كيف تفكِّر كيف تعيش

عثمان الشيخ الأُسيد
لبيك
طُلِبَ مني الكتابةَ، وتعمدتُ أن ابني الفعلَ للمجهول، حتى لا تعرفون من هو الشخص الذي أتى بي إليكم، لأنه- ومن المحتمل- أن يأتيَ يومٌ تلومون فيه من كان سببًا في معرفتي بكم، وتقولون لي قبَّح اللهُ مقالاتك، فأقول (آمين، وقارءَها) هذه هي طريقة تفكيري (كيف تفكر كيف تعيش)
لستُ صحفيًا ولا كاتبًا ولا أريد أن استعرضَ عضلاتي البلاغيةَ، كل الذي أفعله هو أنني اغوصُ في بطونِ امات الكتب لاتي لكم باللآلئ والدرر من اقوال العلماء وحكم الحكماء وقصص الملوك والامراء وروائع الشعراء والادباء ونوادر الصعاليك والطفيليين والمجانين وغرائب هواتف الجن، والكهنة، وموضوعات متعددة من الوصايا والادعية والاذكار والمواعظ والرقائق والزهد والأخلاق والشجاعة والجبن والكرم والبخل والبخلاء واقوال الفلاسفة، واخبار النساء ووفيات الاعيان،والاسرائيليات، وسير اعلام النبلاء وعلوم تطوير الذات، ومن خواطري احيانا
اتجنب الحديثَ في السياسةِ، لأن الحديث فيها يثيرُ الضغائنَ، وكذلك الحديث في كرة القدم يثير التعصبَ. إلا الحديثُ في الدين- بالرغم من من أنه يُثيرُ الشبهات- لكنه خيرٌ لا بدَّ منه
كلُ هذا التنوع، لأن هذه المجموعة مثل المائدة، تختلفُ فيها مذاقاتُ الطعوم لاختلاف شهوات الآكلين
ممارسة مهنة ليست مهنتك هذا الشي موجود وبكثرة ،أنا لا أتكلم عن انتحال الشخصية ولكني اقصد المهوبين والمتعاونين، المقبولين من المجتمع الراضين عنه والراض عنهم، مثل من يعالج الناس وهو ليس طبيبًا، ومن يعمل محاسبًا وهو لم يدرس المحاسبة، ومن يكتب وهو ليس كاتبًا ولا صحفيًا ومن يرافع عن الناس وعن نفسه وهو ليس محاميًا، حتى القضاة في الإدارات الأهلية، لم يدرسوا القانون، وغير ذلك كثير، كيف تفكر كيف تعيش
سوف أحكي لكم قصةَ رجلٍ أمي رافعَ عن نفسه وهولا يعرف الكتابةَ ولا القراءة، أُتّهِم في جريمة وتم تقديمة للمحاكمة وثبتت عليه التهمة باعترافه، وبشهود أهل البلد التي وقعت فيها الواقعة، شهد عليه رجالُ البلد وحريمُها وحميرُها، وبموجب ذلك أصدر القاضي حكم (حد الجلد) وتم تجريده من ملابسه لتنفيذ الحكم، وفي هذه اللحظة رافع المدان عن نفسه بعبارةٍ واحدةٍ، جعلت القاضي يغير رأيه ويلغي الحكم ويطلق سراحه! ماهي الجريمة وما هي العبارة التي اقنعت القاضي حتى اطلق سراحه؟
*القصة*
في القرن الثاني الهجري ظهر الاختلافُ الفقهي بين أهل العراقِ وأهل الحجاز اختلافًا وصل حدَّ التنافس وترصد الأخطاء، كلتا المدرستين تطلب الحقَّ، ولكن بطرق مختلفة ..في هذه الفترة كان بمكةَ رجلٌ يجمع بين الرجالِ والنساء، ويحمل لهم الشرابَ فتضايق أهلُ مكةَ من هذا الرجلِ الفاجرِ الذي أفسد عليهم ابناءَهم، فاشتكوه إلى والي مكة، فقرر نفيَه إلى وادي عرفات، حيث إنَّ عرفات بعيدةٌ عن بيوت الناسِ ومنطقة خالية، فبنى بها منزلًا، ثم أرسل هذا الفاجر إلى شبابِ مكةَ يقول لهم تعالوا لي في عرفات فإن الجوَّ هناك هادئٌ ونقي وبعيد عن أعينِ الناس والشرطة والوالي. وبالفعل اخذ الشبابُ يستـأجرون الحميرَ من مكة ويذهبون إليه في عرفات، وبعد أن علم اهلُ مكةَ بذلك اشتكوه للمرة الثانية لوالي مكة، فقال لهم الوالي، ما دليلُكم على ذلك؟ فقالوا: نأمرُ بحميرِ الأجرةِ في مكةَ فتُجمع ونرسلها إلى منطقة عرفات، إذا ذهبت إلى منزلِه، فنحن على حق، وإذا لم تذهب، فهو على حق .. فأمر الوالي بجمع حميرٍ من حمير (الأجرة) فجُمعت، ثم أُرسلت إلى عرفات. وفي عرفات توجهت الحميرُ إلى منزله كما هي من غير دليل، فأخبره من الناس بذلك
فقال الوالي للمتهم: إنَّ هذا دليلٌ قاطعٌ يدينك، فامر بتجريده من ملابسه لجلده، فلما نظر الرجلُ إلى السياط، قال للوالي: والله ما يهمني الجلدُ، ولكن يؤلمني أن يَشمتَ فينا أهلُ العراقِ ويضحكون منا ويقولون إنَّ أهلَ مكةَ يُجيزونَ شهادةَ الحمير. فضحك الوالي وخلَّى سبيلَه.. انتهت القصة التي كان فيها بعضُ الفحش وقد حذفته، وسيكونُ هذا ديدني، لأني أعلمُ أنَّه- مع هذا الفضاءِ المفتوح الذي تصعب السيطرةُ عليه- فقد تجدُ مقالاتي طريقَها إلى بعض الأسر، لذلك تجدوني حريصًا- كل الحرص- ألا يكونَ فيما اكتب، ما يقدحُ في العقيدةِ، أو يخدش الحياءَ، او يُثير الفتنَ، أوما يحرك الغرائز. اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك
ما من كاتِبٍ إِلّا سَيَفنى … وَيَبقى الدَهرُ ما كَتَبَت يَداهُ
فَلا تَكتُب بِكَفِّكَ غَيرَ شَيءٍ … يَسُرُّكَ في القِيامَةِ أَن تَراهُ
مهنتُكم هذه (مهنة الصحافة) من المهن الصعبة جدًا، لأنها تخاطب عامةَ الناسِ بمختلف مذاهبهم الدينية و طبقاتهم الاجتماعية وألوانهم السياسية وانتماءاتهم القبلية، وتخاطب العواطفَ والعقولَ، وما أصعب مخاطبة العقول! لذلك هذه المهنة تستحق- بلا منافس- أن تكونَ هي مهنةُ المتاعب. نحن نقرا ما تكتبون بسهولة، فقد قيل: ما يكتبه الإنسانُ بصعوبة يقرأه الناس بسهولة، والحمدالله الذي لم يجعلْنى كاتبًا محترفًا مثلكم، واحمده أن جعلني كاتبًا هاويًا، اكتب في حالة مزاجية معينة، وإن لم تأتِ هذه الحالة المزاجية المعينة، لم يأتِ حرفًا واحدًا، ثم أعيشُ في سلام. كيف تفكر كيف تعيش
أدعو اللهَ لكلِ كاتبٍ وصحفي أن يجعلَ الفائدةَ والمتعةَ والانتشارَ والقبولَ فيما يكتب وفيما يقول
والله أعلى وأعلم..

//////////////



