل وقف البرنامج النووي، حيث تسعى إسلام آباد لإقناع الطرفين بجولة ثانية الأسبوع المقبل في وقت تصر فيه طهران على تجميد التخصيب لمدة 5 سنوات فقط بينما تطلب واشنطن تفكيكاً كاملاً للمنشآت مما يعكس فجوة الثقة العميقة.
​وبالتوازي مع ذلك دخل الملف اللبناني منعطفاً تاريخياً بصدور بيان أمريكي لبناني إسرائيلي يهدف لاتفاق سلام شامل، فبرغم التصعيد الميداني العنيف في بنت جبيل والغارات على القليلة برز حديث عن اتصال مرتقب بين نتنياهو والرئيس اللبناني، حيث تصر الدولة اللبنانية على وقف إطلاق النار كشرط مسبق مدعومة بخطة لإنهاء نفوذ السلاح غير الشرعي واحتقار السلاح بيد الجيش، وفي المقابل تضغط إسرائيل لنزع سلاح حزب الله وفرض سيادة كاملة للدولة اللبنانية كشرط للانسحاب بينما تحاول إيران الاحتفاظ بورقة الحزب كأهم أداة ضغط إقليمية ومصد دفاعي لمنع وصول المواجهة إلى عمقها الجغرافي.
​ولم تكن روسيا بعيدة عن هذا المشهد المعقد حيث أشارت التقارير إلى تقديم موسكو معلومات استخباراتية دقيقة لإيران حول المناورات الأمريكية وتحركات القطع البحرية مما ساعد طهران على تعزيز دفاعاتها، كما أبدى وزير الخارجية الروسي استعداد بلاده لتعويض أي نقص في موارد الطاقة لدى الصين ناتج عن اضطرابات الخليج، مما يؤكد أن هذا التحالف الثلاثي (موسكو-بكين-طهران) يسعى جاداً لخلق عالم متعدد الأقطاب يقلل من قدرة واشنطن على التحكم في الممرات الدولية وهو ما دفع ترامب للتهديد بردود فعل قاسية لحماية المصالح الأمريكية معتبراً أن التحركات الروسية الصينية تهدف لفك الحصار عن طهران قسرياً.
​وأخيراً يعيش الداخل الأمريكي حالة من الانقسام الحاد حيث وصف جزء كبير من الجمهوريين الحرب بأنها مبررة بينما يراها الديمقضاويون عبئاً اقتصادياً استنزف ميزانية الدولة بحزمة إضافية بلغت 200 مليار دولار، وفي هذا السياق يحاول الرئيس ترامب استثمار الضجيج الإعلامي للترويج لقدرته على عقد صفقة نهائية تنهي الحرب مدعياً أن الصين وافقت على وقف تسليح إيران مقابل فتح المضيق، حيث يرى المحللون أن ترامب يسعى لإنجاز سياسي سريع قبل الانتخابات النصفية مستخدماً لغة المليارات وسلاح العقوبات للضغط على إيران للقبول باتفاق إعادة البناء في وقت تراهن فيه القوى الدولية على أن الوقت قد يصب في مصلحة الصين التي تعزز الاستقلال الاستراتيجي للدول بعيداً عن الهيمنة الأمريكية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى